محمود الجارحي يكتب: من منصة القضاء الوهمية إلى قفص الاتهام.. القاضي المزيف يعود إلى المحكمة متهمًا لا مستشارًا

محمود الجارحي يكتب: من منصة القضاء الوهمية إلى قفص الاتهام.. القاضي المزيف يعود إلى المحكمة متهمًا لا مستشارًا


محمود الجارحي يكتب: من منصة القضاء الوهمية إلى قفص الاتهام.. القاضي المزيف يعود إلى المحكمة متهمًا لا مستشارًا

في صباح الأول من سبتمبر.. لن يدخل المحكمة هذه المرة مرتديًا وشاحًا أحمر.. ولن يتقدم بخطوات واثقة نحو منصة القضاء.. ولن يناديه أحد بـ«مصطفى بيه».. ولن يحمل أحد حقيبته أمام الموظفين والزائرين..

المشهد تبدّل بالكامل..

المكان هو نفسه.. لكن الأدوار تغيرت.. المحكمة التي سبق أن استأجر داخلها إحدى القاعات.. وصنع بين جدرانها مشاهد أوهم بها الجميع أنه مستشار يفصل في الخصومات.. ستستقبله هذه المرة بصفة مختلفة تمامًا.. متهمًا يقف داخل قفص الاتهام.. ينتظر محاكمته أمام قضاة حقيقيين.. بعدما أعلنت النيابة العامة اكتمال الأدلة اليقينية.. وتوافر الأركان القانونية لإحالته وآخرين إلى المحاكمة الجنائية.. في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«المحاكمة الوهمية».. أو «القاضي المزيف».

لم يكن المتهم قاضيًا.. ولم يدرس القانون.. ولم يحمل سوى الشهادة الإعدادية.. قبل أن يعمل لسنوات داخل أحد مصانع الملابس.. ثم يتحول حلم الوجاهة الاجتماعية.. إلى واقعة انتحال صفة.. انتهت بملف جنائي مكتمل الأركان أمام النيابة العامة.

بداية الحكاية

بحسب ما ورد في اعترافاته.. فإن القصة لم تبدأ داخل أروقة المحاكم.. وإنما بدأت منذ سنوات.. عندما ترك الدراسة عقب حصوله على الشهادة الإعدادية.. والتحق بالعمل في أحد مصانع الملابس بمحافظة الجيزة.. ثم انتقل لاحقًا للعمل بالقاهرة.. وظل – بحسب أقواله – يشعر بأنه لم يحقق المكانة التي كان يتمناها..

وقال المتهم في التحقيقات.. إن لقاءه بأحد المستشارين الحقيقيين ترك داخله انبهارًا كبيرًا.. وجعله يفكر في تقليد تلك المكانة.. حتى لو كان الطريق إليها قائمًا على الخداع.. ليبدأ بعدها في رسم شخصية جديدة.. يعيش بها أمام الناس.

صناعة الوهم

اشترى بدلتين رسميتين.. واستأجر سيارة.. واصطنع بطاقات تعريف مزورة.. ثم حصل على وشاح يشبه الوشاح القضائي.. ليكتمل المشهد الذي أراد أن يصدقه الجميع.

لكن المفارقة التي كشفت زيف روايته.. أنه كان يدعي الانتماء إلى مجلس الدولة.. بينما ظهر في الصور ومقاطع الفيديو مرتديًا الوشاح الأحمر.. في حين أن قضاة مجلس الدولة يرتدون الوشاح الأخضر.. وهو ما اعتبرته التحقيقات دليلًا إضافيًا على انتحاله الصفة..

كيف دخل المحكمة؟

لم يكن دخوله إلى المحكمة وليد الصدفة.. ولم يقتحمها بالقوة.. وإنما كشفت التحقيقات أنه استعان بآخرين لتسهيل مهمته.

وأوضحت النيابة العامة.. أن ثلاثة موظفين حصلوا على مبالغ مالية مقابل السماح له بالدخول عقب انتهاء مواعيد العمل الرسمية.. واستخدام بعض القاعات والمرافق داخل المحكمة.. بما أتاح له تصوير مشاهده الوهمية.

كما أكد عامل المصعد.. في شهادته أمام النيابة.. أن المتهم كان يتردد بصورة متكررة على المحكمة.. ويستخدم المصعد المخصص للقضاة.. مستغلًا مظهره الرسمي والوشاح الذي كان يرتديه.. دون أن يثير الشبهات في البداية.

المحاكمة الوهمية

داخل إحدى القاعات.. اعتلى المتهم منصة القضاء.. ووضع أمامه ملفات قضايا حقيقية.. والتقط عشرات الصور ومقاطع الفيديو.. وكأنه يدير جلسات محاكمة فعلية.. وفي بعض المقاطع.. ظهر ممسكًا بمسدس ناري أثناء التصوير.. بينما كان أحد معاونيه يحمل حقيبته.. ويناديه أمام الحضور ب”مصطفى بيه”.. في محاولة لإضفاء مزيد من الهيبة والمصداقية على المشهد.

وبعد انتهاء التصوير.. نُشرت المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. ليظهر أمام المتابعين في صورة المستشار صاحب النفوذ.. بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.

الاعترافات

أمام النيابة العامة.. انهارت رواية المتهم.. واعترف بانتحال صفة مستشار بمجلس الدولة.. وارتداء وشاح يشبه وشاح القضاء.. واستخدام بطاقات تعريف مزورة.. وتصوير نفسه داخل المحكمة.. ثم نشر تلك المقاطع لإقناع المواطنين بأنه يشغل منصبًا قضائيًا.. كما أقر بأنه دفع مبالغ مالية لبعض العاملين.. لتسهيل دخوله المحكمة.. وأن أحد المتهمين كان يرافقه باستمرار.. ويحمل متعلقاته.. ويخاطبه أمام الجميع بلقب “مصطفى بيه”.. حتى تكتمل الحيلة.

الأدلة التي أسقطت الشبكة

لم تتوقف القضية عند حدود الاعترافات.. فقد أثبت تقرير الإدارة العامة للمساعدات الفنية.. صحة جميع الصور ومقاطع الفيديو المضبوطة داخل الهواتف المحمولة.. وأكد أنها صُورت بالفعل داخل المحكمة.. وأنها لم تتعرض لأي تلاعب أو تركيب..

كما جاءت أقوال الشهود.. وفي مقدمتهم عامل المصعد.. متطابقة مع ما انتهت إليه التحريات.. بشأن تردد المتهم على المحكمة.. واستغلاله المظهر القضائي لخداع المحيطين به.. وأسفرت التحقيقات كذلك.. عن ضبط الوشاح.. والبطاقات المزورة.. والهواتف المحمولة.. وجهاز حاسب آلي.. إلى جانب السلاح المستخدم أثناء التصوير.. لتكتمل حلقات الأدلة التي استندت إليها النيابة في قرار الإحالة.

قائمة الاتهامات

وأسندت النيابة العامة إلى المتهمين عدة اتهامات.. أبرزها.. انتحال صفة مستشار بمجلس الدولة.. والتداخل في وظيفة عمومية.. والتزوير.. واستعمال محررات مزورة.. ومخالفة أحكام الزي الرسمي.. واستعمال مظهر قضائي دون وجه حق.. وتقديم وتلقي رشوة.. لتسهيل ارتكاب الجريمة.. وحيازة سلاح ناري.. واستغلاله في تصوير المشاهد الوهمية.

المشهد الأخير

في الأول من سبتمبر.. سيعود المتهم إلى المحكمة نفسها.. التي دخلها يومًا متخفيًا في هيئة مستشار.. واستأجر إحدى قاعاتها.. ليلتقط صورًا أراد بها صناعة مجد زائف.

سيعبر الممرات ذاتها.. ويرى القاعة نفسها.. لكن دون وشاح.. ودون مرافق يناديه بـ«مصطفى بيه».. ودون كاميرات توثق مشاهد البطولة الوهمية.. هذه المرة.. لن يجلس على منصة القضاء.. بل سيقف أمامها.. متهمًا ينتظر كلمة العدالة.. في القضية التي بدأت بحلم زائف.. وانتهت بملف جنائي.. ومحاكمة داخل المحكمة نفسها.. التي أراد يومًا أن يقنع الجميع بأنها مملكته.

ر

محمود الجارحي يكتب: من منصة القضاء الوهمية إلى قفص الاتهام.. القاضي المزيف يعود إلى المحكمة متهمًا لا مستشارًا