لماذا أعدمت أثينا سقراط؟.. حكاية محاكمة قتلت الفيلسوف وأبقت أسئلته حية

لماذا أعدمت أثينا سقراط؟.. حكاية محاكمة قتلت الفيلسوف وأبقت أسئلته حية

في عام 399 قبل الميلاد، شهدت أثينا، مهد الديمقراطية والفلسفة، واحدة من أكثر المحاكمات إثارة للجدل في التاريخ، انتهت بالحكم على رجل بدا للكثيرين بريئاً بالموت، كان المتهم هو سقراط، الفيلسوف البالغ من العمر 70 عاماً، والذي تركت تعاليمه تأثيراً عميقاً في شباب المدينة ومشهدها الفكري.

ولا تزال واقعة إعدامه بتجرع السم، المعروف باسم الشوكران، واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ الفلسفة الغربية، وفهم الأسباب التي دفعت أثينا إلى إعدام سقراط يكشف الكثير عن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تمر بها المدينة آنذاك.

التهم الموجهة إلى سقراط: ازدراء الآلهة وإفساد الشباب

وجه الأثينيون إلى سقراط تهمتين رئيسيتين، هما ازدراء الآلهة، أي عدم الإيمان بالآلهة التي تعترف بها الدولة، وإفساد شباب أثينا، وتقدم ثلاثة مواطنين أثينيين، هم ميليتوس وأنيوتوس وليكون، بهذه الاتهامات.

ونشأت تهمة ازدراء الآلهة من اتهام سقراط بإدخال آلهة جديدة إلى المدينة، فضلًا عن تشكيكه المتكرر في المعتقدات الدينية التقليدية، أما حضوره المؤثر بين شباب أثينا، وتشجيعهم على مساءلة السلطة والتفكير النقدي، فقد أدى إلى اتهامه بإفساد الشباب.

وكانت طريقة سقراط الفلسفية، المعروفة باسم “المنهج السقراطي”، تقوم على طرح أسئلة متعمقة لتحفيز التفكير النقدي والوصول إلى فهم أوضح للأفكار، ورغم أن هذه الطريقة تعد اليوم من الأساليب الأساسية في التعليم والفكر الغربي، فإنها كانت تُنظر إليها في أثينا القديمة باعتبارها أسلوبًا تخريبياً وخطيراً.

وكانت تساؤلات سقراط الفلسفية تكشف في كثير من الأحيان نقاط ضعف الأعراف الراسخة وأصحاب السلطة، وتضعهم في مواقف محرجة، الأمر الذي أكسبه في الوقت نفسه الإعجاب والعداء.

السياق السياسي والاجتماعي لمحاكمة سقراط

لفهم الأسباب التي دفعت أثينا إلى إعدام سقراط، من الضروري النظر إلى المناخ السياسي والاجتماعي الذي ساد المدينة في ذلك الوقت.

كانت أثينا لا تزال تتعافى من الحرب البيلوبونيسية، التي انتهت عام 404 قبل الميلاد بهزيمتها أمام إسبرطة، وقد خلفت الحرب مدينة تعاني عدم الاستقرار السياسي والضعف الاقتصادي والانقسام الاجتماعي.

وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، كان الأثينيون يتطلعون بشدة إلى استعادة القيم التقليدية وإعادة النظام والاستقرار إلى المدينة.

كما أن ارتباط سقراط بعدد من الشخصيات المثيرة للجدل لم يكن في صالحه. فقد كان من بين أتباعه كريتياس وألكيبيادس، وكلاهما كان يتمتع بسمعة مثيرة للشكوك.

كريتياس أحد أعضاء حكم الطغاة الثلاثين

كان كريتياس أحد أعضاء حكم الطغاة الثلاثين، وهو نظام أوليغارشي موالٍ لإسبرطة حكم أثينا لفترة قصيرة، واشتهر بممارساته القمعية. أما ألكيبيادس، فكان سياسيًا يتمتع بالكاريزما والطموح، لكنه خان أثينا خلال الحرب عندما انشق إلى جانب إسبرطة.

ورغم أن سقراط نفسه لم يكن ناشطاً سياسياً، فإن صلته بهذين الرجلين ألقت بظلالها على نواياه وولائه في نظر معاصريه.

المحاكمة التي قادت سقراط إلى الموت

تأتي معظم المعلومات المتوفرة عن محاكمة سقراط من كتابات تلميذيه أفلاطون وزينوفون، وفي كتاب “دفاع سقراط” لأفلاطون، يقدم سقراط دفاعه بأسلوبه المعتاد الذي يجمع بين الذكاء والمنطق.

ويؤكد أنه كان يقدم خدمة حقيقية لمدينته، مشبها نفسه بذبابة تثير حصانًا كسولًا، في إشارة إلى أثينا، لتحفزه على البقاء يقظا ومدركا لما يجري حوله.

وأوضح أن أفعاله جاءت استجابة لمهمة إلهية تتمثل في البحث عن الحكمة ونشرها، ورغم قوة دفاعه، أدانت هيئة المحلفين، التي ضمت 501 مواطن أثيني، سقراط.. وجاء الحكم بفارق ضئيل، قدر بنحو 30 صوتًا.

وأُتيح لسقراط بعد إدانته اقتراح عقوبة بديلة عن الإعدام، لكنه تمسكا بمبادئه، اقترح أن يحصل على وجبات مجانية مدى الحياة، وهي مكافأة كانت تُمنح عادة لأبطال الألعاب الأولمبية.

وقد اعتبر المحلفون هذا الاقتراح نوعًا من الغرور، ما أدى إلى زيادة الفارق في التصويت لصالح الحكم بالإعدام.

إعدام سقراط بالسم

نفذت أثينا حكم الإعدام بحق سقراط بإجباره على شرب خليط يحتوي على سم الشوكران، وبحسب رواية أفلاطون في كتاب “فيدون”، واجه سقراط موته بهدوء وثبات، واستمر في النقاش الفلسفي مع تلاميذه حتى لحظاته الأخيرة، وفقاً لما ذكره موقع جريك ريبوت

وقد عزز قبوله الهادئ للعقوبة صورته التاريخية باعتباره رمزا للتفكير الحر والنزاهة الفكرية، ورسخ مكانته في تاريخ الفلسفة بوصفه فيلسوفاً تمسك بمبادئه حتى النهاية.

محاكمة سقراط وإرثه الممتد

لا تزال محاكمة سقراط ذات أهمية كبيرة حتى اليوم، كما أعيد تقديم محاكمته الشهيرة في العصر الحديث للتأكيد على استمرار الأسئلة التي أثارها.

وفي إحدى المحاكمات التمثيلية التي نظمها المتحف الوطني اليوناني، صدر حكم ببراءة سقراط، في فعالية عكست استمرار النقاش حول القضايا الفلسفية والأخلاقية التي أثارتها محاكمته قبل أكثر من ألفي عام.

لماذا قتل سقراط؟

تثير وفاة سقراط أسئلة مستمرة حول طبيعة العدالة ودور الفيلسوف في المجتمع، فهل كان إعدامه إجراءً ضروريا لحماية الديمقراطية التي كان سقراط يعارض بعض مبادئها؟ أم أنه كان خطأ قضائيا مدفوعاً بالخوف وسوء الفهم؟

وهل كانت الديمقراطية ستتطور بالشكل الذي نعرفه اليوم لو لم تقدم أثينا على إعدام سقراط، وسمحت له بمواصلة نشر أفكاره المناهضة للديمقراطية؟