حين يرد اسم ابن سينا تأتى كلمة الطب أولًا، ويأتى معها كتابه الأشهر “القانون فى الطب”، لكن حياة الرجل الذى عرفه الغرب باسم Avicenna كانت أوسع كثيرًا من صورة الطبيب الجالس بين الكتب، فقد عاش بين قصور الحكام وعمل طبيبًا ومستشارًا ووزيرًا وهرب من مدينة إلى أخرى، ودخل السجن وكتب بعض مؤلفاته وسط الحروب والاضطرابات، ثم ترك مشروعًا فكريًا وعلميًا جعل تأثيره يمتد قرونًا بعد رحيله.
هو أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا، الملقب بـ”الشيخ الرئيس”، وتضع المصادر التقليدية ميلاده نحو سنة 980 فى قرية أفشنة بالقرب من بخارى، بينما تشير أحدث مراجعة لموسوعة ستانفورد للفلسفة إلى أن سنة ميلاده الدقيقة غير محسومة، وأن مولده كان خلال سبعينيات القرن العاشر، وكان والده من بلخ وعمل فى الإدارة السامانية، فنشأ ابن سينا فى بخارى، التى كانت وقتها واحدة من أهم مراكز العلم والثقافة فى المنطقة.
طفل يتعلم سريعًا ويدخل مكتبة القصر
تروى السيرة التى أملاها ابن سينا على تلميذه ورفيقه أبو عبيد الجوزجانى، وهى المصدر الأساسى لحياته، أنه تلقى تعليمًا واسعًا فى القرآن واللغة والحساب والمنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات، ثم اتجه إلى الطب، واستطاع فى سن مبكرة أن يلفت الانتباه إلى معرفته ومهارته.
وكان الحدث الذى غير حياته العلمية حين نجح فى علاج أحد حكام الدولة السامانية، فكوفئ بالسماح له بدخول مكتبة القصر فى بخارى، وهناك وجد كتبًا فى علوم وفلسفات لم تكن متاحة بسهولة خارجه، ويقول فى سيرته إنه قرأ منها ما مكّنه من معرفة ما وصل إليه أصحاب كل علم، وتذكر موسوعة ستانفورد أنه كان قد بلغ مستوى متقدمًا فى العلوم الفلسفية قبل بلوغه العشرين تقريبًا.
لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا.
سقوط السامانيين يبدأ رحلة المطاردة
فى سنة 999 سقط حكم السامانيين فى بخارى، وانتهى معه العالم السياسى الذى نشأ ابن سينا داخله، وتشير المصادر إلى أن قربه من الإدارة السامانية جعله يغادر المدينة، ومن هنا بدأت حياته الطويلة فى التنقل بحثًا عن الأمان والعمل والرعاية السياسية.
ذهب إلى جرجانية فى خوارزم، ثم جرجان، ومنها إلى الرى وهمدان وأصفهان، وكان ينتقل بين البلاطات بصفته طبيبًا وعالمًا ومستشارًا سياسيًا، وهى العلاقة التى وفرت له الحماية أحيانًا، ودفعت به إلى قلب الصراعات أحيانًا أخرى.
وفى همدان استدعاه الأمير شمس الدولة لعلاجه، ثم قرّبه منه وعيّنه وزيرًا، وهنا وجد ابن سينا نفسه داخل السياسة مباشرة. وتذكر “الموسوعة الإيرانية” أن علاقته بجنود الأمير شهدت صدامات، وأن حياته خلال تلك السنوات جمعت بين الطب والعمل الوزارى والتأليف والاضطرابات السياسية.
ابن سينا فى السجن
بعد وفاة شمس الدولة سنة 1021، عرض الحاكم الجديد على ابن سينا الاستمرار فى منصبه، لكنه رفض، وبدأ يراسل علاء الدولة حاكم أصفهان سرًا بحثًا عن فرصة للانتقال إليه.
اكتشفت السلطة فى همدان هذه الاتصالات واتهمته بالخيانة، فاعتقل وأودع قلعة فردجان خارج المدينة، وبقى فى السجن نحو أربعة أشهر، وبعد تغير موازين القوى أُطلق سراحه، لكنه لم يعد راغبًا فى البقاء، فغادر همدان مع أخيه وتلميذه الجوزجانى واثنين من خدمه متنكرين فى هيئة صوفية حتى وصل إلى أصفهان.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات فى حياة ابن سينا، الرجل الذى كان يعالج الأمراء ويشغل منصب الوزير كان يمكن أن يتحول فى لحظة إلى سجين، ثم إلى رجل هارب يخفى هويته حتى يصل إلى مدينة أخرى.
“القانون فى الطب”.. الكتاب الذى عبر إلى أوروبا
يبقى “القانون فى الطب” أشهر مؤلفات ابن سينا، وقد نظمه فى خمسة كتب كبيرة تناولت أصول الطب، والأدوية المفردة، وأمراض أعضاء الجسم، والأمراض العامة، ثم الأدوية المركبة.
قيمة الكتاب جاءت من محاولته جمع المعرفة الطبية السابقة وتنظيمها وإضافة الخبرة والملاحظة السريرية إليها فى بناء واضح يمكن تدريسه والرجوع إليه، وبعد ترجمة “القانون” إلى اللاتينية أصبح واحدًا من أهم كتب التعليم الطبى فى أوروبا، وتشير موسوعة ستانفورد إلى أن نسخته اللاتينية ظلت أساسًا للتدريس فى جامعات أوروبية حتى القرن السابع عشر.
لكن اختزال ابن سينا فى “القانون” يظلمه.
“الشفاء” الذى لم يكن كتابًا فى الطب
من أكبر مؤلفاته أيضًا كتاب “الشفاء”، واسمه قد يوحى بأنه كتاب طب، لكنه فى الحقيقة موسوعة فلسفية وعلمية ضخمة تناول فيها المنطق والطبيعيات والرياضيات والإلهيات، وصدرت طبعته الحديثة بالقاهرة فى اثنين وعشرين مجلدًا.
وكتب كذلك “النجاة”، و”الإشارات والتنبيهات”، و”دانشنامه علائى” بالفارسية، إلى جانب “أرجوزة فى الطب”، و”حى بن يقظان”، ورسالة الطير، ورسائل فى النفس والمنطق والطبيعيات، وأجوبة على أسئلة العالم أبى الريحان البيرونى، وتوضح ستانفورد أن بعض الفهارس القديمة نسبت إليه قرابة 300 عنوان، بينما تخفض الدراسات النقدية الحديثة عدد الأعمال الأصيلة المؤكدة إلى أقل من مائة عمل، بسبب كثرة الكتب والرسائل التى نُسبت إليه بعد وفاته.
فيلسوف أثار الجدل بعد موته
كان ابن سينا طبيبًا، لكنه كان أيضًا صاحب واحد من أكثر المشروعات الفلسفية تأثيرًا فى الحضارة الإسلامية، خصوصًا فى قضايا الوجود والنفس والعقل والنبوة وعلاقة الخالق بالعالم.
ولهذا أصبحت فلسفته بعد وفاته ساحة لنقاش واسع بين الفلاسفة والمتكلمين، وكان أبو حامد الغزالى من أبرز من ناقشوا أفكار الفلاسفة المرتبطين بالفارابى وابن سينا فى كتاب “تهافت الفلاسفة”، واعترض خصوصًا على قضايا قدم العالم، وعلم الله بالجزئيات، والبعث الجسمانى، وهو جدل استمر بعد ذلك مع ابن رشد وغيرهما، وأكد فى الوقت نفسه حجم حضور ابن سينا داخل الفكر الإسلامي.
النهاية فى همدان
أمضى ابن سينا سنواته الأخيرة فى أصفهان فى خدمة علاء الدولة، ووجد هناك قدرًا أكبر من الاستقرار والتقدير، وأكمل عددًا من أهم كتبه، لكنه ظل يصاحب الأمير فى حملاته وأسفاره.
وخلال إحدى الرحلات إلى همدان أصيب بمرض فى البطن تكرر معه التحسن والانتكاس، حتى توفى سنة 428هـ/1037م، ودفن فى همدان، المدينة نفسها التى عرف فيها الوزارة والصراع والسجن قبل سنوات.


تعليقات