إذا كنت من الأشخاص الذين يفضلون السهر حتى ساعات متأخرة من الليل، فقد يكون من المفيد إعادة النظر في هذا الروتين، خاصة إذا أصبح النوم المتأخرعادة يومية، فالنوم لا يتعلق بعدد الساعات التي يحصل عليها الجسم فقط، وإنما قد يكون توقيت النوم نفسه أحد العوامل المرتبطة بالصحة النفسية.
ووفقًا لما نشره موقع Stanford Lifestyle Medicine في أكتوبر 2025، بحثت دراسة شملت أكثر من 70 ألف شخص بالغ العلاقة بين توقيت النوم والصحة النفسية، مع التمييز بين النمط الزمني للشخص، أي تفضيله الطبيعي للنوم والاستيقاظ، وبين موعد نومه الفعلي. وأظهرت النتائج ارتباط النوم في وقت متأخر بزيادة احتمالية ظهور مشكلات مثل القلق والاكتئاب، حتى لدى الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم من محبي السهر.
هل السهر يؤثر على الصحة النفسية؟
قد يبدو منطقياً أن الشخص الذي يفضل السهر سيكون أكثر راحة إذا ذهب إلى الفراش متأخرًا، لكن نتائج الدراسة قدمت صورة مختلفة؛ إذ كان تأخر موعد النوم مرتبطًا بارتفاع مخاطر تدهور الصحة النفسية بغض النظر عن كون الشخص من النوع المسائي أو الصباحي.
وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كنت شخصًا يحب الاستيقاظ مبكرًا أو يفضل النوم لوقت متأخر، وإنما قد يكون للبقاء مستيقظًا خلال الساعات التي يفترض أن يكون فيها الجسم في حالة راحة دور في التأثير على الحالة النفسية.
ما الفرق بين الشخص الصباحي ومحبي السهر؟
يختلف الأشخاص في النمط الزمني أو ما يعرف بـChronotype، وهو التوقيت الطبيعي الذي يميل إليه الشخص للنوم والاستيقاظ.
فهناك أشخاص يشعرون بالنشاط في الصباح ويفضلون النوم مبكرًا، بينما يشعر آخرون بأن نشاطهم يزداد خلال المساء ويميلون إلى السهر، وبين هذين النمطين توجد فئة كبيرة من الأشخاص الذين لا ينتمون بشكل واضح إلى أي منهما.
ويتأثر هذا النمط بعدة عوامل، منها العوامل الوراثية والعمر ونمط الحياة والعادات اليومية.
أما توقيت النوم الفعلي فهو مختلف؛ لأنه يشير إلى الموعد الذي يذهب فيه الشخص إلى النوم ويستيقظ بالفعل، وقد تفرض ظروف الحياة مواعيد لا تتفق مع تفضيلاته الطبيعية.
فقد يكون الشخص محبًا للنوم مبكرًا لكنه يعمل حتى وقت متأخر، أو يفضل السهر لكنه مضطر إلى الاستيقاظ مبكرًا بسبب العمل أو الدراسة أو مسؤوليات الأسرة.
لماذا قد تكون ساعات الليل المتأخرة أكثر حساسية؟
تطرح الدراسة عدة تفسيرات محتملة للعلاقة بين السهر والصحة النفسية، من بينها دور الساعة البيولوجية للجسم.
خلال الليل، يدخل الجسم في مرحلة تعرف باسم “الليل البيولوجي”، وهي الفترة التي يكون فيها المخ والجسم مهيئين للنوم والراحة. والبقاء مستيقظًا خلال هذه المرحلة قد يؤثر في طريقة عمل بعض الوظائف العقلية.
ومن بين المناطق المهمة في الدماغ القشرة الجبهية، التي ترتبط بعمليات مثل اتخاذ القرارات وتنظيم التفكير والتحكم في الانفعالات. وعندما يجتمع السهر مع قلة النوم، قد يصبح التعامل مع الأفكار والمشاعر أكثر صعوبة.
ولهذا قد يجد الشخص نفسه أكثر عرضة للتفكير الزائد أو القلق خلال ساعات الليل، خصوصًا عندما يكون مستيقظًا بمفرده ويمر بيوم مليء بالضغوط.
ليس كل ما تفعله أثناء السهر له التأثير نفسه
لا يعني ذلك أن كل شخص يستيقظ بعد منتصف الليل سيصاب بمشكلة نفسية، كما أن طبيعة النشاط الذي يمارسه الشخص خلال هذه الساعات قد تكون مهمة أيضًا.
فمثلًا، قضاء بعض الوقت في تواصل اجتماعي إيجابي يختلف عن البقاء لساعات طويلة أمام الهاتف في تصفح المحتوى المثير للقلق أو متابعة الأخبار بلا توقف أو مشاهدة الحلقات المتتالية من البرامج حتى وقت متأخر.
كذلك قد يؤدي الاستلقاء في السرير مع الاستمرار في التفكير في المشكلات والضغوط اليومية إلى زيادة الشعور بالتوتر، خصوصًا مع قلة النوم.
ومع مرور ساعات اليوم، يكون الشخص قد تعرض بالفعل لمجموعة من المسؤوليات والمواقف والضغوط، وبالتالي قد تصبح القدرة على تنظيم الأفكار والانفعالات أكثر صعوبة في نهاية اليوم.
السهر لا يعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب أو القلق
من المهم التعامل مع نتائج الدراسة بدقة؛ فوجود ارتباط بين النوم المتأخر والصحة النفسية لا يعني أن السهر يسبب حتمًا الاكتئاب أو اضطرابات القلق.
الصحة النفسية تتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، منها جودة النوم ومدته، والضغوط اليومية، والنشاط البدني، والعلاقات الاجتماعية، والحالة الصحية العامة وغيرها.
لكن النتائج تشير إلى أن توقيت النوم يستحق الاهتمام باعتباره جزءًا من عادات النوم الصحية، خصوصًا إذا كان النوم المتأخر مصحوبًا بنقص مستمر في ساعات النوم أو اضطراب في مواعيد النوم والاستيقاظ.
كيف تساعد نفسك على النوم مبكرًا؟
إذا كنت معتادًا على السهر وتريد تعديل موعد نومك، فمن الأفضل ألا تحاول تغيير روتينك بصورة مفاجئة. يمكن تقديم موعد النوم تدريجيًا، مثل الانتقال إلى النوم قبل الموعد المعتاد بنحو 15 دقيقة في كل مرة، ثم الاستمرار في تعديل الموعد تدريجيًا حتى الوصول إلى وقت مناسب.
احرص على ضوء الصباح
التعرض للضوء الطبيعي في الصباح يمكن أن يساعد الجسم على ضبط الساعة البيولوجية، لذلك قد يكون الخروج في ضوء النهار بعد الاستيقاظ من العادات المفيدة لتنظيم دورة النوم والاستيقاظ.
وفي المقابل، يساعد تقليل التعرض للإضاءة القوية خلال المساء على تهيئة الجسم للانتقال إلى فترة الراحة.
لا تؤجل الاسترخاء إلى وقت النوم
إدارة التوتر على مدار اليوم قد تكون أفضل من الانتظار حتى اللحظات الأخيرة قبل النوم لمحاولة تهدئة العقل.
ويمكن أن تساعد فترات الراحة القصيرة خلال اليوم على تخفيف تراكم الضغوط، بدلًا من الوصول إلى السرير مع ذهن منشغل بكل أحداث اليوم.
اصنع روتينًا ثابتًا قبل النوم
الروتين المنتظم يمكن أن يكون إشارة متكررة للدماغ بأن موعد النوم اقترب.
وقد يتضمن ذلك مجموعة بسيطة من العادات الهادئة، مثل غسل الوجه، وتنظيف الأسنان، وترتيب غرفة النوم، وقراءة بعض الصفحات من كتاب مناسب، مع تكرار الخطوات نفسها تقريبًا كل ليلة، ومع الوقت، قد يساعد ثبات هذا الروتين في جعل الانتقال من النشاط إلى الراحة أكثر سهولة.
إذا اضطررت للسهر.. انتبه لما تفعله
قد لا يستطيع بعض الأشخاص تجنب السهر بسبب العمل أو الدراسة أو ظروف أخرى، وفي هذه الحالة يصبح الاهتمام بما يحدث خلال ساعات الليل أمرًا مهمًا.
اختيار أنشطة هادئة وإيجابية والتواصل الاجتماعي الصحي قد يكون أفضل من قضاء الساعات المتأخرة في التصفح المستمر للهاتف أو متابعة محتوى يزيد التوتر والقلق.
كما أن الحفاظ على جدول نوم منتظم قدر الإمكان يمكن أن يساعد في تقليل اضطراب دورة النوم والاستيقاظ.
النوم الصحي لا يتعلق بعدد الساعات فقط
توضح نتائج البحث أن الاهتمام بالنوم لا ينبغي أن يقتصر على حساب عدد الساعات التي ننامها، بل من المفيد أيضًا النظر إلى موعد النوم وانتظامه وما نفعله خلال ساعات الليل.
وبالنسبة لمحبي السهر، قد يكون تقديم موعد النوم تدريجيًا، مع الحصول على ضوء طبيعي في الصباح وتقليل الإضاءة مساءً وتخصيص روتين هادئ قبل النوم، خطوات بسيطة تساعد على بناء نمط نوم أكثر انتظامًا.
وفي حال كان القلق أو الحزن أو اضطرابات النوم مستمرة وتؤثر على الحياة اليومية، فمن الأفضل التحدث مع الطبيب أو مختص بالصحة النفسية لتقييم الأسباب والحصول على المساعدة المناسبة.


تعليقات