إعادة اكتشاف مدينة قديمة باستخدام أقدم خريطة للأراضي المقدسة

إعادة اكتشاف مدينة قديمة باستخدام أقدم خريطة للأراضي المقدسة

المفاجأة أن التحفة الأصلية لا توجد في ألمانيا على الإطلاق، إذ تقع الأدلة الأثرية الأصلية التي توثق شكل الأراضي المقدسة قبل الفتوحات الإسلامية في أوائل القرن السابع الميلادي داخل كنيسة القديس جورج في مدينة مادبا بالأردن.

وقد جمعت الخريطة الأصلية بدقة باستخدام قطع فسيفسائية حجرية صغيرة خلال القرن السادس الميلادي، في عهد الإمبراطور الروماني جستنيان الأول، الذي يعد من أبرز أباطرة الإمبراطورية الرومانية، واشتهر بمشروعات كبرى مثل تشييد كنيسة آيا صوفيا ووضع “مدونة جستنيان” القانونية.


وتعرف هذه الخريطة اليوم باسم “خريطة مادبا”، وتعد على نطاق واسع أقدم تمثيل خرائطي باقٍ للأراضي المقدسة، وتحتل مدينة القدس موقعا محوريا فيها.
فسيفساء بيزنطية تكشف تفاصيل القدس.

, a reproduction of the famous sixth-century Byzantine mosaic
 أقدم خريطة مقدسة 

 

تقدم الفسيفساء البيزنطية تصويرا دقيقا بصورة لافتة لمدينة القدس، بما في ذلك أسوارها وبواباتها وشوارعها الرئيسية وكنائسها والمعالم المحيطة بها.
وتُظهر التفاصيل المحفوظة في خريطة مادبا، التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، صورة نادرة للقدس في العصور القديمة، ما يجعلها واحدة من أهم المصادر البصرية لفهم جغرافية المنطقة ومواقعها التاريخية والدينية.

أكثر من مجرد خريطة

لا تقتصر خريطة مادبا على كونها شبكة من المدن والطرق، وإنما تقدم تصورا واسعا للعالم المعروف آنذاك، يمتد من لبنان وصولا إلى دلتا النيل.
وتتميز الخريطة بتوثيقها لأكثر من أسماء المدن والطرق، إذ تصور أيضا مظاهر الحياة والمناظر الطبيعية والمواقع المرتبطة بالحج في الأراضي المقدسة.
كما تشير الخريطة إلى عدد من المدن والمواقع التي كان بإمكان الحجاج والمسافرين التوقف فيها للحصول على الطعام والراحة خلال رحلاتهم الدينية إلى القدس، ما يجعلها موردا مهما لفهم الطرق التي كان يسلكها الحجاج قبل أكثر من 1400 عام.


وقال قائد المشروع، الدكتور جون سي. كوباس دياز، إن الخريطة “توضح كيف كان الناس في أواخر العصور القديمة يتخيلون المشهد الجغرافي الوارد في الكتاب المقدس”.

نسخة ألمانية تحمل قيمة تاريخية خاصة

وعلى الرغم من أن خريطة مادبا الأصلية محفوظة في الأردن، فإن ارتباط مدينة غوتينغن الألمانية بها يتجاوز مجرد قيام باحثين بإنتاج نسخة طبق الأصل منها.
فقد أُنجزت نسخة كبيرة الحجم من الخريطة عام 1965، باستخدام قوالب مأخوذة مباشرة من الفسيفساء الأصلية، وأصبحت النسخة محفوظة ضمن مجموعة الجامعة من القوالب الجصية التي تضم نسخا من العديد من المنحوتات والآثار القديمة.


وهذا يمنح النسخة الألمانية قيمة تاريخية خاصة، إذ لا تمثل مجرد إعادة إنتاج فنية للخريطة، وإنما أصبحت بمرور الوقت أثرًا يوثق تاريخ دراسة خريطة مادبا نفسها.

نسخة تكشف تاريخ البحث الأثري

وأوضح الدكتور جون سي. كوباس دياز أن النسخة الموجودة في غوتينغن ليست مجرد قطعة للعرض، وإنما “وثيقة مهمة في تاريخ البحث الخاص بخريطة مادبا نفسها”.


ويتيح المشروع للباحثين والطلاب دراسة الطريقة التي صُنعت بها النسخة، والمواد المستخدمة فيها، إلى جانب تتبع مسارها داخل أرشيفات الجامعة والتعرف إلى كيفية استقبال الباحثين والجمهور لها وتفسيرهم لمحتواها منذ وصولها إلى الحرم الجامعي.

خريطة تصور القدس ومواقع الكتاب المقدس

تظهر النسخة المصورة من خريطة مادبا عددا كبيرا من المواقع التاريخية والدينية، من بينها القدس ونهر الأردن والبحر الميت وبيت لحم وأريحا وجبل سيناء، إلى جانب العديد من المدن والمواقع الواردة في الروايات الكتابية والتاريخية.


وتُعد الفسيفساء البيزنطية المحفوظة في كنيسة القديس جورج للروم الأرثوذكس في مادبا أقدم خريطة أصلية باقية للأراضي المقدسة، وهو ما يمنحها أهمية استثنائية في دراسة تاريخ المنطقة وجغرافيتها الدينية.

مشروع يجمع بين الخريطة والأثر

وتستمد الدراسة عنوانها من الطبيعة المزدوجة للنسخة الألمانية، باعتبارها نسخة من خريطة أثرية وفي الوقت نفسه أثرًا تاريخيًا يوثق مسار دراسة الخريطة الأصلية.

ويحمل المشروع اسم “على الخريطة إلى القدس”، ويهدف إلى تشجيع الجمهور على اكتشاف هذه التحفة التاريخية وفهم قيمتها من خلال الجمع بين البحث الأكاديمي والعرض العام.

الطلاب يصممون تجربة جديدة للجمهور

ومن المقرر أن يواصل الطلاب المشاركون في المشروع دراسة تاريخ المواد المستخدمة في إنتاج نسخة غوتينغن، وتتبع الوثائق المرتبطة بها داخل أرشيفات الجامعة، إلى جانب بحث الطريقة التي استُقبلت بها الخريطة وجرى تفسيرها منذ وصولها إلى الحرم الجامعي.

لكن الجانب الأكثر أهمية في المشروع يتمثل في المرحلة المقبلة، إذ لن يقتصر دور الطلاب على دراسة الخريطة، وإنما سيشاركون أيضًا في تصميم الطريقة التي سيختبر بها الجمهور هذا الأثر التاريخي.

وستطور أساليب العرض بما يتناسب مع شرائح مختلفة من الجمهور، بما في ذلك طلاب المدارس والزوار والمهتمون بالتاريخ والمجتمعات الكنسية والباحثون والمتخصصون.

خريطة مادبا.. نافذة على عالم عمره أكثر من 1400 عام

وتكشف خريطة مادبا عن صورة استثنائية للأراضي المقدسة في العصور القديمة، فهي لا تقدم أسماء المواقع والطرق فحسب، وإنما تعكس الطريقة التي كان سكان المنطقة والحجاج ينظرون بها إلى المشهد الجغرافي والديني في ذلك الوقت.

وبفضل تفاصيلها الفريدة، أصبحت الخريطة واحدة من أهم الشواهد على جغرافية الأراضي المقدسة، كما تتيح للباحثين اليوم إعادة قراءة المدن والطرق والمواقع الدينية التي شكلت جزءا من حياة المنطقة قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.

وتظل الفسيفساء الأصلية المحفوظة في كنيسة القديس جورج في مادبا، إلى جانب النسخة التاريخية الموجودة في غوتينغن، شاهدين على رحلة طويلة من التوثيق والبحث العلمي، تكشف كيف يمكن لقطعة أثرية واحدة أن تتحول من خريطة قديمة إلى وثيقة تاريخية تروي قصة المكان والإنسان والرحلات الدينية عبر الزمن.