اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية يعيد الملف إلى الواجهة.. هل تتحول جهود توحيد ليبيا إلى مسار لإطالة المرحلة الانتقالية وتعزيز نفوذ النخب؟!

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية يعيد الملف إلى الواجهة.. هل تتحول جهود توحيد ليبيا إلى مسار لإطالة المرحلة الانتقالية وتعزيز نفوذ النخب؟!

في وقت تتواصل فيه المساعي الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا وتوحيد مؤسسات الدولة، جاءت عملية اغتيال رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية فوزي المنصوري، أمس الإثنين، إثر مقتله في انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته خارج منزله في منطقة الهواري بمدينة بنغازي، لتسلط الضوء حول مدى قدرة أي تسوية سياسية على توحيد مؤسسات الدولة الليبية ما لم تترافق مع معالجة حقيقية للانقسام الأمني وتعدد مراكز القوة.

وفي السياق، يشير تحليل للباحثة الليبية تهاني المقربي، نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 10 أغسطس 2026، إلى أن الليبيين باتوا ينظرون بصورة متزايدة إلى التحركات الدولية واجتماعات النخب باعتبارها “استعراضية” أكثر منها خطوات عملية نحو بناء الدولة.

هل تتنافس المبادرات على حل الأزمة أم على النفوذ؟

تقول المقربي: منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تعاقبت المبادرات المحلية والدولية الرامية إلى بناء دولة موحدة وتحقيق المصالحة وإجراء الانتخابات، لكن المرحلة الانتقالية استمرت دون الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة.

رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية فوزي المنصوري
رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية فوزي المنصوري، فيتو

وتتابع: في هذا السياق، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في أغسطس 2025 خريطة طريق تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرا. وتقوم الخطة على ثلاثة محاور رئيسية هي: وضع إطار انتخابي قابل للتطبيق لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة من خلال تشكيل حكومة انتقالية موحدة، إلى جانب إطلاق حوار منظم يضم القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب وغيرهم من أصحاب المصلحة.

الانقسامات السياسية وتضارب المصالح

لكن المبادرة الأممية، بقيادة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، واجهت عقبات بسبب الانقسامات السياسية وتضارب مصالح القوى المتنافسة؛ ما أدى إلى تعثر مرحلتي توحيد المؤسسات ووضع الإطار الانتخابي. ونتيجة لذلك، انتقلت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى مرحلة الحوار المنظم في محاولة لتحقيق نتائج قبل انتهاء الجدول الزمني لخريطة الطريق، بحسب المقربي.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه
المبعوثة الأممية هانا تيتيه، فيتو

وشارك أكثر من 120 ليبيا في هذا الحوار، الذي انتهى إلى نحو 600 توصية تتعلق بالأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية. غير أن التوصيات لم تحظ بإجماع، خصوصا بشأن مقترح تشكيل سلطة تنفيذية موحدة جديدة تحل محل الهياكل الانتقالية الحالية لمدة تصل إلى 24 شهرا، وهو ما أثار مخاوف من أن يؤدي الترتيب الجديد إلى إطالة المرحلة الانتقالية بدلا من إنهائها.

وفي المقابل، ظهرت مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس باعتبارها مسارا أمريكيا موازيا يسعى إلى التوصل إلى ترتيبات لتقاسم السلطة بين الأطراف الليبية المتنافسة، إلى جانب جذب استثمارات دولية، خصوصًا من الشركات الأمريكية. ويقول بولس: إن مبادرته لا تهدف إلى استبدال المسار الأممي، وإنما إلى استكماله.

غير أن غياب تفويض رسمي من مجلس الأمن يجعل المبادرة الأمريكية أقل من حيث الشرعية الدولية، كما أنها لم تحظ حتى الآن بدعم جميع الأطراف الليبية، وفق التقرير.

من يملك شرعية التفاوض؟

ترى الكاتبة الليبية أن “إحدى المشكلات الرئيسية تكمن في أن المبادرتين تواجهان انقسامات داخلية بشأن الشرعية والجهات المخولة باتخاذ القرارات؛ ففي حين رحَّب خليفة حفتر بمبادرة بولس ووصفها بأنها “فريدة”، عارضها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، معتبرا أنها تتجاوز المؤسسات التشريعية، فضلا عن غياب موقف موحد داخل المجلس الأعلى للدولة تجاه المبادرة.

لا تقتصر الإشكالية، وفق التحليل، على طبيعة المبادرات نفسها، وإنما تمتد إلى طريقة تعامل النخب الليبية معها؛ فقد كثف مسؤولون من شرق ليبيا وغربها تحركاتهم الخارجية خلال عام 2026. وأجرى حفتر زيارات إلى الأردن وألمانيا وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة، بينما زار رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تركيا وإيطاليا وقطر والإمارات.

وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو ونائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية صدام حفتر مسعد بولس
وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو ونائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية صدام حفتر ومسعد بولس، فيتو

لكن هذه الزيارات، بحسب المقربي، لم تنتج تنازلات أو نتائج ملموسة، حيث تحولت إلى صور ولقاءات إعلامية يجري توظيفها لإظهار حجم النفوذ والوصول إلى المسؤولين الدوليين، وتعزيز مكانة كل طرف أمام أنصاره ومنافسيه.

وتبرز زيارة صدام حفتر إلى واشنطن في 29 يونيو مثالا على ذلك، إذ التقى عددا من المسؤولين الأمريكيين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو. وقد فُهِمت الزيارة داخل ليبيا، بحسب التحليل، باعتبارها مؤشرا إلى احتمال صعود صدام حفتر إلى منصب حكومي رفيع، خصوصا مع غياب تحرك مماثل من جانب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في ذلك الوقت.

هل تتحول الاستثمارات إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ؟ 

تقول المقربي: لا تنفصل المخاوف بشأن المبادرات السياسية عن الجانب الاقتصادي، خصوصا أن مبادرة بولس تركز بصورة واضحة على الاستثمار وإنتاج النفط.

وتضيف: في هذا السياق، اكتسبت الاتفاقات الاقتصادية الموقعة مؤخرا أبعادا سياسية. فقد وقعت حكومة الوحدة الوطنية اتفاق تعاون استراتيجي مع شركة “بوينج” لتحديث قطاع الطيران المدني، كما عادت شركة “شيفرون” إلى قطاع الطاقة الليبي بعد أكثر من عقد، ووقعت مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط لدراسة إمكانات النفط والغاز غير التقليديين في ليبيا.

وفي فبراير، حصلت شيفرون على منطقة للاستكشاف في حوض سرت خلال أول جولة تراخيص دولية في ليبيا منذ عام 2007. ويقدر التحليل إمكانات ليبيا غير التقليدية بنحو 123 تريليون قدم مكعبة من الغاز و18 مليار برميل من النفط.

هل تخدم الوساطة الدولية بناء الدولة أم استمرار الوضع القائم؟

المشكلة الأعمق، وفق التحليل، تتمثل في الفجوة بين أهداف المبادرات الدولية المعلنة ونتائجها على الأرض؛ فبينما تتحدث خريطة الطريق الأممية ومبادرة بولس عن الانتخابات والمساءلة وبناء المؤسسات، يرى الليبيون أن النخب السياسية تستفيد من الاعتراف الدولي والصفقات الاقتصادية والعلاقات الخارجية، دون أن تقدم في المقابل تقدمًا ملموسًا في ملف الحوكمة.

وبذلك، قد تتحول الوساطة الدولية من أداة للضغط باتجاه تغيير النظام السياسي القائم إلى وسيلة تمنح القوى المستفيدة منه مزيدا من الوقت والنفوذ، خصوصًا إذا ظلت الانتخابات وتوحيد المؤسسات والإصلاحات السياسية مؤجلة، وفق المقربي.

وتحذر الكاتبة الليبية من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل ثقة الليبيين في جهود الوساطة الدولية، لأن الفوائد السياسية والاقتصادية ستظل مركزة لدى النخب الأكثر حرصا على الحفاظ على مواقعها وتوسيع مصالحها مع الشركاء الأجانب.

وتنهي المقربي مقالها، قائلة: كلما طال أمد الوساطة دون تحقيق تقدم فعلي نحو انتخابات ومؤسسات موحدة، كلما زادت احتمالات أن تتحول عملية البحث عن حل للأزمة الليبية إلى آلية تمنح القوى المستفيدة من الوضع الراهن مزيدًا من الوقت للبقاء في السلطة.