صدر مؤخراً كتاب “التاريخ السري للكون” للكاتب جوناثان بلاك، الذي لا يتناول المخترعين أو المهندسين أو الفنيين الذين قدموا إسهامات عملية في حياتنا اليومية، بل يسلط الضوء على علماء الفيزياء، الذين يصفهم الكاتب بأنهم فئة أكثر غرابة، تميل إلى الجنون، وكثيراً ما تعاني الأمراض والاضطرابات النفسية، بل والموت المبكر.
ويرى الكاتب أن السبب قد يكمن في طبيعة الفيزياء نفسها، فهي علم يعتمد بدرجة كبيرة على النظريات والمفاهيم المجردة والمعادلات الرياضية، فلا شيء، حرفيًا، يمتلك صلابة حقيقية؛ إذ إن طاولة البلوط، على سبيل المثال، ليست سوى تفاعل لقوى وذرات متحركة تتغير باستمرار، فيما يطلق الفيزيائيون على هذه الظاهرة اسم الإنتروبيا أو العشوائية الحرارية.
الفيزياء بين العلم والغموض
ويعترف الكاتب بأن معرفة ذلك لا تبعث على الراحة، موضحاً أنه بوصفه كاتباً للسير الذاتية، يرى أن الحياة الواقعية لا تخضع لنمط ثابت، لكن هي سلسلة من التقلبات، إلا أن مشكلته مع الفيزيائيين تكمن في سعيهم الدائم إلى اكتشاف أنماط وقوانين خفية، والحديث عن المجالات الكهرومغناطيسية وسحب البلازما وكأنها حقائق بديهية.
ويضيف أن الأمر يزداد غرابة عندما ينتقل بعض الفيزيائيين من تفسير القوانين الطبيعية إلى الحديث عن وجود قوة عليا أو ذكاء كامن وراء العالم المرئي، دون تقديم أدلة حاسمة على تلك الأفكار، وفقاً لما ذكره موقع ديلى ميل البريطاني.
ويروي الكاتب أنه قال ذات مرة لأحد علماء جامعة كامبريدج إن أفكاره تبدو له بقدر غرابة القول إن أباريق شاي أرجوانية تدور حول كوكب المشتري، فجاءه الرد: “وكيف تعرف أنها لا تدور؟”، وهو ما دفعه إلى الاستسلام أمام مثل هذه النقاشات.
إنيشتاين
عباقرة بطباع غير مألوفة
ويشير الكاتب إلى أنه رسب في مادة الفيزياء في امتحان الثانوية عام 1976، إذ حصل على تقدير U، وهو أسوأ من الرسوب التقليدي، لذلك لم يفاجأ عندما وجد أن استعراض جوناثان بلاك للجوانب الإنسانية لكبار علماء الفيزياء كشف عن قدر كبير من الغرابة، بل والجنون أحياناً.
فقد اعتقد عالم الرياضيات جورج كانتور، أحد مؤسسي نظرية المجموعات، أن الملك البريطاني إدوارد السابع يقود مؤامرة ماسونية للسيطرة على العالم، وانتهى به الأمر في مصحة نفسية.
أما الفيزيائي لودفيغ بولتزمان، فكان يحتفظ ببقرة داخل شقته في فيينا، قبل أن ينتحر شنقاً أثناء إجازة.
عالم الفيزياء
وكان المخترع نيكولا تسلا، رائد التيار المتردد وصاحب الرؤى المبكرة للطاقة الهوائية والاتصالات اللاسلكية والروبوتات، يعاني رهابًا من الأقراط، ويتمتع بقدرة سمع خارقة، كما كان مهووسًا بالرقم ثلاثة، فلا يدخل مبنى قبل أن يدور حوله ثلاث مرات، وانتهت حياته فقيراً.

كتاب التاريخ السرى للكون
أما كورت غودل، عالم المنطق والرياضيات، فكان شديد الخجل لدرجة أنه كان يختبئ في قبو منزله إذا جاءه ضيف، معتقدًا أن مخلوقات شيطانية تطارده وتحاول حقنه بالعقاقير، حتى مات جوعًا بعدما امتنع عن الطعام.
غرائب لا تتوقف
ويستعرض الكتاب شخصيات أخرى لا تقل غرابة؛ إذ كان بول إيردوش يرتدي الجزء العلوي من البيجامة بدلًا من القميص، بينما قتل الفيزيائي بول إهرنفست ابنه ثم انتحر، أما الحائز على جائزة نوبل بول ديراك، أحد مؤسسي ميكانيكا الكم، فكان يتسلق الأشجار ليتجنب الحديث مع زملائه، في حين اشتهر الفيزيائي بيوتر كابيتسا بابتلاع السكاكين في الحفلات.
ويرى الكاتب أن كثيرا من لحظات الإبداع العلمي ارتبطت بالإحباط العاطفي، فقد هرب الفيزيائي فولفغانج باولي مع مغنية ملهى ليلي، واحتفظ إرفين شرودنغر بمذكرات تضمنت، بحسب الكتاب، وقائع عن علاقاته.
حياة شخصية مثيرة للجدل
أما ألبرت أينشتاين، فكان عازف كمان وعُرف بعلاقاته النسائية، واستخدم الكمان وسيلة للإغواء أكثر من شهرته العلمية، وخلال اختبائه من النازيين في كوخ بمقاطعة نورفولك البريطانية، كان برفقته حارستان شابتان مسلحتان ببندقيتين، كما ارتبط بعلاقة مع امرأة تبين لاحقًا أنها جاسوسة سوفييتية.
ويذكر الكاتب أيضاً أن الفيلسوف برتراند راسل عاش ثلاث زيجات مفتوحة وأقام عدداً كبيراً من العلاقات، وكان يرى أن المطالبة بالإخلاص في الحب تعني سوء فهم لطبيعة الحياة.
أما روبرت أوبنهايمر، مدير مشروع مانهاتن لتطوير القنبلة الذرية، فعلى الرغم من ذكائه الاستثنائي، يصفه الكاتب بأنه كان ذا ميول معادية للمجتمع، إذ حاول خنق صديق له بعد إعلان خطوبته، كما قدم لأحد أساتذته في كامبريدج تفاحة ممزوجة بالسيانيد، وبالنسبة إلى ماري كوري، كانت تحضر جلسات تحضير الأرواح وتظن التلغراف يوصل أصوات الموتى.
الاكتشافات العلمية وسلاح الدمار
ويلفت الكاتب إلى أن أوبنهايمر كان يقود مشروعًا جمع عددًا من أبرز علماء الفيزياء الذين أسهموا في تطوير السلاح النووي، وهو ما تجسد لاحقاً في القصف الذري لهيروشيما وناجازاكي.
غلاف الكتاب

تعليقات