هجوم أميان يفتح الطريق أمام انهيار الجيش الألماني بالحرب العالمية الأولى

هجوم أميان يفتح الطريق أمام انهيار الجيش الألماني بالحرب العالمية الأولى

في 8 أغسطس 1918، شنّت قوات الحلفاء هجوماً واسعاً على المواقع الألمانية في أميان، على نهر السوم شمال غربي فرنسا، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية التي مهدت لنهاية الحرب العالمية الأولى.

وجاء الهجوم في وقت كان الجيش الألماني يعاني فيه من خسائر بشرية وعسكرية فادحة، بعد الهجوم الكبير الذي شنه في ربيع عام 1918، وسط تراجع الروح المعنوية ونقص الإمدادات وانتشار وباء الإنفلونزا بين الجنود.

الجيش الألماني أمام مفترق طرق

كانت القوات الألمانية قد استنزفت بشدة، وبدأ عدد من كبار القادة يعتقدون أن الحرب تتجه بصورة لا رجعة فيها لمصلحة الحلفاء، وفي 20 يوليو 1918، كتب ولي العهد روبرت أن ألمانيا تقف عند “مفترق طرق الحرب”، مشيراً إلى أن التحول إلى الدفاع أصبح أمراً واقعاً، وأن المكاسب التي حققتها القوات الألمانية خلال هجوم الربيع بدأت تتلاشى.

لكن إريك لودندورف، القائد العام للجيش الألماني، رفض الاستسلام لهذا الواقع، كما رفض نصائح كبار قادته بالانسحاب أو البدء في مفاوضات لإنهاء الحرب.

فوش يرفض فكرة الضربة القاضية

في المقابل، كان الحلفاء يستعدون لاحتمال استمرار الحرب حتى عام 1919، من دون أن يدركوا أن النصر قد يكون أقرب مما يتوقعون، وخلال مؤتمر لقادة الجيوش الوطنية في 24 يوليو، رفض الجنرال الفرنسي فرديناند فوش، قائد قوات الحلفاء، فكرة توجيه ضربة واحدة حاسمة للجيش الألماني.

وبدلاً من ذلك، اقترح تنفيذ سلسلة من الهجمات المحدودة والمتتابعة بسرعة، بهدف السيطرة على خطوط السكك الحديدية الحيوية حول باريس، وإجبار الألمان على نقل قواتهم واحتياطياتهم باستمرار من جبهة إلى أخرى.

وقال فوش إن هذه التحركات يجب أن تنفذ بسرعة كبيرة لتوجيه “سلسلة من الضربات” إلى العدو، ومنعه من استخدام احتياطياته بكفاءة أو الحصول على الوقت الكافي لإعادة تنظيم قواته، وحظيت الاستراتيجية بموافقة القادة العسكريين للحلفاء، ومن بينهم جون ج. بيرشينغ عن الولايات المتحدة، وفيليب بيتان عن فرنسا، والسير دوغلاس هيغ عن بريطانيا.

أميان.. بداية الهجوم

في إطار هذه الاستراتيجية، وضع هيغ خطة لهجوم محدود على أميان، بهدف استعادة المبادرة بعد الانتصار الألماني في المنطقة خلال مارس السابق، والسيطرة على خط السكك الحديدية الممتد بين ميريكورت وهانغيست، وبدأ الهجوم صباح 8 أغسطس 1918، بقيادة الجيش البريطاني الرابع بقيادة الجنرال السير هنري راولينسون.

وكانت المواقع الألمانية في أميان تضم نحو 20 ألف جندي، في حين امتلك الحلفاء تفوقًا عدديًا كبيرًا، بلغ نحو ستة أضعاف القوات الألمانية المتقدمة، وشارك في الهجوم نحو 400 دبابة، إلى جانب أكثر من ألفي قطعة مدفعية ونحو 800 طائرة، مع مساهمة كبيرة من القوات الأسترالية والكندية.

“اليوم الأسود” للجيش الألماني

وبحلول نهاية يوم 8 أغسطس، تمكنت قوات الحلفاء من اختراق الخطوط الألمانية حول نهر السوم، وفتح ثغرة امتدت لنحو 15 ميلاً، وكانت الخسائر الألمانية قاسية؛ إذ قتل نحو 27 ألف جندي خلال ذلك اليوم، فيما استسلم قرابة 12 ألف جندي لقوات الحلفاء، في نسبة استسلام اعتُبرت غير مسبوقة في تلك المرحلة من الحرب.

وأطلق لودندورف على 8 أغسطس وصف “اليوم الأسود للجيش الألماني”، في إشارة إلى حجم الصدمة التي أحدثها الهجوم في صفوف القيادة والقوات الألمانية.

من أميان إلى هجوم المائة يوم

ومع استمرار هجمات الحلفاء خلال صيف عام 1918، بدأت القوات الألمانية تفقد قدرتها على الصمود أمام الزخم المتزايد للخصم، وتحولت العمليات المتتابعة التي دعا إليها فوش إلى سلسلة من الهجمات الكبرى عرفت لاحقاً باسم هجوم المائة يوم، وأسهمت في دفع القوات الألمانية إلى التراجع المستمر وصولًا إلى الأشهر الأخيرة من الحرب، ورغم استمرار الجيش الألماني في القتال، فإن الفوضى والفرار بين صفوف الجنود، إلى جانب الاضطرابات والتمرد على الجبهة الداخلية، زادت من ضعف ألمانيا، ومهدت الطريق في النهاية إلى انهيار المقاومة الألمانية وتوقيع الهدنة في نوفمبر 1918.