معركة الصالحية.. كيف واجه نابليون المماليك والمقاومة الشعبية؟

معركة الصالحية.. كيف واجه نابليون المماليك والمقاومة الشعبية؟

تمر، اليوم، ذكرى معركة الصالحية التي وقعت في 11 أغسطس عام 1798، بين قوات الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت وقوات المماليك في منطقة الصالحية، وذلك في أعقاب دخول الفرنسيين القاهرة وانتصارهم في عدد من المعارك التي سبقت المواجهة، على رأسها معركة الإسكندرية ومعركة إمبابة.

وبعد نجاح نابليون في الوصول إلى القاهرة، بدأ التفكير في التحرك شرقًا لتحقيق أكثر من هدف، في مقدمتها ملاحقة قوات المماليك التي اتجهت ناحية الشام عبر سيناء، قبل أن تتمكن من إعادة تنظيم صفوفها وتجميع قوات جديدة لمواجهة الحملة الفرنسية.

 

من القاهرة إلى الصالحية

تحركت القوات الفرنسية شرقًا وسيطرت على مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، قبل أن تواجه قوات المماليك التي كانت قد أعادت تنظيم صفوفها واستجمعت جزءًا من قوتها، لتلتقي القوات في منطقة الصالحية وتندلع معركة جديدة بين الطرفين.

ولم تقتصر المواجهة على القوات النظامية، إذ شارك الفلاحون من أبناء الشرقية في مقاومة الفرنسيين، وشنوا هجمات متكررة على معسكراتهم وتحركاتهم، وهو ما تسبب في إزعاج القوات الفرنسية وأخر حسم المعركة، رغم التفوق العسكري الواضح الذي كان يتمتع به جيش نابليون.

 

مقاومة المصريين للحملة الفرنسية

ويشير الدكتور أيمن فؤاد، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، إلى أن الحملة الفرنسية لم تواجه مقاومة كبيرة على امتداد الوجه البحري في بداياتها، لكنها واجهت مقاومة أشد في صعيد مصر، مستفيدة من طبيعة المنطقة الجبلية وتركيبة القبائل، إلى جانب الإمدادات القادمة من الجزيرة العربية، فضلًا عن دعوة السلطان العثماني المصريين إلى مواجهة الحملة.

ووفقًا لما يورده المصدر، فإن مواجهة المماليك للفرنسيين لم تكن في الأساس بدافع الدفاع عن مصر بوصفها وطنًا، وإنما جاءت أيضًا في إطار الصراع على السلطة، إذ كان المماليك يسعون إلى استعادة السيطرة على البلاد.

وفي المقابل، فوجئت قطاعات من المقاومة في الوجه البحري بالفارق الكبير في التسليح والتنظيم بين قوات المماليك والجيش الفرنسي، الذي كان يمتلك البنادق والمدافع الحديثة نسبيًا آنذاك.

وعندما علم مراد بك وإبراهيم بك بقدوم الحملة، قالا إنهما سيطآن الفرنسيين تحت سنابك الخيل، لكن الواقع العسكري كان مختلفًا، وهو ما انعكس في العبارة التي نقلها الجبرتي عند مشاهدة المصريين للمدافع: «يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف».

 

كيف وصل نابليون إلى الصالحية؟

وقبل معركة الصالحية كان نابليون قد بدأ زحفه من الإسكندرية باتجاه القاهرة، وتمكن من هزيمة قوات المماليك في شبراخيت بمحافظة البحيرة حاليًا.

وكان التفوق الفرنسي واضحًا من ناحية التنظيم والتسليح، ومع ذلك تكبد الفرنسيون في تلك المواجهة خسائر قدرت بنحو 300 إلى 400 قتيل وجريح، قبل أن يواصل نابليون تقدمه نحو القاهرة.

وعندما وصلت أخبار هزيمة المماليك إلى سكان القاهرة، استعد الأهالي للمواجهة، وانضمت إليهم قوات المماليك بقيادة مراد بك، قبل أن يلتقي الطرفان في معركة إمبابة.

وفي إمبابة، أظهر المماليك مقاومة أقوى، لكن التنظيم والتسليح الفرنسي حسم المعركة في النهاية. ووفقًا للمادة التاريخية الواردة في المصدر، بلغت خسائر الفرنسيين نحو 300 قتيل وجريح، بينما قُدرت خسائر المماليك بعدة آلاف، تراوحت بين 3 و4 آلاف، من بينهم من غرق في النيل أثناء محاولته الفرار إلى الضفة الأخرى.

 

الفلاحون يواجهون الفرنسيين

ومع استمرار الحملة الفرنسية في التحرك شرقًا، لم تتوقف مقاومة المصريين، إذ تعرضت القوات الفرنسية لهجمات متكررة من سكان القرى الواقعة على خط سيرها.

وفي معركة الصالحية، كان التفوق العسكري يميل بوضوح إلى جانب القوات الفرنسية، إلا أن هجمات الفلاحين المتكررة على القوات والمعسكرات الفرنسية فرضت على الحملة مواجهة نمط مختلف من المقاومة، يقوم على الهجوم السريع والمباغتة، وهو ما يمكن وصفه في سياق الأحداث بأسلوب قريب من حرب العصابات.

ورغم تلك الهجمات، تمكنت القوات الفرنسية في النهاية من حسم المعركة لصالحها، ليواصل المماليك انسحابهم شرقًا في اتجاه الشام عبر سيناء.

وتكشف معركة الصالحية بذلك عن جانب آخر من مقاومة الحملة الفرنسية على مصر؛ فبعد المعارك الكبرى التي واجه فيها نابليون قوات المماليك، ظهرت مقاومة محلية من الأهالي والفلاحين، لم تكن تعتمد على مواجهة الجيش الفرنسي في معركة نظامية، وإنما على الهجمات المتكررة واستنزاف القوات خلال تحركاتها.