تحل اليوم في 9 أغسطس ذكرى إلقاء القنبلة النووية الأمريكية الثانية على اليابان، حين ألقت الطائرة الأمريكية Bockscar قنبلة «الرجل البدين» Fat Man فوق مدينة ناجازاكي عام 1945، بعد ثلاثة أيام فقط من إلقاء قنبلة «الولد الصغير» على هيروشيما. وكان ذلك ثاني استخدام فعلي لسلاح نووي في الحرب، بعد هيروشيما.
وفي الساعة 11:02 صباحًا تقريبًا، انفجرت القنبلة فوق ناجازاكي، لتدخل الحرب العالمية الثانية مرحلة جديدة، وتترك وراءها واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إثارة للجدل في التاريخ الحديث.
كيف وُلدت القنبلة النووية؟
كانت «الرجل البدين» نتاج مشروع مانهاتن الأمريكي، وهو المشروع السري الضخم الذي شارك فيه علماء وعسكريون ومهندسون ومؤسسات صناعية متعددة لتطوير السلاح النووي خلال الحرب العالمية الثانية.
وكان ألبرت أينشتاين أحد العلماء الذين ارتبط اسمهم بالبدايات السياسية للمشروع، إذ وجّه عام 1939 رسالة إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، حذّر فيها من إمكانية تطوير ألمانيا النازية لسلاح يعتمد على التفاعل النووي المتسلسل.
لكن من المهم تصحيح نقطة شائعة: أينشتاين لم يكن قائد مشروع مانهاتن ولم يشارك في تصميم قنبلة ناجازاكي. فقد كان المشروع تحت قيادة عسكرية وعلمية متعددة، ومن أبرز المسؤولين العسكريين الجنرال ليزلي غروفز، بينما تولى روبرت أوبنهايمر إدارة مختبر لوس ألاموس.
من «ترينيتي» إلى ناجازاكي
قبل استخدام «الرجل البدين» في الحرب، اختبرت الولايات المتحدة نموذجًا من السلاح نفسه في أول تجربة نووية في التاريخ، عُرفت باسم تجربة ترينيتي، وأجريت في صحراء نيو مكسيكو يوم 16 يوليو 1945.
وكان الاختبار ناجحًا، وأثبت إمكانية استخدام تصميم يعتمد على الانفجار الانضغاطي للبلوتونيوم، وهو المبدأ الذي استُخدم في قنبلة ناجازاكي.
وبعد أقل من شهر، استخدمت الولايات المتحدة السلاح النووي في الحرب؛ فأُلقيت «ليتل بوي» على هيروشيما في 6 أغسطس، ثم «فات مان» على ناجازاكي في 9 أغسطس.
لماذا ناجازاكي؟
لم تكن ناجازاكي الهدف الأساسي للطائرة في البداية. فقد كانت المهمة تستهدف كوكورا، لكن سوء الأحوال الجوية وصعوبة الرؤية حالت دون تنفيذ القصف هناك.
وبعد عدة محاولات، توجهت الطائرة إلى الهدف البديل، ناجازاكي، حيث أسقطت القنبلة عند الساعة 11:02 صباحًا تقريبًا. وكانت القنبلة تزن نحو 10 آلاف رطل، وانفجرت على ارتفاع يقارب 500 متر فوق المدينة، بقوة تدميرية تعادل نحو 21 ألف طن من مادة TNT.
عشرات الآلاف قتلوا.. وآثار الإشعاع استمرت
تسببت القنبلة في دمار هائل داخل ناجازاكي، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا خلال الانفجار وما تلاه من أيام وأشهر.
وتختلف تقديرات أعداد الضحايا وفق طريقة الحساب والفترة الزمنية التي تشملها الإحصاءات، لكن تقديرات رسمية أمريكية تاريخية تشير إلى أن نحو 60 ألفًا إلى 80 ألف شخص قُتلوا أو توفوا خلال الأشهر التالية لقصف ناجازاكي، نتيجة الانفجار والحرائق والإصابات والتعرض للإشعاع.
ولم تنته مأساة الناجين بانتهاء الانفجار؛ فقد تعرض كثير منهم لمضاعفات صحية مرتبطة بالإشعاع، وأصبحت دراسة آثار القصف النووي على السكان لاحقًا أحد أهم الملفات الطبية والعلمية المرتبطة بالحرب.
لماذا سميت «الرجل البدين»؟
كان اسم Fat Man اسمًا رمزيًا أُطلق على تصميم القنبلة النووية، وترتبط التسمية، وفق رواية شائعة، بشخصية كاسبر جوتمان البدين في فيلم The Maltese Falcon، التي أدى دورها الممثل سيدني جرينستريت.
كما ارتبط الاسم في بعض الروايات بشخصيات سياسية، ومن بينها ونستون تشرشل، لكن قصة التسمية المرتبطة بتصميم القنبلة وشكلها هي الأكثر تداولًا في المصادر المتعلقة بمشروع مانهاتن.
هل أنهت القنبلة الحرب؟
جاء قصف ناجازاكي في لحظة شديدة التعقيد من الحرب العالمية الثانية. فبعد قصف هيروشيما، أعلنت الاتحاد السوفيتي الحرب على اليابان في 8 أغسطس 1945 وبدأ هجومه على القوات اليابانية في منشوريا، ثم جاء قصف ناجازاكي في اليوم التالي.
وفي 14 أغسطس أعلنت اليابان قبول شروط الاستسلام، بينما جرى توقيع وثيقة الاستسلام الرسمية في 2 سبتمبر 1945.
ولهذا ظل السؤال حول الدور الحاسم لكل من القصف النووي ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب في دفع اليابان إلى الاستسلام موضوعًا واسعًا للنقاش بين المؤرخين.


تعليقات