كيف استُدرج شاب نيجيري فقير إلى لندن ليصبح ضحية لأخطر قضية اتجار بالأعضاء في بريطانيا؟
كيف استُدرج شاب نيجيري فقير إلى لندن ليصبح ضحية لأخطر قضية اتجار بالأعضاء في بريطانيا؟
في واحدة من أكثر قضايا الاتجار بالأعضاء إثارة للجدل، كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية، تفاصيل مؤامرة استهدفت شابًا نيجيريًا فقيرًا، استُدرج إلى المملكة المتحدة بوعد العمل والحياة الجديدة، قبل أن يكتشف أنه نُقل ليكون متبرعًا بكليته لابنة سياسي نيجيري بارز، وانتهت القضية بأول إدانة في بريطانيا بتهمة الاتجار بالبشر بغرض استئصال الأعضاء بموجب قانون العبودية الحديثة.
بداية القصة.. حلم الهجرة
بدأت القصة مع دانيال، وهو شاب نيجيري نشأ في قرية فقيرة بولاية إيبوني، وكان أكبر تسعة أشقاء، اضطر إلى ترك الدراسة والعمل منذ صغره بعدما مرض والده، ثم انتقل إلى مدينة لاجوس عام 2016 بحثًا عن فرصة أفضل، حيث كان يعمل في سوق «إيكوتون» بائعًا لإكسسوارات الهواتف، مقابل دخل يومي لا يتجاوز عشرة جنيهات إسترلينية.
وكان حلمه، مثل آلاف الشباب النيجيريين، السفر إلى أوروبا فيما يعرف محليًا بمصطلح «جابا»، الذي يعني الهروب من البلاد بحثًا عن حياة أفضل.
العرض الذي غيّر حياته
تغير كل شيء عندما اختفى صديقه واسمه «بن» من السوق، ثم عاد بعد أشهر ليخبره بأنه يعيش في لندن، وبعد فترة قصيرة، تواصل مع دانيال طبيب أشعة نيجيري يدعى أوبينا أوبيتا، وعرض عليه السفر إلى بريطانيا مع توفير السكن والعمل.
أبلغه «أوبيتا» بأن عليه أولًا السفر إلى العاصمة أبوجا لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وهو ما اعتقد الشاب أنه جزء طبيعي من إجراءات الحصول على التأشيرة، دون أن يعلم أن الهدف الحقيقي منها كان التأكد من توافق كليته مع مريضة تنتظر عملية زرع.
شبكة يقودها طبيب
لم يكن «أوبيتا» مجرد وسيط، بل كان طبيب أشعة يعيش في لندن، وخضع قبل أشهر لعملية زرع كلية من خلال الشبكة نفسها، وكشفت المحاكمة أن المتبرع له كان «بن»، صديق «دانيال»، بعدما زعم «أوبيتا» كذبًا أنه ابن عمه حتى يتمكن من إجراء العملية.
ابنة سياسي نافذ
كانت الكلية مطلوبة لصالح سونيا إيكويريمادو، ابنة السياسي النيجيري البارز والنائب السابق لرئيس مجلس الشيوخ، التي كانت تعاني مرضًا خطيرًا في الكلى وتحتاج إلى عملية زرع عاجلة.
وبسبب القوانين البريطانية التي تمنع بيع الأعضاء، كان لا بد من تقديم المتبرع باعتباره قريبًا للمريضة، وأن التبرع يتم طواعية ومن دون أي مقابل مادي.
من حلم بالعمل إلى خادم داخل المنزل
وصل «دانيال» إلى لندن معتقدًا أنه سيبدأ حياة جديدة، لكنه فوجئ بسحب جواز سفره، وحرمانه من المال والعمل، وإجباره على القيام بالأعمال المنزلية من تنظيف وغسيل وطهي، بينما ظل معتمدًا بالكامل على أوبيتا في الطعام والإقامة، في وضع أشبه بالاحتجاز.
تزوير شامل للأوراق.. وتدريب على الكذب
ولإتمام العملية، زُورت مستندات التأشيرة بالكامل، وجاء في الأوراق أن «سونيا» ابنة عم دانيال، وأن «أوبيتا» عمه، وأنه يرغب في التبرع بكليته تقديرًا لها ومستعد للتضحية بحياته من أجلها، لكن الشاب لم يكن قد قرأ تلك الأوراق أصلًا، ولم يكن يعلم أنها كُتبت باسمه.
قبل اصطحابه إلى المستشفى، تلقى دانيال تعليمات دقيقة بشأن ما يجب أن يقوله، فإذا سأله الطبيب عن «سونيا»، عليه أن يقول إنها ابنة عمه، وإذا سُئل عن سبب التبرع، فعليه أن يؤكد أنه يفعل ذلك بدافع المحبة، وأنه لن يحصل على أي مقابل مالي، بل إن أفراد الشبكة دفعوا أموالًا لشخص تولى تدريبه على كيفية اجتياز المقابلات الطبية.
الطبيب الذي كشف المؤامرة
كانت نقطة التحول عندما التقى «دانيال» منفردًا باستشاري أمراض الكلى في مستشفى رويال فري، شرح الطبيب له مخاطر العملية، واحتمالات النزيف والوفاة والفشل الكلوي، ثم لاحظ أن الشاب لا يبدو مدركًا لما ينتظره.
وعندما سأله مباشرة إن كان يريد التبرع بكليته، أجاب دانيال بالنفي، مؤكدًا أنه لم يكن يعلم شيئًا عن عملية الزرع، وقال للطبيب: «جسدي ليس للبيع»، عندها قرر المستشفى إيقاف إجراءات الزراعة بالكامل.
بعد فشل الخطة، غضب «أوبيتا» وهدد «دانيال»، ثم عرض عليه مبلغ 1.2 مليون نايرا، أي نحو ألفي جنيه إسترليني آنذاك، مقابل الموافقة على إجراء العملية، وهو ما اعتُبر لاحقًا أحد أبرز الأدلة على وجود مقابل مادي، وبالتالي وقوع جريمة اتجار بالأعضاء.
ظل «دانيال» محتجزًا داخل المنزل، ثم أُبلغ بأنه سيعود إلى نيجيريا، لكنه خشي أن يجبر هناك على استكمال العملية، فهرب من مطار هيثرو، وعاش ثلاثة أيام في الشوارع قبل أن يتوجه إلى الشرطة البريطانية، ورغم أنه قدّم بعض المعلومات غير الدقيقة خوفًا من الترحيل، فإن روايته كانت بداية التحقيق الذي كشف المؤامرة.
البحث عن ضحية جديدة
لم تتوقف المحاولات عند فشل خطة «دانيال»، فقد كشفت رسائل عُرضت أمام المحكمة أن عائلة إيكويريمادو بدأت بالفعل البحث عن متبرعين جدد، وكانت تناقش صور المرشحين وتفاضل بينهم لاختيار الشخص المناسب لإجراء العملية.
ألقت السلطات البريطانية القبض على الأب والأم والطبيب «أوبيتا»، إضافة إلى «سونيا»، ووجهت إليهم اتهامات بالاتجار بالبشر بغرض استئصال الأعضاء.
وخلال المحاكمة، دفع المتهمون بأن «دانيال» وافق على التبرع بإرادته، إلا أن الادعاء أثبت وجود سلسلة من عمليات التزوير، شملت اختلاق صلة قرابة غير حقيقية، وتقديم معلومات كاذبة للسلطات، وتلقين الضحية إجابات محددة، واحتجاز جواز سفره، واستغلال ظروفه الاقتصادية الصعبة.
واعتبرت المحكمة أن ما حدث لا يمكن اعتباره تبرعًا طوعيًا، بل يمثل استغلالًا واضحًا لشخص ضعيف وقع ضحية للخداع.
في مارس 2023، أصدرت المحكمة أحكامها، فقضت بسجن الأب تسع سنوات وثمانية أشهر، والأم أربع سنوات ونصف، والطبيب أوبيتا عشر سنوات، بينما بُرئت سونيا لعدم كفاية الأدلة على مشاركتها الجنائية في المؤامرة.
وتعد القضية أول إدانة ناجحة في المملكة المتحدة بتهمة الاتجار بالأعضاء بموجب قانون العبودية الحديثة.
أين أصبح دانيال؟
بعد انتهاء المحاكمة، وضعت السلطات البريطانية دانيال تحت الحماية، وانقطعت أخباره حتى عن أسرته في نيجيريا، وبعد سنوات، تواصل مع أحد أصدقائه، وأخبره أنه يواصل دراسته ويحاول بدء حياة جديدة، لكنه لا يزال يخشى العودة إلى بلاده بسبب نفوذ المتورطين في القضية.


تعليقات