مع تصاعد التكهنات حول زفاف النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو وخطيبته جورجينا رودريغيز، وما يحيط بالمناسبة المرتقبة من اهتمام إعلامي واسع، يعود إلى الواجهة سؤال قديم: ما أشهر حفلات الزفاف وأكثرها بذخًا في التاريخ؟ وقبل أن تصبح حفلات المشاهير والنجوم محط أنظار العالم، شهد التاريخ الإسلامي زفافًا ارتبط بالثراء والسياسة والبذخ، هو زفاف الأميرة المصرية قطر الندى، ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون، على الخليفة العباسي المعتضد بالله.
فقد تحول زفاف قطر الندى في القرن الثالث الهجري إلى مناسبة استثنائية، لم تقتصر على الاحتفال بالزواج، وإنما ارتبطت بعلاقات القوة بين الدولة الطولونية في مصر والخلافة العباسية في بغداد، حتى أصبحت تفاصيل جهاز العروس ورحلتها من مصر إلى العراق واحدة من أشهر الحكايات التي تناقلتها كتب التاريخ.
من هي قطر الندى؟
قطر الندى هو الاسم الذي اشتهرت به أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، وكانت ابنة أحد أبرز حكام الدولة الطولونية في مصر.
وجاء زواجها في سياق سياسي خاص، بعدما تحسنت العلاقات بين خمارويه والخلافة العباسية، عقب فترة من الصراع والتوتر بين الطرفين.
وتروي المصادر أن خمارويه عرض تزويج ابنته من ابن الخليفة العباسي، إلا أن المعتضد بالله اختار أن يتزوجها هو شخصيًا، فتحول الزواج إلى تحالف سياسي بين الأسرة الطولونية والخلافة العباسية.
زفاف لم يكن مجرد مناسبة عائلية
كان خمارويه حريصًا على أن يخرج زفاف ابنته بصورة تليق بمكانة الدولة الطولونية وثروتها، ولذلك بالغ في إعداد جهازها، حتى أصبحت التجهيزات التي صاحبت العروس جزءًا أساسيًا من الأسطورة التاريخية المحيطة بالزفاف.
وتذكر الروايات أن جهاز قطر الندى اشتمل على الذهب والمجوهرات والأقمشة الفاخرة والأثاث، ومن بين ما نُسب إلى الجهاز مئات الأدوات والمباخر والصناديق المملوءة بالملابس والحلي.
وتورد بعض المصادر أرقامًا هائلة لقيمة الجهاز، وصلت إلى مليون دينار ذهبي، مقابل مهر قيل إنه بلغ مليون درهم فضي، إلا أن هذه الأرقام تحديدًا يجب التعامل معها بحذر، إذ إن روايات المؤرخين حول تفاصيل الجهاز وقيمته تتفاوت، ودخلت عليها مبالغات مع مرور الزمن.
قصور على طريق العروس
ولم يتوقف البذخ عند جهاز العروس، إذ تذكر الروايات أن خمارويه أمر بإقامة قصور ومحطات استراحة على الطريق بين مصر وبغداد، بحيث تجد قطر الندى في كل مرحلة مكانًا مجهزًا للإقامة والراحة.
وانطلقت العروس في موكب كبير من عاصمة الدولة الطولونية القطائع متجهة إلى بغداد، ورافقها أفراد من أسرتها وحاشيتها وجنود ورجال من كبار الدولة، إلى جانب ما حمله الموكب من متاعها وجهازها.
وهكذا تحولت رحلة العروس نفسها إلى مشهد احتفالي ضخم، يعكس قوة الدولة الطولونية وما أراد خمارويه إظهاره من ثراء ونفوذ.
وصول قطر الندى إلى بغداد
وصل موكب قطر الندى إلى بغداد في عام 895 ميلادية تقريبًا، وسط احتفالات كبيرة، واستُقبلت العروس في عاصمة الخلافة العباسية في أجواء احتفالية تليق بمكانة الزواج.
ولم يكن الزواج في ذلك العصر شأنًا خاصًا بين عائلتين، بل كان يمكن أن يحمل دلالات سياسية واضحة؛ فزواج ابنة حاكم مصر من الخليفة العباسي منح خمارويه مكانة رمزية وسياسية مهمة، وأصبح الزواج أحد مظاهر التقارب بين الطرفين.
هل تسبب الزفاف في إفلاس الدولة الطولونية؟
ارتبطت قصة قطر الندى لاحقًا برواية شهيرة تقول إن خمارويه أنفق على زفاف ابنته أموالًا ضخمة أدت إلى إفقار خزينة الدولة الطولونية.
لكن هذه الرواية تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فربط تدهور الدولة الطولونية وزوالها بجهاز قطر الندى وحده تبسيط للتاريخ، إذ كانت هناك عوامل سياسية واقتصادية وعسكرية أخرى أسهمت في ضعف الدولة بعد خمارويه.
ومع ذلك، فإن ضخامة ما ترويه المصادر عن الجهاز جعلت الزفاف يتحول إلى واحدة من أشهر قصص البذخ في التاريخ العربي.
نهاية مأساوية للأميرة
لم تدم حياة قطر الندى طويلًا بعد زواجها، إذ توفيت في 7 رجب سنة 287 هجرية، أي بعد نحو خمسة أعوام من زواجها، ودُفنت في قصر الرصافة ببغداد، بحسب الروايات الواردة في المصادر التاريخية.


تعليقات