يمثل انقطاع الطمث مرحلة طبيعية تمر بها المرأة مع التقدم في العمر، إلا أن توقيته أصبح محل اهتمام متزايد، خاصة مع تزايد الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين عمر انقطاع الدورة الشهرية وصحة القلب والعظام والتمثيل الغذائي على المدى البعيد. ومع انتشار نصائح على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم إمكانية تأخير هذه المرحلة، تتساءل كثير من النساء: هل يمكن بالفعل تأخير انقطاع الطمث؟
ووفقًا لما نشره موقع Health في تقرير حديث تناول إمكانية تأخير انقطاع الطمث، لا توجد حتى الآن طريقة مثبتة علميًا يمكن الاعتماد عليها لتأخير سن انقطاع الطمث بشكل آمن، بينما تشير الأبحاث إلى وجود عوامل وراثية وبيئية ونمط حياة قد ترتبط بتوقيت حدوثه. لذلك، فإن التركيز الطبي لا ينصب فقط على محاولة تأخير انقطاع الطمث، وإنما على الحفاظ على صحة المرأة والاستعداد الجيد لهذه المرحلة.
ما علاقة انقطاع الطمث بصحة المرأة؟
خلال السنوات التي تسبق انقطاع الطمث، والمعروفة باسم مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أو الانتقال إلى سن اليأس (Perimenopause)، يبدأ نشاط المبيضين في التغير تدريجيًا، وينخفض إنتاج هرمونات مثل الإستروجين والبروجسترون.
ولا تقتصر وظيفة هذه الهرمونات على تنظيم الدورة الشهرية والخصوبة، إذ يرتبط الإستروجين على وجه الخصوص بعدد من الوظائف المهمة في الجسم، بما في ذلك صحة العظام والقلب والأوعية الدموية.
ولهذا السبب، يهتم الباحثون بدراسة العلاقة بين توقيت انقطاع الطمث وبعض المؤشرات الصحية التي تظهر مع التقدم في العمر.
هل يمكن تأخير انقطاع الطمث؟
حتى الآن، لا توجد وسيلة مؤكدة وثابتة يمكن للطبيبات والأطباء التوصية بها بهدف تأخير انقطاع الطمث لدى النساء بشكل روتيني.
وقد أثار هذا الأمر اهتمامًا بسبب ظهور تجارب شخصية وعلاجات توصف عبر الإنترنت بأنها قادرة على إبطاء شيخوخة المبيضين، لكن وجود اهتمام بحثي بهذه الطرق لا يعني أنها أصبحت علاجات معتمدة أو آمنة للاستخدام بهدف تأخير انقطاع الطمث.
ومن المهم التفريق بين دراسة علاج جديد داخل الأبحاث العلمية وبين استخدامه بشكل شخصي دون إشراف طبي.
العامل الوراثي له دور كبير في توقيت انقطاع الطمث
توقيت انقطاع الطمث لا يعتمد فقط على العادات اليومية، فالعوامل الوراثية تلعب دورًا مهمًا في تحديد العمر الذي تبدأ فيه هذه المرحلة. وهناك ارتباط واضح بين العمر الذي تصل فيه الأم إلى انقطاع الطمث والعمر الذي قد تصل فيه ابنتها إلى المرحلة نفسها.
وهذا يعني أن التاريخ العائلي يمكن أن يقدم مؤشرًا مفيدًا عن التوقيت المتوقع، لكنه لا يستطيع تحديد موعد انقطاع الطمث بشكل دقيق لكل امرأة.
هل النظام الغذائي الصحي يؤخر انقطاع الطمث؟
لا يمكن القول إن اتباع نظام غذائي معين يستطيع تأخير انقطاع الطمث بصورة مؤكدة.
لكن الحفاظ على نظام غذائي متوازن قد يساعد المرأة في دعم صحتها العامة والتمثيل الغذائي، خاصة مع التقدم في العمر.
ومن الأنماط الغذائية التي تحظى باهتمام بحثي النظام الغذائي المتوسطي، الذي يعتمد بصورة أساسية على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والأسماك والدهون الصحية.
والفائدة هنا لا تعني أن هذا النظام «يوقف» شيخوخة المبيضين، وإنما أن التغذية الجيدة تساعد في الحفاظ على الصحة الأيضية، وهو أمر مهم خلال مراحل عمر المرأة المختلفة.
الرياضة مهمة.. ولكنها لا تؤجل انقطاع الطمث
ممارسة النشاط البدني بانتظام من العادات الصحية المهمة للمرأة، وقد تساعد على تحسين اللياقة وصحة القلب والتمثيل الغذائي ودعم قوة العظام.
لكن لا توجد أدلة كافية تجعل ممارسة الرياضة وسيلة مضمونة لتأخير انقطاع الطمث.
لذلك، من الأفضل النظر إلى النشاط البدني باعتباره وسيلة للمساعدة في الحفاظ على صحة الجسم والاستعداد للتغيرات المرتبطة بمرحلة انقطاع الطمث، وليس باعتباره علاجًا لمنع حدوثها.
التدخين قد يؤثر في صحة المبيضين
يعد التدخين من العوامل التي ترتبط بآثار صحية سلبية واسعة، وتشير الأدلة إلى ارتباطه بزيادة احتمال حدوث انقطاع الطمث في عمر أصغر.
ويرتبط التدخين كذلك بمخاطر صحية أخرى، ولذلك فإن تجنبه يمثل خطوة مهمة للحفاظ على صحة المرأة، سواء فيما يتعلق بالمبيضين أو القلب أو الجهاز التنفسي أو العظام.
ماذا عن «العلاجات التجريبية» لتأخير انقطاع الطمث؟
ظهرت في السنوات الأخيرة طرق مختلفة يروج لها البعض باعتبارها وسائل لإبطاء شيخوخة المبيضين، من بينها بعض العلاجات والتقنيات الحديثة.
ومن أكثر الخيارات التي تحظى بالاهتمام البحثي حاليًا دواء راباميسين (Rapamycin)، الذي يؤثر في مسار خلوي يعرف باسم mTOR.
وقد أظهرت أبحاث على الحيوانات نتائج أثارت اهتمام العلماء بشأن إمكانية تأثير هذا المسار في شيخوخة المبيضين، لكن ذلك لا يعني أن الدواء ثبتت فعاليته في تأخير انقطاع الطمث لدى النساء.
ولا تزال الدراسات البشرية في مراحل مبكرة، ولذلك لا ينبغي استخدام راباميسين لهذا الغرض من تلقاء النفس.
العلاج بالضوء الأحمر والأكسجين المضغوط.. هل يؤخران انقطاع الطمث؟
توجد أيضًا تقنيات تروج لها بعض الجهات باعتبارها طرقًا محتملة لدعم صحة المبيضين أو إبطاء الشيخوخة.
ومن بينها العلاج بالضوء الأحمر والعلاج بالأكسجين تحت الضغط.
لكن وفق الخبراء الذين نقل عنهم التقرير، لا توجد أدلة قوية تسمح باعتبار هذه الأساليب طرقًا مثبتة لتأخير توقيت انقطاع الطمث.
كما أن بعض الإجراءات الطبية لا تخلو من مخاطر أو موانع استخدام، ولذلك لا ينبغي تجربة أي علاج بهدف تأخير انقطاع الطمث اعتمادًا على تجارب شخصية أو محتوى منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل العلاج الهرموني يؤخر انقطاع الطمث؟
يختلف العلاج الهرموني لمرحلة انقطاع الطمث (HRT) عن محاولة تأخير انقطاع الطمث نفسه.
فالعلاج الهرموني قد يستخدم لدى بعض النساء لتخفيف أعراض مرتبطة بانخفاض الهرمونات خلال مرحلة الانتقال وبعد انقطاع الطمث، وقد تكون له فوائد ومخاطر تختلف من امرأة إلى أخرى.
لذلك، لا ينبغي اعتبار العلاج الهرموني وسيلة لإبقاء الدورة الشهرية مستمرة أو لإيقاف عملية انقطاع الطمث الطبيعية.
ويحتاج تحديد مدى ملاءمته إلى تقييم طبي يعتمد على العمر والأعراض والتاريخ الصحي وعوامل الخطورة.
ماذا يمكن للمرأة أن تفعل بدلًا من محاولة تأخير انقطاع الطمث؟
بدلًا من البحث عن طريقة لإيقاف التغير الطبيعي الذي يحدث في الجسم، يمكن التركيز على الاستعداد الصحي لهذه المرحلة من خلال مجموعة من العادات اليومية، أهمها:
اتباع نظام غذائي متوازن غني بالأطعمة الطبيعية.
ممارسة النشاط البدني بصورة منتظمة ومناسبة للحالة الصحية.
الاهتمام بالنوم الكافي.
تجنب التدخين.
الحد من العادات الغذائية غير الصحية والأطعمة شديدة التصنيع.
الاهتمام بصحة العظام والقلب مع التقدم في العمر.
التعامل مع التوتر بطرق صحية.
إجراء الفحوصات الدورية التي يوصي بها الطبيب.
استشارة طبيبة النساء عند ظهور تغيرات ملحوظة في الدورة أو أعراض جديدة.
هل انقطاع الطمث مشكلة صحية يجب منعها؟
انقطاع الطمث في حد ذاته ليس مرضًا، وإنما مرحلة بيولوجية طبيعية في حياة المرأة.
وقد تختلف أعراض مرحلة الانتقال من امرأة إلى أخرى؛ فبعض النساء قد يعانين من تغيرات واضحة في الدورة أو اضطرابات النوم أو الشعور بارتفاع الحرارة أو تغيرات المزاج، بينما تكون الأعراض لدى أخريات أقل وضوحًا.
ولهذا فإن الهدف الطبي ليس بالضرورة منع انقطاع الطمث، وإنما مساعدة المرأة على المرور بهذه المرحلة بأفضل حالة صحية ممكنة والتعامل مع الأعراض إذا كانت تؤثر في حياتها اليومية.
متى تحتاج المرأة إلى استشارة الطبيبة؟
من المهم مراجعة طبيبة النساء عند حدوث تغيرات غير معتادة في الدورة الشهرية، أو ظهور أعراض شديدة أو مستمرة، أو وجود نزيف غير طبيعي.
كما أن النساء اللاتي يفكرن في استخدام أي علاج أو مكمل أو تقنية بهدف التأثير في توقيت انقطاع الطمث يجب أن يستشرن الطبيب أولًا، خصوصًا إذا كان المنتج أو العلاج غير معتمد لهذا الغرض.


تعليقات