عاطف سالم سيد الأهل يكتب: ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟.. قراءة في أهداف الحرب ومسار التفاوض

عاطف سالم سيد الأهل يكتب: ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟.. قراءة في أهداف الحرب ومسار التفاوض

كتب: محرر

عاطف سالم سيد الأهل يكتب: ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟.. قراءة في أهداف الحرب ومسار التفاوض


عاطف سالم سيد الأهل يكتب: ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟.. قراءة في أهداف الحرب ومسار التفاوض

لم يعد السؤال المطروح على الساحة اللبنانية يقتصر على مستقبل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل اتسع ليشمل طبيعة التترتيبات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على لبنان في مرحلة ما بعد الحرب. فهل تكتفي بإبعاد حزب الله عن حدودها الشمالية، أم أنها تمضي نحو إعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي بما يكرس معادلات جديدة تتجاوز وقف إطلاق النار إلى رسم مستقبل الدولة اللبنانية؟
وللإجابة عن سؤال: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ لا بد من العودة إلى مسار العلاقات بين الجانبين، التي ظلت منذ عام 1948 رهينة نزاعات متشابكة على الحدود البرية والبحرية، قبل أن يصبح حزب الله محور الصراع الرئيسي، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي يتداخل فيها العمل العسكري مع التفاوض، في محاولة لفرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك بين الطرفين.
نزاع حدودي على الأرض
حيث تم تقسيم النفوذ بين المستعمر الفرنسي في لبنان والمستعمر الإنجليزي في فلسطين تحت الانتداب في 7 مارس 1923، واستمرت هذه الحدود ثابتة في اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، إلا أن الأمم المتحدة رسمت حداً فاصلاً بين البلدين في 7 يونيو 2000 بعد تدخلها لتأكيد انسحاب إسرائيل من لبنان منذ أحداث 1982، وأطلقت عليه «الخط الأزرق»، يمتد من كفر شوبا شرقاً إلى الناقورة غرباً بطول 120 كم، وهو لا يُعتبر حدوداً دولية، فهو يتضمن 13 نقطة عالقة من الحدود الأصلية تعتبرها لبنان أرضاً محتلة بمساحة 485 ألف متر مربع، ومنها مزارع شبعا المحتلة وأجزاء من قرية الغجر.
نزاع على المياه الإقليمية
نشأ خلاف بين البلدين على الحدود البحرية بعد اكتشاف آبار غاز طبيعي أمام الساحل الإسرائيلي، وكانت هناك ثلاثة خطوط مطروحة لتحديد هذه الحدود، خط (1) من رأس الناقورة استخدمته إسرائيل كمرجع في اتفاقها مع قبرص لتحديد الحدود البحرية، واعتبرته لبنان خطأ ويجب الارتكان إلى نقطة التقاطع الحقيقية (23) لأن ترسيم الحدود البحرية يجب أن يكون بخط عمودي على الساحل وأن الخط (1) يخلق منطقة خلاف تصل إلى 1800 كم لصالح إسرائيل. وبعدها وضع الجيش اللبناني خط (29) بموجب خرائطه كأساس للتفاوض لأن الفرق بين الخطين (23) و(29) 1430 كم.
انطلقت جولات من المفاوضات بين الجانبين برعاية أمريكية في 14 أكتوبر 2020 في مقر اليونيفيل، وبعد العديد من المداولات قبلت لبنان بالخط (23) كأساس لتحديد الحدود البحرية في اتفاق تم توقيعه في 27 أكتوبر 2022، مما ترتب عليه دخول حقل غاز كاريش بأكمله داخل المياه الإقليمية الإسرائيلية، ودخولها أيضاً شريكاً في حقل غاز قانا بنسبة مئوية.
حزب الله اللبناني
تأسس في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 في إطار منظومة إيرانية لتجميع الجماعات الشيعية المسلحة تحت سقف واحد، حزب سياسي شرعي وحركة مقاومة، له جناح مسلح اعتبرته مراكز الدراسات الأمريكية أكبر جماعة عسكرية غير حكومية تسلحاً في العالم، قامت أفكاره على أيديولوجيا ولاية الفقيه، وإنكار الهولوكوست ومعاداة الصهيونية، كما أن له مؤسسات خدمية، شارك في العديد من الأنشطة العسكرية، حيث قاتل ضد صربيا في حرب البوسنة، وفي الحرب الأهلية لمساندة النظام في سوريا، كما قام بعمليات ضد إسرائيل في الخارج، ومن أهمها مهاجمة السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين عام 1992.
كان الحزب موضع استهداف إسرائيل على مدى سنوات لتدخلاته مع حركات المقاومة الفلسطينية في إطار ما يسمى بوحدة الساحات، واختطافه جنوداً إسرائيليين، مما أدى إلى حرب عام 2006 بين الجانبين، فاستهدفت إسرائيل قياداته، ومموليه، واستعدت بمناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة للتدريب على اختراق الجنوب اللبناني وتدمير القدرات العسكرية لحزب الله.
كانت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 بمثابة نقطة الانطلاق للقضاء على الحزب، خاصة أن الحرب التي تلتها أسفرت عن نزوح ما يزيد على 70 ألف مستوطن إسرائيلي في المنطقة الشمالية (لم يعد منهم حتى الآن سوى 40% من السكان) وعملت على السيطرة على سلاسل التوريد والإمداد للحزب، ومن أشهرها عملية البيجر، وقامت بعمليات اغتيال للقادة في الصف الأول والثاني، ووصل عدد القتلى من الحزب -حسب بعض التقديرات غير الرسمية- إلى 3000 والجرحى إلى 10000، فضلاً عن احتجاز إسرائيل 11 أسيراً من الحزب، و150 جثة.
بعد خسائر حزب الله المتتالية، ولمعالجة الفراغ التنظيمي أعاد الحزب هيكلة وحداته القتالية ما بين قوة الرضوان وقوة بدر ومراجعة عقيدته العسكرية، كما قام بحملة تجنيد واسعة لمواجهة النقص في صفوفه.
الوضع القائم
وبرزت عدة ترتيبات وخطط للتعامل مع الوضع القائم على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ووضعية حزب الله:
1- كان التوجه الإسرائيلي في البداية يسعى إلى إبعاد قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، وتفريغ الشريط الحدودي جنوب اللبناني من السكان بعمق 5 كيلومترات كمنطقة عازلة، متوازياً مع اقتراح أمريكي بإنشاء مناطق صناعية في الجنوب لجذب الاستثمار وخلق فرص عمل، إلا أن المقترح الأمريكي الاقتصادي قد قوبل بالرفض على مستويات لبنانية مختلفة لأنه لا يشمل العودة الآمنة للسكان ولا يشمل إعادة الإعمار. كما أن الطرح لم يكن واضحاً بشكل كافٍ.
2- عاودت الولايات المتحدة طرح خطة عمل بجدول زمني في أغسطس 2025 تتضمن نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي وتكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تنفيذية قبل نهاية ديسمبر 2025، كما تتضمن إصلاحات مالية واقتصادية للبنان ومراقبة الحدود والمعابر لضبط التهريب وإطلاق سراح معتقلين لبنانيين لدى إسرائيل، ولم تحقق هذه الخطة أهدافها نظراً لرفض حزب الله التنازل عن سلاحه.
3- تم عقد 6 جلسات للتفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية شملت إجمالاً:
الطلب من لبنان إلغاء قانون عام 1955 الذي يحظر التطبيع مع إسرائيل.
تبادل رفات رون آراد،الطيار الإسرائيلي المحتجز جثمانه منذ 16 أكتوبر 1987، مقابل الإفراج عن أسرى لبنانيين من إسرائيل.
تشكيل مسارين سياسي وعسكري للتفاوض حول مناطق تجريبية تنسحب منها إسرائيل ونشر جيش لبناني فيها مصحوباً بمشاركة عسكرية أمريكية لتطهير المنطقة من قوات حزب الله وأسلحته وأنفاقه.
توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2025، على أن تقوم لجنة عسكرية تقنية بمراقبة تنفيذه (أُطلق عليها لجنة الميكانيزم) بقيادة الجنرال الأمريكي جوزيف كلير فيلد كامتداد للجنة الثلاثية التي أنشئت بموجب القرار 1701 عام 2006.
توقيع اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو 2026 في ختام الجولة الخامسة.
التوجه الإسرائيلي
يجدر القول أن الواقع الميداني يسير في اتجاه معاكس، حيث تستهدف إسرائيل عناصر حزب الله وتعمل على إفراغ الجنوب اللبناني من سكانه، أخذاً في الاعتبار البعد الأمني وأن إسرائيل تتعامل مع أي هدنة كتكتيك عسكري لا كتحول سياسي ومراهنتها على إنهاك الخصم واستنزاف بيئته الحاضنة، ومن ثم فإن التوجه الإسرائيلي يقوم على:
ضمان وجود عمق دفاعي جنوب لبنان لفترة مفتوحة، مع حرية تنفيذ عمليات عسكرية، وترتيبات أمنية طويلة المدى تتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار إلى تكريس العمل العسكري في لبنان.
إعادة تشكيل البيئة العملياتية جنوب لبنان بما يقلل من قدرة الحزب على إعادة إنتاج التهديد لمناطق الشمال الإسرائيلي، وخلق مناطق عازلة.
تدرك إسرائيل مدى صعوبة القضاء على ميليشيا عسكرية مثل حزب الله، وبالتالي فهي تعمل على إعادة صياغة معادلة ردع جديدة في لبنان تقوم على رفع تكلفة المواجهة ضده عملياتياً وإنسانياً.
كما تدرك أن سلاح حزب الله مرتبط بتوازنات داخلية لبنانية، وصراعات إقليمية تتداخل فيها حسابات إسرائيل وإيران ودول أخرى، وتستخدم ذلك في فرض رؤيتها القائمة على فصل التعامل مع لبنان وحزب الله بمعزل عن أي عمليات واتفاقيات أخرى، خاصة مع الجانب الإيراني.
تتفق مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية (معهد دراسات الأمن القومي، ومعهد ميسجاف للدراسات الصهيونية) على أن إسرائيل لا تتعامل مع المسار اللبناني كمدخل إلى تسوية شاملة وإنما كاتجاه لإدارة الجبهة الشمالية وتثبيت واقع أمني جديد في جنوب لبنان مع تقليص قدرة حزب الله على العودة إلى الحدود معها أو ترميم قدراته العسكرية.
أشاد بعض المتحدثين في مؤتمر هيرتسيليا للأمن القومي والمناعة الاجتماعية لعام 2026 -وهو أكبر مؤتمر يُعقد سنوياً في إسرائيل- بالاتفاق اللبناني الإسرائيلي على مستوى النص، مع تأكيدهم أن لبنان كدولة لا تستطيع فرض سيادتها ونزع سلاح حزب الله، كما أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلي باركت هذا الاتفاق، في حين رأت بعضها الآخر أنه «وهم مليء بالعقبات وسينفجر في وجوهنا».
أن قوة اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة والتي تعمل كقوة فصل بين البلدين سوف تنتهى مهمتها في 31 ديسمبر 2026، ولا يوجد ما يشير حتى الآن إلى احتمالية وجود أممي في الجنوب اللبناني، خاصة بعد رفض إسرائيل لوجود هذه القوات وكان آخر تمديد لمهمتها -بعد ضغوط على إسرائيل- في 28 أغسطس 2025.
الوضع الحالي والاتفاق اللبناني الإسرائيلي يحقق مكاسب لنتنياهو وحكومته المتطرفة في ضوء الانتخابات البرلمانية المقبلة، فقد منحه مخرجاً لفصل المسارين اللبناني/ الإسرائيلي – الأمريكي/ الإيراني، وأصبح تفكيك حزب الله ونزع سلاحه مسؤولية (لبنانية- أمريكية) مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل كلما رأت ذلك، في نفس الوقت الذي يواجه فيه لبنان أزمة نزوح إنسانية في الجنوب، وتحفُّظ أو عدم ارتياح بعض الدول العربية على التفاوض، والضغط عليه لاستعادة السيطرة الكاملة على كافة أراضيه.
ويبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على كل احتمالات التصعيد وانهيار التفاهمات القائمة والاستعداد لمواجهة مستقبلية أكثر خطورة، خاصة مع رفض حزب الله للمفاوضات المباشرة وإقراره أن سلاحه ليس جزءاً من العملية التفاوضية وانعكاسات ذلك على الأوضاع في الداخل اللبناني.
سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، عضو المجلس المصري للشئون الخارجية.
من مجلة الوطن العربي – العدد العاشر.