عرف الكثيرون محمود درويش من دواوينه، وعرفه آخرون من طريق مختلف، حين أصبح الشعر أغنية، ودخل صوته إلى البيوت والمسارح والجامعات والتجمعات السياسية عبر ألحان مارسيل خليفة، حتى أصبحت قصائد مثل “أحن إلى خبز أمى” و”ريتا والبندقية” و”جواز السفر” جزءًا من ذاكرة موسيقية عربية امتدت طوال عقود.
وفى الذكرى الثامنة عشرة لرحيل محمود درويش، التى تحل اليوم 9 أغسطس، تعود العلاقة بين الشاعر الفلسطينى والموسيقار اللبنانى بوصفها واحدة من التجارب المهمة التى التقى فيها الشعر العربى الحديث بالموسيقى، وأسهمت فى وصول قصائد درويش إلى جمهور تجاوز قراء الدواوين.
البداية قبل الصداقة
بدأ مارسيل خليفة تلحين قصائد محمود درويش خلال سبعينيات القرن الماضى، قبل أن تتطور علاقتهما الشخصية فى السنوات التالية، ومن المحطات الأساسية ألبوم “وعود من العاصفة” عام 1976، الذى احتوى على أعمال استند عدد منها إلى نصوص درويش، وصار من المحطات المبكرة المهمة فى تجربة خليفة الغنائية.
ومع تأسيس فرقة الميادين خلال الفترة نفسها، ظهرت أغان أصبحت مرتبطة باسم مارسيل خليفة ودرويش معًا، ومنها “أمى”، و”ريتا والبندقية”، و”جواز السفر”.
وجد خليفة فى شعر درويش نصوصًا تتجاوز التجربة الفردية للشاعر، وقد تحدث لاحقًا عن علاقته بهذه القصائد، موضحًا أن حديث درويش عن خبز أمه جعله يشعر بأنه يتحدث عن أمه هو، وأن قصيدة جواز السفر بدت له كأن صورتها تخصه أيضًا، وهو ما يفسر جانبًا من الطريقة التى تعامل بها موسيقيًا مع هذه النصوص.
أحن إلى خبز أمى.. قصيدة دخلت كل بيت
تأتى “أحن إلى خبز أمى” فى مقدمة القصائد التى ارتبطت بصوت مارسيل خليفة، حتى أصبح من الصعب عند جمهور واسع استدعاء كلمات القصيدة بعيدًا عن اللحن.
كتب درويش نصًا يقوم على حنين الابن إلى الأم وتفاصيلها اليومية؛ الخبز والقهوة واللمسة، ثم حمله اللحن إلى مساحة أوسع، تحولت الأم داخل التلقى العربى إلى صورة شديدة الاتساع، تجمع الحنين الشخصى وحنين الغائب إلى البيت والوطن.
وفى حفل بإسطنبول عام 2017، على سبيل المثال، قدم خليفة “أحن إلى خبز أمى” إلى جانب “ريتا والبندقية” و”جواز السفر”، ووجه خلال الأمسية تحية إلى محمود درويش، وهو ما يكشف استمرار حضور هذه الأعمال فى برنامجه بعد رحيل الشاعر بسنوات.
ريتا والبندقية.. الحب يدخل الأغنية
وفى “ريتا والبندقية” ظهر جانب آخر من تجربة درويش؛ الحب الذى تعترضه السياسة والحرب والهوية.
وجدت القصيدة طريقها إلى الموسيقى مع مارسيل خليفة، وأصبحت من أشهر أعماله، ساعد اللحن على نقل النص من المساحة الشعرية إلى تجربة سمعية يتكرر حضورها أمام جمهور واسع، فتحولت “ريتا” من شخصية داخل قصيدة إلى اسم عرفته أجيال من المستمعين.
وقد ظل خليفة يقدم الأغنية فى حفلاته لعقود، ويطلب أحيانًا من الجمهور مشاركته الغناء، كما حدث فى حفله بإسطنبول، حيث شاركه الحاضرون أداءها.
جواز السفر.. القصيدة التى اتسعت تجربتها
أما “جواز السفر” فتقدم نموذجًا مختلفًا، حيث تتحرك القصيدة حول الهوية والوثيقة التى تختصر الإنسان فى بيانات وصورة وحدود.
وحين تحولت إلى أغنية بصوت خليفة حملت القصيدة تجربتها الفلسطينية إلى جمهور عربى أوسع، ومع تغير الأحداث أصبح خليفة نفسه يمنحها معانى جديدة فى حفلاته.
وفى أمسيته بإسطنبول عام 2017، قدم الأغنية وأشار إلى أنها كانت تغنى سابقًا للشعب الفلسطينى، ثم أهداها إلى شعوب عربية متعددة عاشت تجارب الحرب والتهجير. وهكذا امتدت حياة النص بعد كتابته، مع كل أداء جديد وكل جمهور جديد.
أنا يوسف يا أبى.. حين وصلت القصيدة إلى المحكمة
ومن أكثر حلقات العلاقة بين شعر درويش وغناء مارسيل خليفة إثارة للجدل قصيدة “أنا يوسف يا أبى”.
لحن خليفة القصيدة وسجلها ضمن ألبوم “ركوة عرب” عام 1995، ويستند النص إلى قصة النبى يوسف، ويستحضر جزءًا من التعبير القرآنى المرتبط بالقصة، وتحولت الأغنية إلى قضية قضائية فى لبنان، حيث تعرض خليفة لملاحقة بتهمة الإساءة إلى القيم الدينية بسبب غناء النص.
وفى أكتوبر 1999 تدخلت منظمة العفو الدولية فى القضية، موضحة أن الاتهام يرتبط بأغنية قائمة على قصيدة لمحمود درويش مستوحاة من قصة يوسف وإخوته وتضم اقتباسًا من القرآن. وتحولت القضية وقتها إلى نقاش واسع حول حرية الإبداع وحدود استخدام النصوص الدينية داخل العمل الفنى.
وهنا خرج شعر درويش مرة أخرى من الديوان إلى المجال العام، وهذه المرة عبر الموسيقى والقضاء والنقاش الثقافى.
شعر أصبح ذاكرة مسموعة
استمرت علاقة مارسيل خليفة بأشعار محمود درويش بعد رحيل الشاعر عام 2008، فأقام حفلات وفعاليات تستعيد أعماله، وخصص جولات موسيقية لتحيته، كما شارك عام 2011 فى فعالية بجامعة كولومبيا مكرسة لذكرى درويش وأعماله.
وقدمت هذه العلاقة نموذجًا نادرًا لاستمرار النص الشعرى خارج الكتاب. كتب درويش الكلمات، ثم منحتها الموسيقى حياة أخرى، وأصبح الجمهور الذى قد لا يعرف الديوان أو تاريخ صدور القصيدة قادرًا على حفظ كلماتها وغنائها.
وبعد عقود من بداية هذه التجربة ما زال المستمع العربى يسمع افتتاحية لحن قديم فيعرف أن قصيدة لمحمود درويش قادمة، وهنا يمكن فهم ما صنعه اللقاء بين الشاعر والموسيقى: انتقلت القصيدة من الصفحة إلى الصوت، ومن القارئ الفرد إلى جمهور كامل يغنيها معًا.


تعليقات