مروى جوهر: رواية يحدث ليلًا لم تكن عادية ورافقتها أحداث غريبة
محمود الجعيدي يكشف أسرارًا مرعبة أثناء الكتابة من الطلاسم إلى الصوت المجهول
إسراء حمدي: أعيش مشاهد الرعب قبل أن أنقلها إلى القارئ
عمرو المنوفي: الجاثوم طاردني وشعرت وكأن هناك من يملي عليّ الأحداث
ماذا لو لم يبقَ الرعب حبيس صفحات الرواية؟ ماذا لو خرجت بعض تفاصيل الحكاية من الخيال لتظهر أمام كاتبها في لحظة كتابة، أو تحولت الغرفة الهادئة إلى مسرح لمشهد لم يكن موجودًا في النص؟.. لا يكتب كاتب الرعب عن الخوف من موقع المتفرج دائمًا؛ ففي كثير من الأحيان، يكون هو أول من يدفع ثمن الاقتراب من العالم الذي يصنعه على الورق، وبينما تبدو الشخصيات والأحداث والظواهر الخارقة مجرد خيال أدبي، يروي عدد من كتاب الرعب تجارب ومواقف غريبة تزامنت مع كتابة أعمالهم، وجعلتهم يتوقفون للحظات أمام سؤال يصعب حسمه: هل كانت مجرد مصادفات، أم أن الاندماج الكامل في عالم الرواية يمكن أن يجعل الخيال أكثر حضورًا من اللازم؟
من أصوات سمعها أصحابها دون أن يعرفوا مصدرها، إلى ظلال ظهرت خلفهم، وطلاسم أعقبها شعور بالخوف، وأعطال ومفارقات صاحبت بعض الأعمال حتى لحظة صدورها، تكشف شهادات هؤلاء الكتاب جانبًا آخر من تجربة كتابة أدب الرعب، جانبًا لا يظهر للقارئ عادةً، لكنه يضع الكاتب نفسه في مواجهة مباشرة مع المشاهد التي ابتكرها، ووفي الوقت الذي لا يمكن فيه التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها ظواهر خارقة مثبتة، فإن أصحابها يؤكدون أنهم عاشوها بالفعل، وأن بعضها ترك أثرًا واضحًا على طريقتهم في الكتابة وتعاملهم مع عالم الرعب.
مروى جوهر: “يحدث ليلًا” لم تكن رواية عادية.. رافقتها أحداث غريبة حتى صدورها
تقول الكتابة الروائية مروى جوهر إن علاقتها بأدب الرعب بدأت منذ سنوات طويلة، فقد كانت دائمًا شغوفة بأفلام الرعب والقراءة في عالم التشويق والماورائيات، حتى أصبح من الطبيعي أن تجد نفسها في النهاية داخل مشروع كاتبة متخصصة في هذا النوع الأدبي، وعلقت قائلة: “قرأت كثيرًا عن أن محبي أدب الرعب قد يكونون شخصيات سيكوباتية، لكنني لا أبالي بهذه الآراء، لأن من يكتبون تلك الدراسات لن يفهموا أبدًا ذلك الشعور المختلف الذي نعيشه عندما نختبئ داخل عالم رواية مرعبة، ونأخذ استراحة من الواقع والحياة”.
وترى مروى أن الكتابة كانت دائمًا ملاذًا لها، قائلة: “تنقذني الكتابة من نفسي ومن الحياة، لكن السؤال الذي يراودني دائمًا: هل تستطيع إنقاذي مما أواجهه أحيانًا من أحداث غريبة وغير مفسرة أثناء كتابة أدب الرعب؟”.

يحدث ليلا فى الغرف المغلقة
وتوضح أنها تؤمن بوجود بعض الأمور الماورائية التي قد تحدث دون تفسير واضح، مشيرة إلى أن الكتابة ربما تكون محاولة منها لفهم تلك الظواهر، ثم تضيف: “حتى لو لم يجد العقل تفسيرًا لها، يكفينا أننا نستمتع بالحكاية”، وتروي إحدى أكثر التجارب غرابة التي مرت بها أثناء كتابة رواية “يحدث ليلًا في الغرفة المغلقة”، قائلة: “في بداياتي كنت أكتب ليلًا فقط، وأثناء العمل على الرواية كتبت مشهدًا عن الإضاءة، وفجأة بدأت إضاءة الغرفة ترتعش وتتذبذب بطريقة غريبة، ظننت في البداية أن المصباح على وشك الاحتراق، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، فقد ازداد الضوء قوة بشكل غير طبيعي”.
وتتابع: “حاولت إقناع نفسي بأنني أتوهم، حتى رأيت مفتاح الإضاءة المستدير يتحرك من تلقاء نفسه، وتنخفض الإضاءة تمامًا، ثم تعود لتزداد قوة بشكل مخيف، عندها قررت ألا أكتب رواية “يحدث ليلًا” في الليل مرة أخرى، وأصبحت أغلق الحاسوب مع حلول المغرب، وهو ما جعل إنجازها يستغرق ثلاث سنوات ونصف”.
وتضيف مروى: “بعد أن انتهيت من الرواية فوجئت باختفائها بالكامل من الحاسوب، وكدت أنهار لأنني شعرت أن ثلاث سنوات ونصف من عمري ضاعت، لكن أحد أصدقائي تمكن من استعادتها باستخدام برنامج خاص، مؤكدًا أن سلسلة المفاجآت لم تتوقف عند ذلك، قائلة: “أثناء التدقيق اللغوي انفجر شاحن حاسوب المراجع، ثم توقفت المطبعة أثناء طباعة الرواية، والغريب أنه عندما حاولوا طباعة روايات أخرى لم يحدث أي عطل، لكنها كانت تتوقف مجددًا مع رواية (يحدث ليلًا)”.
وتعترف مروى بأن اندماجها مع شخصيات الرواية كان مرهقًا للغاية، موضحة: “توحّدت مع شخصيات العمل بدرجة أرهقتني نفسيًا وجسديًا، حتى إنني فقدت الوعي بعد الانتهاء من الرواية بساعات قليلة، وبقيت عدة أيام في العناية المركزة حتى تعافيت”.
وتختتم حديثها مؤكدة أن هذه ليست سوى بعض المواقف التي صاحبت رحلتها مع الكتابة، قائلة إن لكل رواية كتبتها ذكريات خاصة وتجارب غريبة يمكن أن تُروى في حكاية مستقلة.
.jpg)
مروى جوهر
من الطلاسم إلى الصوت المجهول.. محمود الجعيدي يكشف أسرارًا مرعبة أثناء الكتابة
يقول الكاتب محمود الجعيدي: “لديّ موقفان حدثا معي أثناء الكتابة، وما زلت أتذكر تفاصيلهما، فقد تركا لديّ شعورًا غريبًا وجعلاني أكثر حذرًا عند التعامل مع بعض العناصر داخل أعمال الرعب”.
ويروي عن الموقف الأول قائلًا: “كنت أكتب إحدى قصص الرعب، وأردت أن أضيف إليها طلسماً للتحضير، فبدأت أبحث عبر الإنترنت عن نماذج للطلاسم وطريقة كتابتها، حتى وجدت أحدها واخترته لأضعه داخل القصة”.
ويتابع: “بعد أن أغلقت القصة وخرجت، كنت أقود سيارتي ليلًا، وفجأة انفتح الباب المجاور لي بطريقة مفاجئة، وشعرت وكأن يدًا باردة أمسكت بكتفي وسحبتني إلى الخارج، وكأنني على وشك السقوط من السيارة. كان الأمر غريبًا ومخيفًا، خصوصًا أن فتح الباب حدث دون سبب واضح”.
ويضيف: “شعرت وقتها بأن ما حدث كان بمثابة إنذار أو رسالة ما، لذلك عدت إلى القصة وحذفت الطلسم الذي نقلته، وقررت بعدها ألا أستخدم أي طلاسم أو تعاويذ حقيقية في كتاباتي، وأن تكون كل التفاصيل من نسج الخيال”.
أما عن الموقف الثاني، فيروي: “كنت أسهر ذات ليلة وأكتب جزءًا من إحدى الروايات، ثم قررت دخول الحمام، وعندما وصلت وجدت الباب مغلقًا لكنه لم يكن محكمًا، فسألت: هل يوجد أحد بالداخل؟ فجاءني صوت ابني الأكبر قائلًا: نعم، أنا بالداخل”.
ويستكمل: “عدت وجلست في الصالة أنتظر خروجه، لكن الوقت طال، وبعد نحو ربع ساعة ناديت عليه فلم يجب، وبعدها فوجئت بابني يخرج من غرفته، فسألته: متى خرجت؟ فأخبرني أنه لم يدخل الحمام من الأساس”.
ويتابع: “كنت متأكدًا أنني سمعت صوته وتحدثت معه، لكنه أكد لي أنه لم يكن هناك، وعندما عدت إلى الحمام وجدته كما تركته تمامًا، لكن ظل السؤال قائمًا: من الذي أجابني في ذلك الوقت؟”.

محمود الجعيدي
إسراء حمدي: أعيش مشاهد الرعب قبل أن أنقلها إلى القارئ
تقول الكاتبة والمترجمة إسراء حمدي إن شغفها بأدب الرعب لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تجارب شخصية عايشتها بنفسها، وتوضح: “تعرضت بشكل شخصي لمواقف حقيقية مرعبة، كما عاصرت تجربة إحدى أقرب صديقاتي التي عانت لسنوات من حالة تلبس، وشهدت تفاصيلها ورأيت فيها أهوالًا لم أتوقع أن أراها إلا في الأفلام”.
وتستعيد أحد أكثر المواقف غرابة التي واجهتها أثناء الكتابة، قائلة: “أثناء كتابتي لإحدى الفقرات التي تضمنت تعويذة، انطفأت شاشة اللاب توب فجأة، وعندما انعكست صورتي على الشاشة رأيت ظلًا أسود يقف خلفي، لكن عندما التفت لم أجد أحدًا، تكرر الأمر أكثر من مرة في الليلة نفسها، إلى جانب مواقف أخرى شعرت معها وكأنها رسائل صريحة تدعوني إلى التوقف عن الكتابة”.
وتؤكد إسراء حمدي أن الخوف جزء أساسي من تجربة كاتب الرعب، قائلة: “كاتب الرعب هو أول من يخاف، بل يجب أن يخاف، لأنه لن يستطيع نقل مشاعر الرهبة إلى القارئ ما لم يعشها بنفسه أثناء الكتابة”، مضيفة: “أنا بطبعي شديدة الخوف، خاصة بعد التجارب التي مررت بها، وعندما أكتب مشاهد الرعب ليلًا، أجد نفسي ألتفت باستمرار إلى الأبواب والنوافذ وزوايا الغرفة، وأراقب كل شيء حولي، وأحيانًا تتحول التفاصيل العادية في مخيلتي إلى مشاهد مرعبة، وفي بعض الأحيان أقرر تأجيل استكمال الكتابة إلى الصباح”.
كما تشير إلى أن اندماجها الكامل مع شخصيات أعمالها يترك أثرًا نفسيًا عليها، موضحة: “أتقمص شخصيات أبطالي، سواء الجاني أو المجني عليه، وأعيش أجواء العمل بكل تفاصيلها، وهو ما يضعني تحت ضغط عصبي ونفسي قد يستمر حتى بعد الانتهاء من الكتابة.

الكاتبة والمترجمة إسراء حمدي
عمرو المنوفي.. الجاثوم طاردني وشعرت وكأن هناك من يملي عليّ الأحداث
يقول الكاتب الروائي عمرو المنوفي أثناء كتابتي لبعض رواياتي في مجال أدب الرعب، حدثت بعض الظواهر والمواقف الماورائية الغريبة التي شعرت أنها ترتبط بشكل ما بنوعية الكتابة التي أقدمها، بل إن بعضها امتد أثره ليصل إلى بعض القراء.
أثناء كتابتي لرواية “عزيف”، والتي كنت أستند فيها إلى معرفتي السابقة بدجال قام بدوره “الشيخ ياسين”، كنت أشعر بأن هناك شيئًا ما يحاول منعي من الكتابة عن تلك الشخصية، حتى لو كان ذلك باستخدام اسم مستعار، ووصل الأمر إلى درجة التشتيت الشديد، بل وإلى النسيان، وكأن هناك قوة خفية تحاول إبعادي عن كشف تفاصيلها.
وفي أحد الأيام، عندما صممت على إنهاء كافة تفاصيل الشخصية والحديث عن سرها، هاجمني الجاثوم أثناء الليل، ذلك الكائن المخيف الذي جثم على صدري وأيقظني مفزوعًا من نومي، بل وإنني رأيت تجسدًا له أمامي، قبل ان يتوارى في الظلام، كانت تجربة عصيبة جعلتني أؤمن بأن هناك رابطًا ما بين عالمنا وهذا العالم الغامض الذي طالما كتبت عنه.
.jpg)
عمرو المنوفي
بعد ذلك أخبرني بعض القراء أن الرواية نفسها كانت تظهر وتختفي لديهم بشكل غريب، وهو أمر زاد من غرابة التجربة.
وذات يوم قابلت إحدى الكاتبات التي كانت تعتقد أنها ممسوسة، ولكي تؤكد لي ذلك أخبرتني أن الجن الذي يتلبسها، وبعد أن قرأت رواية “عزيف” واطّلع من خلالها على تفاصيلها، أخبرها أنه لولا أنني لم أذكر أسماء الجن وملوكهم السرية، لظنوا أنني على اتصال بعالمهم، وأنني قمت بزيارة عالمهم السفلي بنفسي.
أما مع روايتي الأشهر والأقرب إلى القراء، “شمس المعارف”، فقد كان عليّ أن أتعمق في عالم الكتاب المحظور داخل الرواية، ذلك العالم السري والمظلم والشائك، وأن أقرأ نصوصًا وتجارب، وتعاويذ، وتفاصيل مرتبطة به، بل وأن أستعين بملخص أكاديمي عن الكتاب داخل الرواية، خلال هذه الفترة شعرت بحضور مخيف وسوء حظ متكرر، ومع إحساس خانق كان هناك شيء خفي يحاول دفعي إلى الابتعاد عن هذه المنطقة المحظورة والمحرمة.
أما الظواهر الأخرى الغريبة، فكان منها انطفاء الكهرباء أثناء كتابة مشاهد محورية تعتمد على أحداث حقيقية، أو اختفاء الملف بالكامل أو حذفه، وكان الشعور الأكثر رعبًا أثناء كتابتي لرواية “لقاء مع ميت”، أنني شعرت وكأن هناك من يملي عليّ بعض الأحداث، خصوصًا عند دخولي في تفاصيل زيارة عالم الجن.
ورغم أنني من هادمي الأساطير، ومن الذين يحاولون دائمًا البحث عن الحقيقة خلف الحكايات، فإن ما عاصرته وخبرته من مواقف ماورائية عزز لدي الإيمان بأن عوالمنا قد تكون متصلة بشكل أو بآخر، وأن بعض البشر ربما يكونون أكثر شفافية من غيرهم، وأكثر قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.
وفي النهاية، يبقى القلم بالنسبة لي وسيلة الاتصال السحرية بين العوالم، بوابة أعبر من خلالها إلى مناطق مجهولة ومحظورة ومحرمة، مناطق لا أعرف دائمًا إن كنت أنا من يكتب عنها، أم أنها هي التي تجد طريقها إليّ.

تعليقات