مطبخ عمره 3200 عام يكشف أسرار الولائم والطقوس الجماعية في أذربيجان

مطبخ عمره 3200 عام يكشف أسرار الولائم والطقوس الجماعية في أذربيجان

كشفت أعمال التنقيب الأثري التي أجراها علماء من جامعة كاتانيا الإيطالية، بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية للعلوم في أذربيجان، وبمشاركة باحثين وطلاب من جامعات كاتانيا وباكو وسابينزا في روما، عن مطبخ احتفالي يعود تاريخه إلى نحو 3200 عام في موقع تافا تيبي غرب أذربيجان.

وكان الباحثون قد أعلنوا اكتشاف المطبخ للمرة الأولى عام 2024، وقدّروا في البداية أن تاريخ بنائه يعود إلى الفترة ما بين 1300 و1000 قبل الميلاد، إلا أن استمرار أعمال التنقيب كشف عن تاريخ أكثر تعقيداً، بعدما تبين أن المبنى أُعيد بناؤه عدة مرات في الموقع نفسه.

ومع كل مرحلة جديدة من البناء، دفنت الأفران والأواني الفخارية وبقايا الطعام المرتبطة بالمراحل السابقة تحت طبقات البناء اللاحقة، الأمر الذي أتاح للباحثين فرصة نادرة لتتبع استمرار تقاليد الطهي والتجمعات الجماعية عبر أجيال متعاقبة.

Aerial view of the 3,200-year-old ceremonial kitchen at Tava Tepe
المطبخ الأثري 

 

كل بناء جديد حافظ على آثار المطبخ السابق

تشير عمليات إعادة بناء الموقع المتكررة إلى وجود تقليد راسخ للتجمعات الجماعية وتبادل الطعام، ما يرجح أن المجمع لم يكن مخصصاً للطهي اليومي فقط، وإنما كان يؤدي دورًا اجتماعياً وطقسياً مهماً.

وعلى مدار أجيال عديدة، عاد الناس إلى هذا المكان المميز، وحافظوا على الأفران ومناطق الطهي القديمة أثناء تشييد مبانٍ جديدة فوقها.

وضم المستوى الأقدم من الموقع منصة ترابية مرتفعة تتوسطها موقد دائري كبير، تحيط به عدة أماكن مخصصة للطهي، بينما وضعت أواني الطهي بالقرب من الموقد.

كما عثر علماء الآثار على عدد كبير من الأوعية الخزفية داخل فرن ممتلئ بالرماد، وهي أدلة تشير إلى احتمال ترك هذه الأواني في أماكنها عمدًا بعد استخدامها خلال طقوس أو تجمعات معينة، بدلًا من إخلاء المكان منها.

لماذا لم ينظف المطبخ القديم؟

يثير ترك الأواني وبقايا الطهي في أماكنها تساؤلات حول طبيعة الأنشطة التي كانت تُقام داخل المجمع.

ويرجح الباحثون أن هذه الممارسات ربما ارتبطت بطقوس جماعية، إذ يبدو أن بعض الأدوات والأواني دُفنت عمدًا تحت طبقات البناء اللاحقة، وهو ما يشير إلى أن إعادة بناء المكان لم تكن مجرد عملية ترميم، وإنما ربما كانت جزءاً من تقليد اجتماعي وطقسي مستمر.

ويعزز هذا الاحتمال العثور على تماثيل بشرية وضعت في حفر نذرية، إلى جانب الأدلة التي تشير إلى دفن القطع الخزفية تحت طبقات سميكة من التربة المضغوطة.

تصميم معماري فريد في منطقة القوقاز

يتميز المطبخ المكتشف بتصميم معماري لافت، إذ كان يضم مدخلاً ضخماً مدعوماً بأعمدة خشبية، فيما يرجح أن سقفاً من القش كان يغطي المجمع بأكمله.

وكشفت حفر الأعمدة عن تصميم دائري للمبنى، بلغ قطره نحو 15 مترا، وقد شُيد فوق منصة من التراب المدكوك، وهو ما جعله مرتفعا وبارزا بصريا عن محيطه.

ويؤكد الباحثون أن هذا التصميم لا مثيل له حتى الآن في المواقع المعروفة بمنطقة القوقاز، ما يجعل تافا تيبي موقعا استثنائيًا لفهم الحياة الاجتماعية والطقوس الجماعية في أواخر العصر البرونزي.

أكواخ ومناطق مخصصة لإعداد الطعام

ولم تقتصر الاكتشافات على المطبخ الرئيسي، إذ كشف فريق البحث في المنطقة المحيطة عن أكواخ صغيرة ذات أرضيات من الحجر الجيري المدكوك، إلى جانب عناصر خشبية ومناطق عمل يبدو أنها ارتبطت بإعداد الطعام.

كما عثر علماء الآثار على قوالب طينية مزخرفة ت عرف باسم “بينتاديراس”، ويرجح الباحثون أنها كانت تستخدم لتزيين الخبز أو أنواع أخرى من المخبوزات، ما يقدم مزيدًا من الأدلة على تنوع الأنشطة التي كانت تُمارس في الموقع.

وجبة عمرها آلاف السنين

ومن بين أكثر الاكتشافات إثارة بقايا وجبة قديمة عثر عليها الباحثون داخل المطبخ، وتتكون من الدخن المخلوط بالعسل، في صورة تشبه العصيدة، إلى جانب لحم البقر.

ومن المتوقع أن تساهم الدراسات المستقبلية لعظام الحيوانات، بما في ذلك الأبقار والأغنام والخنازير، فضلا عن بقايا النباتات ومخلفات الطعام، في تكوين صورة أكثر شمولا عن طبيعة الوجبات التي كانت تحضر وتقدم في الموقع.

وتشير النتائج الأولية إلى أن سكان المنطقة لم يستخدموا تافا تيبي كمطبخ فحسب، بل كمكان اجتماع تلتقي فيه مجموعات مختلفة، ربما كانت تتنقل بين مناطق القوقاز خلال أواخر العصر البرونزي.

الطعام كان وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية

ويرجح الباحثون أن العائلات والمجتمعات كانت تجتمع بصورة دورية للطهي وتناول الطعام، في ممارسات ساعدت على تعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ الشعور بالهوية الجماعية.

وقال نيكولا لانيري، قائد المشروع إن إعادة بناء المطبخ بصورة متكررة تكشف عن استمرار تقاليد معينة عبر أجيال عديدة.

وأضاف أن الدراسات الجارية لبقايا الحيوانات والنباتات والأطعمة ستساعد في تقديم صورة أكثر وضوحا عن أنواع الأطعمة التي كانت تحضر خلال هذه التجمعات الجماعية.

ويرى البروفيسور نيكولا لانيري أن تافا تيبي ربما كانت نقطة التقاء اجتمعت فيها مجتمعات متعددة بصورة متكررة للطهي وتناول الطعام، وأن هذا الفعل المشترك أسهم في تعزيز روابطها الاجتماعية وتأكيد هويتها الجماعية.

وأشار إلى أن استمرار عملية إعادة بناء الموقع عبر الزمن يمثل دليلا قويا على عمق هذه التقاليد وأهميتها في النسيج الاجتماعي لمجتمعات العصر البرونزي المتأخر.

ويقدم موقع تافا تيبي منظورا جديدا للحياة في القوقاز خلال العصر البرونزي، فالموقع لم يكن مجرد منطقة مخصصة لإعداد الطعام، بل يبدو أنه كان مساحة احتفالية واجتماعية اجتمع فيها الطعام والطقوس والمجتمع على مدى مئات السنين.

وتكشف هذه النتائج أن مشاركة الطعام في المجتمعات القديمة لم تكن مجرد وسيلة للبقاء، بل كانت ممارسة اجتماعية وطقسية ساعدت على بناء العلاقات والحفاظ على التقاليد ونقلها من جيل إلى آخر.