ظل المتحف لسنوات طويلة يقدم نفسه إلى الجمهور من خلال منظومة واضحة، أمين المتحف يختار القطع والباحث يدرسها والمتخصص يكتب عنها والناقد يناقشها والصحافة الثقافية تقدمها إلى الجمهور لكن طرفًا جديدًا دخل خلال السنوات الأخيرة إلى هذه المنظومة، يحمل هاتفًا محمولًا ويمتلك عشرات أو مئات الآلاف من المتابعين، ويستطيع خلال دقيقة واحدة أن يقدم لوحة عمرها مئات السنين إلى جمهور قد يفوق عدد زوار قاعة كاملة خلال أيام.
إنهم “مؤثرو الفن”، أو صناع المحتوى الذين بدأت المتاحف وصالات العرض فى فرنسا وبريطانيا ودول أخرى الاستعانة بهم للوصول إلى الشباب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
ورصدت صحيفة “لوموند” الفرنسية اتساع الظاهرة، وأشارت إلى وجود نحو 20 من صناع المحتوى فى فرنسا استطاعوا تحويل الحديث عن الفن إلى مهنة، ووصل بعضهم إلى جمهور يتجاوز مائتى ألف متابع، ومن بينهم بولين لوب التى تقدم زياراتها للمعارض والمتاحف عبر حساباتها، ومارجو بروجفان، خريجة مدرسة اللوفر، التى تقدم حكايات من تاريخ الفن وتركز على الفنانات والنساء اللاتى غبن عن بعض الروايات التقليدية لتاريخ الفن.
لماذا تحتاج المتاحف إلى المؤثرين؟
المتحف اليوم ينافس عشرات المنصات والتطبيقات على وقت الجمهور، وهناك أجيال قد تعرف “الموناليزا” من مقطع على تيك توك قبل أن تدخل متحفًا، ولهذا تبحث المؤسسات الثقافية عن لغة تستطيع الوصول بها إلى هذا الجمهور.
المؤثر يمتلك جمهورًا جاهزًا، ويستطيع تحويل زيارة معرض إلى فيديو قصير ينتشر خلال ساعات، وهو ما يفسر اهتمام المتاحف به.
وعندما أقيم معرض “Africa Fashion” فى متحف كيه برانلى بباريس، استعانت وكالة العلاقات العامة المسئولة عن الترويج له بنحو 20 من صناع المحتوى، وحققت المواد المرتبطة بالحملة أكثر من 400 ألف مشاهدة على إنستجرام وتيك توك، كما أصبح بعض صناع المحتوى الفنى فى فرنسا يحصلون على مبالغ تتراوح بين 1500 و5000 يورو مقابل التعاون المدفوع.
وفى بريطانيا أطلق المعرض الوطنى فى لندن مشروع 200 Creators، وجمع 200 من صناع المحتوى الرقميين، واشترط عند اختيار بعض المشاركين أرقامًا كبيرة من المتابعين والتفاعل على إنستجرام وتيك توك ويوتيوب.
وهنا يظهر السؤال: هل القدرة على الوصول إلى مائة ألف شخص تعنى القدرة على شرح لوحة أو تاريخ متحف؟
المتحف له هوية
المتحف مؤسسة معرفة قبل أن يكون مكانًا للزيارة، ترتيب القاعات، وطريقة كتابة بطاقات التعريف، واختيار القطع، وصياغة قصة المعرض، كلها عناصر تصنع هوية المؤسسة وتقدم تفسيرًا لما تعرضه، وعندما يدخل المؤثر إلى هذه المساحة فإنه يقدم تفسيرًا جديدًا من خلال لغته واختياراته وما يراه مناسبًا لجمهوره.
وهنا يمكن أن تظهر المشكلة، فالخوارزمية تبحث عن الصورة الغريبة، والحكاية المثيرة، والمعلومة المختصرة، بينما تحتاج اللوحة أو القطعة الأثرية فى أحيان كثيرة إلى سياق تاريخى وفنى وعلمى لفهمها.
وقد تتحول لوحة مركبة إلى “ثلاث معلومات لن تصدقها”، أو تتحول قطعة أثرية إلى حكاية منفصلة عن سياقها من أجل فيديو لا يتجاوز 30 ثانية.
المؤثر ليس أمين متحف
الفارق الأساسى أن أمين المتحف أو الباحث يعمل داخل منظومة تعتمد على الدراسة والمراجع والتوثيق والمراجعة، ولديه مسئولية واضحة عن صحة المعلومات.
أما صانع المحتوى فيعمل وفق منظومة تقوم على التواصل والانتشار وبناء العلاقة مع الجمهور.
قد يكون بعض المؤثرين متخصصين، وقد يمتلك آخرون خبرة ثقافية حقيقية، لكن صفة “المؤثر” فى حد ذاتها لا تعنى امتلاك معرفة أكاديمية، وهنا تبدأ المشكلة عندما تستخدم المؤسسة شهرة الشخص بديلًا عن تخصصه.
فإذا قدم المؤثر معلومة غير دقيقة عن قطعة داخل اللوفر أو أورساى، قد ينسى المتابع اسم المؤثر، لكنه يتذكر أن المعلومة جاءت من داخل المتحف، وعندها يصبح الخطأ مرتبطًا باسم المؤسسة نفسها.
عندما يصبح المؤثر أهم من اللوحة
هناك خطر آخر يتعلق بطبيعة صناعة المحتوى نفسها، فالمؤثر يبنى جمهوره حول شخصيته وطريقة حديثه وصورته أمام المتابعين، بينما يريد المتحف أن تبقى القطعة هى مركز التجربة.
وهنا يصبح السؤال: هل يخرج المشاهد وهو يتذكر اللوحة، أم يتذكر المؤثر الذى وقف إلى جوارها؟
وقد يتحول المتحف إلى مجرد موقع تصوير، وتتحول القاعة التاريخية إلى خلفية رقمية جميلة، فينجح الفيديو وفق معايير المنصة، بينما تخسر المؤسسة جانبًا من رسالتها.
هل يمثل المؤثر خطرًا على المتحف؟
وجود المؤثر فى حد ذاته لا يمثل خطرًا، ويمكن أن يفتح أبواب المتحف أمام جمهور جديد ويقوده إلى اكتشاف فنان أو قطعة أو معرض للمرة الأولى.
الخطر يبدأ عندما تصبح معايير المشاهدة أهم من معايير المعرفة، أو عندما يُستبعد المتخصص ويترك تفسير القطع بالكامل لمن يملك جمهورًا أكبر.
القيمة الحقيقية تأتى من التكامل؛ المتحف يمتلك المعرفة، والمتخصص يقدم السياق والتفسير، وصانع المحتوى يمتلك القدرة على الوصول.
ومن هنا يحتاج التعاون إلى قواعد واضحة: اختيار من يستطيع التعامل مع المحتوى الثقافى، ومراجعة المعلومات قبل النشر، والحفاظ على المتخصص داخل عملية صناعة الرسالة، وإبقاء القطعة نفسها فى مركز المشهد.
فالمؤثر يمكن أن يكون بابًا جديدًا للمتحف، وتظل مسئولية المؤسسة أن تتأكد من أن هذا الباب يقود إلى المعرفة ويحافظ على هويتها، لأن أهم ما يمتلكه المتحف يظل الثقة فى المعرفة التى يقدمها.


تعليقات