من بغداد إلى سامراء.. كيف غير المعتصم بالله الدولة العباسية؟

من بغداد إلى سامراء.. كيف غير المعتصم بالله الدولة العباسية؟

تحل اليوم ذكرى رحيل أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، المعروف بالمعتصم بالله، ثامن خلفاء الدولة العباسية، الذي تولى الخلافة بعد وفاة شقيقه المأمون عام 833م، وحكم الدولة لنحو تسع سنوات، شهدت خلالها مواجهات عسكرية وسياسية مهمة، كان أبرزها القضاء على ثورة بابك الخرمي وفتح مدينة عمورية.

وُلد المعتصم سنة 179هـ/795م، وهو ابن الخليفة هارون الرشيد، وشقيق الخليفة المأمون. وتولى قبل الخلافة عددًا من المهام، وكان المأمون يميل إليه لما عُرف عنه من القوة والشجاعة، حتى عهد إليه بالخلافة من بعده.

وعندما توفي المأمون في طرسوس سنة 218هـ/833م، بويع أبو إسحاق محمد بالخلافة، واتخذ لقب «المعتصم بالله».

استكمال سياسة المأمون

ورث المعتصم دولة واسعة تواجه عددًا من الاضطرابات الداخلية، فواصل سياسة أخيه في مواجهة الحركات والثورات التي هددت استقرار الدولة العباسية.

ومن أبرز هذه التحركات ثورة الزط، وهم جماعات استقرت في مناطق من جنوب العراق وسيطرت على طرق وممرات مائية مهمة، ما تسبب في اضطراب حركة التجارة والمواصلات. وتمكن القائد عجيف بن عنبسة من القضاء على الثورة سنة 220هـ/835م، ثم نقل المعتصم عددًا منهم إلى مناطق في الأناضول.

بابك الخرمي.. أخطر خصوم المعتصم

لكن المواجهة الأكثر شهرة في عهد المعتصم كانت مع بابك الخرمي، الذي قاد حركة الخرمية في أذربيجان ومناطق مجاورة، واستمر تمرده على الدولة العباسية سنوات طويلة منذ عهد المأمون.

وأصبحت حركة بابك قوة عسكرية وسياسية كبيرة، ونجحت في السيطرة على مناطق واسعة، كما ألحقت هزائم متكررة بالقوات العباسية، الأمر الذي جعل القضاء عليها واحدًا من أهم أهداف المعتصم.

وأرسل الخليفة القائد حيدر بن كاوس المعروف بالأفشين على رأس حملة كبيرة لمواجهة بابك، وبعد سلسلة من المعارك تمكن الأفشين من هزيمة قواته والاستيلاء على معقله في البذ سنة 222هـ/837م.

وأُلقي القبض على بابك ونُقل إلى سامراء، حيث أُعدم بأمر المعتصم، لتنتهي واحدة من أخطر الثورات التي واجهت الدولة العباسية في ذلك العصر.

ثورة محمد بن القاسم

لم تتوقف الاضطرابات عند ذلك، إذ شهد عهد المعتصم أيضًا خروج محمد بن القاسم العلوي، وهو من أتباع المذهب الزيدي، في منطقة الطالقان بخراسان.

واجتمع حوله عدد من الأنصار، فتصدى له عبد الله بن طاهر، والي خراسان، وأرسل قوات لمواجهته. وبعد وقوع عدد من المعارك، انهزم محمد بن القاسم واضطر إلى الفرار، قبل أن يُقبض عليه ويُرسل إلى المعتصم.

وتذكر المصادر أنه أُودع السجن في سامراء، ثم تمكن من الفرار بمساعدة بعض أنصاره، واختلفت الروايات في مصيره بعد ذلك.

عمورية.. أشهر انتصارات المعتصم

ويُعد فتح عمورية في الأناضول سنة 223هـ/838م من أبرز الأحداث العسكرية في عهد المعتصم.

فبعد تعرض مناطق إسلامية لهجمات البيزنطيين، تحرك المعتصم بجيش كبير باتجاه الأراضي البيزنطية، وتمكن من الوصول إلى عمورية، إحدى أهم مدن الإمبراطورية البيزنطية آنذاك، وحاصرها حتى سقطت.

وأصبح هذا الانتصار من أشهر الوقائع في التاريخ العباسي، وخلده الشعر العربي، ومن أشهر ما ارتبط به قصيدة أبي تمام التي مطلعها:

السيف أصدق أنباءً من الكتبِ
في حدّه الحد بين الجد واللعبِ

سامراء.. عاصمة جديدة للعباسيين

ارتبط اسم المعتصم أيضًا بمدينة سامراء، التي أصبحت عاصمة للخلافة العباسية في عهده، بعد انتقاله من بغداد.

وجاء اختيار سامراء في سياق تزايد نفوذ الجند الأتراك في الجيش العباسي، ورغبة المعتصم في إقامة عاصمة جديدة تستوعب قواته وتوفر لها مساحة أكبر بعيدًا عن الاحتكاك المستمر بسكان بغداد.

وسرعان ما تحولت سامراء إلى واحدة من أهم مراكز الحضارة العباسية، وشُيدت فيها القصور والمساجد والمنشآت الكبرى، وظلت عاصمة للخلافة العباسية لعدة عقود بعد المعتصم.

نهاية الخليفة

استمر المعتصم في الحكم حتى وفاته في 18 ربيع الأول سنة 227هـ/842م بمدينة سامراء، عن عمر ناهز 46 عامًا، وخلفه ابنه الواثق بالله.