محمود مرزوق يكتب: ماكس هرتز باشا

محمود مرزوق يكتب: ماكس هرتز باشا

هناك لحظات فاصلة فى تاريخ أى أمة، يتوقف فيها مصير أثر عظيم على وجود شخص واحد فى المكان الصحيح وفى التوقيت الصحيح.

فبراير 1904 كانت واحدة من هذه اللحظات الفارقة: قلعة قايتباى بالإسكندرية تحت معاول الهدم بقرار إدارى من قائد خفر السواحل، ولا شىء يقف بينها وبين الزوال سوى تدخل مهندس واحد امتلك من العلم والكفاءة ما يكفى لوقف القرار.

هذا المهندس هو ماكس هرتز باشا، كبير مهندسى لجنة حفظ الآثار العربية، الذى سافر فوراً إلى الإسكندرية وأقنع الجهات المختصة بضرورة التراجع، موضحاً أن القلعة ليست مجرد «مبنى متهدم» كما ظنّ من أصدر قرار الهدم، بل امتداد تاريخى لموقع فنار الإسكندرية القديم.

وبعدها أشرف على مشروع إعادة بناء دقيق استند إلى رسومات الرحالة، ولوحات موسوعة «وصف مصر»، وصور فوتوغرافية قديمة، مع حرص علمى على الفصل بين ما هو أصلى مملوكى وما هو إضافة حديثة.

هذه الحادثة، رغم أهميتها، ليست سوى فصل واحد من مسيرة حافلة، فالرجل، المولود فى المجر والذى درس العمارة فى فيينا، وصل إلى مصر عام 1880، والتحق فى العام التالى بالمكتب الفنى للأوقاف، ليبدأ رحلة امتدت لعقود.

تولى خلالها إدارة دار الآثار العربية عام 1892، ثم أصبح رئيساً للجنة حفظ الآثار العربية عام 1901، وهو المنصب الذى منحه سلطة الإشراف على ترميم واستكمال عشرات المعالم الإسلامية والقبطية فى القاهرة والإسكندرية.
اعترفت الدولة بقيمة ما قدّمه هرتز باشا، فمنحته لقب «بك» عام 1895 تقديراً لخدماته الجليلة فى حماية وترميم الآثار، ثم على لقب «باشا» عام 1912 نظير إنجازاته فى رئاسة اللجنة، وهى رتبة نادراً ما نالها أجنبى على أساس عمل علمى بحت، بعيداً عن أى اعتبار عسكرى أو سياسى، فى دلالة على مدى تقدير الخديو عباس حلمى الثانى لقيمة الرجل.

قائمة إنجازاته فى القاهرة وحدها تكفى لتخليد اسمه: أنقذ من الاندثار مساجد الأقمر وباب زويلة والسلطان برقوق والأزهر، وأفرد لمسجد السلطان حسن دراسة متخصصة موسّعة نُشرت عام 1899 تُعد مرجعاً فى العمارة المملوكية حتى اليوم، كما أكمل بناء جامع الرفاعى عام 1905 بعد وفاة مهندسه الأصلى حسين باشا فهمى وتوقف العمل فيه لأكثر من عقدين.

كان هرتز باشا يتقن العربية والفرنسية والألمانية والتركية والإنجليزية، وهذا التنوع اللغوى فتح له باباً نادراً للتواصل المباشر مع العمال والمقاولين وأهل الحرفة، فجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية. وألّف أول دليل شامل لدار الآثار العربية فى مجلد تجاوز الستمائة صفحة، أصبح مرجعاً أساسياً لكل من كتب عن المتحف الإسلامى بعده.

كما تميز ماكس هرتز بنزاهة نادرة فى التعامل مع المال العام، تجلّت فى موقفه الشهير حين رفض دفع سعر مبالغ فيه لتوريد حجارة، وفضّل أن يبحث بنفسه عن محجر يوفّر السعر الأنسب.

رجل لم يولد على ضفاف النيل، ولم يحمل جنسية مصرية، لكنه أعطى تراثها من الإخلاص المهنى ما لم يفعله كثيرون من سابقيه ولاحقيه.

توفى هرتز باشا عام 1919، تاركاً خلفه إرثاً من الجهد العلمى المضنى الذى أسهم فى عودة القاهرة التاريخية لسيرتها الأولى حاضرة للشرق ودرة فى تاج المدن العتيقة.