جثث مقيدة فى قبر جماعى.. ماذا حدث لهؤلاء الرجال قبل أكثر من 2600 عام؟

جثث مقيدة فى قبر جماعى.. ماذا حدث لهؤلاء الرجال قبل أكثر من 2600 عام؟

كان المشهد غريبًا حتى بمقاييس المقابر الأثرية، عشرات الرجال دُفنوا معًا، بعضهم وُضعت القيود الحديدية حول معصميه، وآخرون كانت أذرعهم مربوطة خلف ظهورهم، بينما تشير حالة الدفن إلى أن نهايتهم جاءت فى ظروف عنيفة، ومنذ العثور عليهم قرب أثينا قبل عشر سنوات ظل سؤال واحد يطارد علماء الآثار: من هؤلاء الرجال؟ ولماذا انتهى بهم الأمر داخل قبر جماعى؟

الآن تضيف دراسة علمية جديدة جزءًا مهمًا إلى الحكاية، بعدما كشف تحليل كيميائى لأسنان عدد من أصحاب القبر أنهم لم يكونوا جيشًا أجنبيًا جاء لغزو أثينا، ولم يكونوا فى معظمهم مهاجرين قدموا من مناطق بعيدة، فقد نشأ نحو 97% ممن خضعوا للتحليل فى المنطقة نفسها التى دُفنوا فيها، وهكذا انتقل اللغز من سؤال: “من أين جاء هؤلاء؟” إلى سؤال أكثر صعوبة: “ماذا حدث داخل أثينا حتى يُقتل هذا العدد من أبنائها معًا؟”.

صورة من المعهد السويدي في أثينا
صورة من المعهد السويدي في أثينا

 

79 رجلًا فى ثلاثة خنادق

بدأت القصة الحديثة عام 2016، خلال أعمال التنقيب فى مقبرة فاليرون أو فاليرون دلتا، الواقعة على الساحل إلى الجنوب الغربى من أثينا، بالقرب من الميناء القديم للمدينة.
وتعد فاليرون واحدة من المقابر المهمة لفهم المجتمع الأثينى القديم، فقد عُثر فيها على أكثر من ألفى دفنة، وتعود فترة استخدامها إلى ما بين العقود الأخيرة من القرن الثامن قبل الميلاد والقرن الرابع قبل الميلاد، وتنوعت طرق الدفن داخلها بين الحفر البسيطة والجرار والتوابيت الحجرية والحرق وغيرها.
وسط هذا العدد الكبير من المدافن ظهر الاكتشاف الأكثر إثارة؛ 79 هيكلًا عظميًا دُفنت داخل ثلاثة خنادق جماعية، ويرجع تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد.
كان ترتيب الموتى وحده كافيًا لإثارة الأسئلة، فعدد منهم رُتبوا فى صفوف، وبعضهم ظل مقيدًا من معصميه بقيود حديدية، كما ظهرت مجموعة أخرى بأذرع مربوطة خلف الظهر. وفي أحد الخنادق بدت طريقة سقوط الأجساد وكأن الرجال قتلوا بالقرب من المكان الذى دُفنوا فيه.

وضوح القيود
وضوح القيود

 

شباب أصحاء انتهوا فى قبر واحد

أجريت على الهياكل منذ اكتشافها دراسات أنثروبولوجية لفهم أعمار أصحابها وحالتهم الصحية والإصابات التى لحقت بهم.

وأظهرت الدراسة الميدانية التى نشرها فريق من الباحثين عام 2019 أن غالبية أصحاب الهياكل كانوا من الذكور الشباب أو صغار السن، وأن كثيرًا منهم لم يحملوا علامات واضحة على أمراض نشطة، كما كانت صحة الأسنان لديهم جيدة بوجه عام.
وتجعل هذه الصورة ظروف موتهم أكثر إثارة للأسئلة؛ فنحن أمام مجموعة من الرجال صغار السن نسبيًا، دُفنوا معًا وهم مقيدون.
ورصد الباحثون كسورًا واسعة يُرجح أن بعضها حدث فى وقت قريب من الوفاة، لكن الدراسة شددت على أن سبب الموت لم يُحدد بصورة قاطعة. وكان الدليل المباشر الوحيد المرتبط بإصابة محتملة هو رأس سهم عُثر عليه داخل منطقة الصدر لأحد الهياكل.
ولهذا فإن صورة “الإعدام الجماعى” تبدو احتمالًا قويًا بالنظر إلى طريقة الدفن والقيود وآثار العنف، بينما تبقى كيفية مقتل كل فرد من أفراد المجموعة موضع دراسة.

صورة من بعيد
صورة من بعيد

 

ماذا قالت أسنان الموتى؟

بعد سنوات من دراسة وضع الهياكل والإصابات، انتقل الباحثون إلى جزء صغير من أجساد الموتى يمكنه الاحتفاظ بمعلومة عن طفولتهم: الأسنان.
وقادت جوليان آر ستامر من مركز أبحاث الآثار الحيوية فى جامعة ولاية أريزونا دراسة جديدة اعتمدت على تحليل نظائر السترونشيوم الموجودة فى مينا الأسنان. ويستطيع هذا النوع من التحليل مساعدة الباحثين فى تحديد البيئة الجغرافية التى نشأ فيها الإنسان؛ إذ تدخل العناصر الموجودة فى الطعام والماء إلى الجسم أثناء تكوّن الأسنان وتترك بصمة كيميائية يمكن مقارنتها بالقيم المعروفة للمناطق المختلفة.
وحلل الفريق عينات تخص 66 شخصًا من أصحاب المقبرة الجماعية، وقارنها بـ97 شخصًا آخرين دُفنوا فى أجزاء مختلفة من مقبرة فاليرون.

وكانت النتيجة لافتة، فمن بين أصحاب القبر الجماعى الذين شملهم التحليل، كان نحو 97% محليين، أى أن شخصين فقط من أصل 66 ظهرت لديهما مؤشرات على أصل جغرافى مختلف. وبين المجموعة الأوسع من مقبرة فاليرون بلغت نسبة المحليين نحو 96%.
وبهذا سقط احتمال جذاب ظل مطروحًا منذ اكتشاف القبر: أن يكون الرجال مجموعة من المقاتلين الأجانب أو الغزاة الذين قبض عليهم الأثينيون ثم أعدموهم.

الحفريات
الحفريات

 

الجريمة جاءت من الداخل

تمنح النتائج الجديدة القصة اتجاهًا مختلفًا، فالرجال عاشوا على الأرجح داخل أتيكا أو فى محيطها، ثم انتهوا مقيدين داخل قبر جماعى فى المنطقة نفسها.
ويرى الباحثون أن النتائج تدعم فكرة أن العنف الذى تعرضت له المجموعة ارتبط بصراع داخل المجتمع المحلى، فى فترة عرفت تغيرات سياسية واجتماعية كبيرة، كما تشير الدراسة إلى أن الهجرة إلى أتيكا خلال العصر القديم ظلت محدودة نسبيًا على الرغم من تزايد حركة التجارة والاتصال فى عالم بحر إيجة.

وهنا يعود اسم شخص من التاريخ اليونانى القديم إلى قلب القضية: سيلون.

هل كانوا أتباع سيلون؟

سيلون أو «Cylon» أرستقراطى أثينى ورياضي فاز فى الألعاب الأولمبية القديمة، وحاول خلال القرن السابع قبل الميلاد الاستيلاء على الحكم فى أثينا.
وتضع المصادر القديمة محاولته حوالى عام 632 قبل الميلاد، فى فترة كانت المدينة تشهد خلالها توترات اجتماعية وسياسية. استعان سيلون برجال ودعم من خارج أثينا، وسيطر أتباعه على الأكروبوليس، لكن المحاولة فشلت، وتمكن سيلون من الهرب بينما بقي عدد من أنصاره محاصرين.
ولجأ أتباعه إلى أماكن مقدسة طلبًا للحماية، ثم خرجوا بعدما مُنحوا وعدًا بالأمان، قبل أن يُقتل عدد منهم، وهى الحادثة التى بقيت فى المصادر القديمة وارتبطت بما عرف بـ”العار السيلونى” أو “اللعنة السيلونية”.
وعندما اكتشف علماء الآثار المقبرة الجماعية ووجدوا أن زمنها يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، ظهر السؤال تلقائيًا: هل عثرنا أخيرًا على رجال سيلون؟

إناءان صغيران أشعلا الفرضية

ساعدت قطع فخارية عثر عليها بالقرب من الموتى على تأريخ المجموعة إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهو الزمن نفسه الذى شهد محاولة سيلون الانقلابية، ما جعل الربط بين الحدثين ممكنًا من الناحية الزمنية.
كما تتفق صورة رجال شباب مقيدين قُتلوا بعنف مع احتمال وجود أسرى أو أشخاص عوقبوا بعد صراع سياسى.

لكن علماء الآثار يتعاملون بحذر مع هذه الفرضية.
فالدراسة الأنثروبولوجية المنشورة عام 2019 أكدت أن الأدلة الميدانية الموجودة لا تستطيع إثبات أن أصحاب الهياكل كانوا ضحايا “المؤامرة السيلونية”، كما أنها لا تنفى الاحتمال.
وهذا التفريق مهم؛ فالتاريخ يقدم قصة قتل جماعى فى الفترة نفسها تقريبًا، والآثار تقدم قبرًا جماعيًا، لكن وجود الحدثين فى زمن متقارب لا يكفى وحده لاعتبارهما حدثًا واحدًا.

ثلاثة خنادق ونهايات مختلفة

وتشير طريقة الدفن نفسها إلى أن تفاصيل ما حدث ربما كانت أكثر تعقيدًا من عملية قتل واحدة بسيطة.
فى أحد الخنادق عُثر على عشرات الرجال وهم مقيدون معًا، بينما ظهر سبعة أشخاص عند طرف الخندق وأذرعهم مربوطة خلف ظهورهم. وفى خندق آخر وُجد 16 شخصًا بهذه الوضعية، أما مجموعة أخرى فظهرت بقيود حديدية حول المعصمين، وكان أحدهم يحمل سكينًا بالقرب من ساقه، بينما وجد رأس السهم فى منطقة صدر شخص آخر.

ويرى القائمون على دراسة الموقع أن وضع الأجساد فى أحد الخنادق يشير إلى احتمال قتل هؤلاء الأشخاص عند حافته أو بالقرب منه ثم سقوطهم داخله.
وتحولت المقبرة بفضل المسح الرقمى إلى نموذج ثلاثى الأبعاد، ما يسمح للباحثين بالاحتفاظ بتفاصيل وضع العظام والقيود وعلاقة كل هيكل بالآخر حتى بعد انتهاء العمل الميدانى.