الحلَّاج يُصلب من جديد رواية يكتبها خالد دومة
1
لا أزال أذكر تلك الليلة التي انحفرت في قلبي قبل أن تنحفر في ذاكرتي. ما زال صداها يتردد في عقلي، وفي جوانب نفسي، كأنها حدثت بالأمس.
كان الشتاء قد اشتد، وكانت الرياح تعصف خارج المنزل، ترتطم بالأشجار فتزيد خوفنا، وتجعلنا نتأكد بين الحين والآخر من إحكام إغلاق الباب. كنا نخشى أن يستغل اللصوص ليلة كهذه؛ فالطرق خالية من البشر والدواب، ولا شيء يمنعهم من تسلق البيوت وسرقتها. ودائمًا ما كان اللصوص في حياتنا يتخذون أشكالًا كثيرة، غير أن أخطرهم أولئك الذين يحملون السلاح، إذ لا يسرقون المال وحده، بل قد يسرقون الحياة أيضًا.
سمعت حركة أمي وهي تنتقل بين حجرات البيت. ظننتها، كعادتها، تطمئن على البهائم خوفًا من سرقتها، فهي وأبي كانا يحرصان على أن تبقى الحركة في البيت قائمة، حتى يظن من يراقبه أن أهله لا يزالون يقظين. لكن خطواتها في تلك الليلة لم تكن مألوفة. سمعت أنينًا خافتًا، غير أن النوم كان يغلبني، فلم أنهض لأرى ما يحدث.
بعد قليل سمعت خطواتها الهادئة التي أعرفها جيدًا، لكنها هذه المرة كانت سريعة، مترددة، تحمل شيئًا من الاضطراب. فتحت باب حجرتي برفق، وتقدمت نحوي خطوة… ثم ثانية… ثم ثالثة، حتى وقفت عند رأسي.
كنت أختبئ تحت الغطاء طلبًا للدفء، فلم ألتفت إليها. رفعت طرف الغطاء وهمست في أذني: ـ «حسين… يا حسين” حتى صوتها، الذي طالما عرفته، لم يكن كما اعتدت. كان مرتبكًا، مرتعشًا. التفت إليها في كسل، وتمطيت وأنا أشد الغطاء إلى جسدي، وقلت: «ما بك يا أمي؟ دعيني أنام.
قالت بصوت خافت: قم يا بني… إن أباك تعبان. قلت: وما به؟ قالت: تعال معي.
قمت معها، لا لأن أبي مريض؛ فقد كان هذا يحدث بين حين وآخر، وكانت أمي تعد له كوبًا من النعناع المغلي، فيهدأ وينام، ثم يستيقظ قبل الفجر كعادته ليصلي.
لكن الذي أقلقني تلك الليلة لم يكن مرض أبي، وإنما صوت أمي وخطواتها؛ لم يكونا كما عهدتهما. وقفت بجوار سريره، وقلت: إنه نائم يا أمي… دعيه ولا توقظيه.
وضعت يدها على جبينه، ثم قالت إنه بارد. لم أفهم. كان الشتاء قارسًا، وكل شيء باردًا. نظرت إليّ نظرة لم أفهمها، أكانت شفقة أم دهشة من جهلي؟ ثم قالت: اذهب إلى أخيك، وناده. كان أخي يبيت في البيت المجاور، وهو أيضًا من بيوتنا.
خرجت أمي معي، وطرقنا الباب حتى استيقظ. ارتدى ثيابه في سرعة، ثم دخلنا جميعًا إلى حجرة أبي. ما إن نظر إليه حتى أدرك الحقيقة، أخرجني أنا وأمي من الغرفة، وجلس عند رأس أبي، وأمسك بالمصحف، وبدأ يتلو آيات القرآن.
أخذت أمي تبكي: سألتها ما بك يا أمي؟ قالت وهي تحاول أن تخفي دموعها: لا شيء يا بني… لا شيء. لكنني في تلك اللحظة فهمت، عرفت لماذا اختلف صوتها… ولماذا كانت خطواتها مضطربة، لقد مات أبي.
في الليلة السابقة كنا جميعًا نجلس حول مائدة العشاء؛ أبي، وأمي، وأخي، وزوجته، وأختي، وأنا. كان أبي يحكي لنا، ضاحكًا، كيف رأى حمار جارنا، وبعد أن حمله صاحبه بالبرسيم وركب فوق الحمل، أعلن الحمار العصيان، وأخذ يضرب الهواء بحوافره، فسقط الرجل على الأرض مذعورًا، بينما أخذ الحمار ينظر إليه كأنه يعاتبه.
ضحكنا جميعًا حتى امتلأت أفواهنا بالضحك، وعيوننا بالرضا أما الآن… فلن يجلس أبي مرة أخرى في صدر المائدة، لن يحكي لنا مواقف اعتاد ان يسردها علينا، كانت سعادته كبيرة حين يرى الضحكات، تشق وجوهنا المتجمدة فتمنحها الحياة، ولن يملأ البيت مرة أخرى بصوته الرخيم.
استأذنت أمي أن أدخل إليه. أومأت برأسها. كان أخي يقرأ القرآن عند رأسه، بينما كان أبي ممددًا على السرير، كأنه نائم لكن صدره لم يعد يرتفع. ولم يعد نفس يتردد فيه، همست عند أذنيه: أبي… فلم يجب. وضعت يدي على جبينه في رهبة. كان باردًا، أغمض عينيه إلى الأبد وللحظة راودتني فكرة طفولية. لعله سيستيقظ بعد قليل حين يحين موعد صلاة الفجر. سيقوم من فراشه، فتدب الحركة في البيت، ويردد التكبير والتسبيح وهو يتوضأ. ثم يحمل عصاه التي طالما اتكأ عليها، ويتجه إلى المسجد، يفتحه، ويشغل إذاعة القرآن الكريم، وينصت إلى قرآن الفجر والتواشيح، ثم يرفع الأذان بصوته الذي ألفناه سنوات طويلة. كانت تلك الطقوس جزءًا من حياته… وانقطعت كلها في ليلة واحدة،.
كانت تلك أول مرة أقف فيها أمام إنسان فارق الحياة، لم أعرف ماذا أفعل، وقفت كأنني تمثال لا يشعر، دخلت أمي، وأخذت بيدي، وأخرجتني من الغرفة، وبدأ أسئلة تجوب عقلي لم أعرف لها جوابًا. كيف يتحول الجسد الذي كان بالأمس ينبض بالحياة إلى هذا السكون؟ كيف تتوقف الدماء عن الجريان؟ كيف تخمد اليد التي كانت تحملنا، فلا تقوى على رفع شيء؟ كيف يعيد الموت تشكيل الإنسان في لحظة؟ وكم هو بعيد ذلك الفارق بين الحياة والموت.
مرت أيام العزاء ونحن في ذهول من انفسنا أو انتابتنا لحظات سكر لا ندري كيف مرت وعلى أي شيء مضت، ثم انفض الناس، وعادت البيوت إلى هدوئها جلسنا إلى مائدة الطعام لأول مرة بعد رحيل أبي كان مكانه خاليًا لكن الفراغ الذي تركه كان أكبر من حيز مكان محدود، فقد كنا نشعر دائمًا أننا ندور في فلكه، وأن حضوره يجمعنا، حتى إذا غاب ليلة عند أحد أقاربه أو أصدقائه، بقيت روحه تملأ المكان أما هذه المرة، فقد غاب هو، وغابت معه الطمأنينة، حتى البيت نفسه بدا وكأنه فقد شيئًا من روحه. لون الجدران..ترتيب الغرف.. زوايا البيت، الأركان… كلها صارت أكثر هشاشة.
لم يكن أبي مريضًا مرضًا طويلًا، بل كان في تلك الليلة من أنشط أيامه، ولعلها رحمة الله به؛ فقد رحل دون أن يتعذب كان طيب القلب، نقي السريرة، محبًا للناس، لا يحمل في قلبه حقدًا على أحد ولو طال به المرض، لتألمنا لألمه لذلك رضينا بقضاء الله، وإن كان الفراق موجعًا فالمرض يذبل الإنسان أمام أحبته، أما هو فقد رحل دفعة واحدة، كأنه أغلق باب الحياة في لحظة واحدة ظننت يومها أن الحياة ستتوقف لكنها لم تفعل. مرت الأيام وعاد البيت يتنفس من جديد ورأيت أمي، التي حسبت أنها لن تفيق من حزنها، تبتسم، وتأكل، وترعى أحفادها أدركت أن الحياة تمضي، وأن الزمن يرمم ما يهدمه الفقد، حتى وإن بقي في القلب جرح لا يندمل.
لكنني لم أنس أبي ما زلت أراه جالسًا معنا في ليلته الأخيرة، يضحك ويحكي، ثم أراه بعدها بساعات ممددًا في هدوء لا يشبه النوم وكم حلمت به بعد رحيله كان يقف أمامي، يحدثني، فأظن أنه لم يمت، وأنه سيعود ليجلس بيننا من جديد ثم أستيقظ، فأدرك أن الراحلين لا يعودون، بعد موته فقط اكتشفت أننا لم نكن نعرفه كما ظننا، وكنا نحبه حبا عظيما دون أن ندري، كان يحمل عنا من الأعباء ما لم نشعر به وكنا مهما كبرنا، أطفالًا في حضوره فلما رحل، شعرنا جميعًا أننا كهول وعجائز، ورغم أن الحياة عادت تسير كما كانت، بقي في أعماقنا حزن صامت، وجرح غائر لا يراه أحد، جرح نحمله معنا، ونخفيه حتى عن أقرب الناس إلينا.
2
بعد أسابيع من موت أبي، كنت أخرج أحيانًا أتمشى بين المساحات الخضراء والحقول المترامية، ألتمس هواءً ينعش الصدر ويغسل شعور الحزن والضيق. كان عقلي لا يفارق فكرة الموت، وكانت صورة أبي تطارد ذاكرتي، وتهمس إلى قلبي بأشياء لم تخطر لي على بال من قبل.
كان موته حدًّا فاصلًا في حياتي، كأنه بداية تاريخ جديد لنفس كانت تسكنني ولكني لم أعرفها من قبل. أخذتني قدماي إلى طرق لم أعتدها، مستجيبًا لصوت داخلي لا أعرف مصدره، لكنه كان يلح عليَّ أن أتبع أثره.
وفي نهاية أحد تلك الطرق، عند مجرى ماء جارٍ على أطراف القرية، جلست أتأمله وهو يشق طريقه نحو مصير مجهول. ولعله مجهول بالنسبة إليه أيضًا، فلا يدري أين ستكون نهايته، كما لا أدري أنا إلى أين تمضي بي الحياة. غير أن للماء مستقرًا لا بد أن يبلغه، أما أنا فلا أعلم ما يكون من أمري. كانت الطرق تمتد تحت قدمي، ثم تنتهي فجأة، بينما كانت المسافات داخل عقلي تتسع وتتفرع كلما واصلت السير.
كانت الشمس أمامي توشك أن تودع النهار. تعكس المياه أشعتها الحمراء تسقط على عيني كلون الدم، وكأنها تنزف ببطء. ولا أدري لماذا خُيِّل إليَّ أنها قد تموت كما مات أبي، تنطفئ ثم تتعفن خلف الجبال البعيدة، لتصبح جثة هامدة تنهشها الهوام، وتنتشر رائحتها في الكون معلنة خبر رحيلها. وتساءلت هل ستبكي النجوم الأخرى موتها؟ وهل سيرتجف الكون لغيابها؟ يا له من خيال سقيم! أأصاب عقلي شيء وأنا أهيم في هذا الشرود؟ وفجأة انتزعني من شرودي صوتٌ قادم من بعيد. تقدمت نحوه بحذر؛ فلليل رهبة، وكانت الشمس قد أوشكت على الغياب.
وبعد خطوات متأنية يملئها الحذر، وشيء من الخوف، رأيت دخانًا كثيفًا تفوح منه رائحة البخور. اتجهت نحوه حتى وصلت إلى كوخ، بابه مغلق، ونافذته مفتوحة يتصاعد منها الدخان. نظرت من النافذة، فإذا برجال يتحلقون في دائرة، تعلو أصواتهم بالذكر “الله حي”، وأجسادهم تهتز في انسجام، وأعينهم مغمضة، كأن أرواحهم انفصلت عن أجسادهم.
لمحني شيخ مهيب الطلعة، تنبعث من ملامحه طمأنينة غريبة. كان وجهه أبيض تعلوه حمرة خفيفة، وعلى شفتيه ابتسامة هادئة. أشار إليَّ أن أدخل.
فتحت الباب ببطء، ودخلت. لم يلتفت إليَّ أحد، كأنهم جميعًا في عالم آخر. أشار الشيخ أن أجلس إلى جواره، فجلست. لم ينطق بكلمة، ولم ينقطع لسانه عن الذكر. كانت السكينة تتسلل إلى صدري شيئًا فشيئًا.
نظر إليَّ، ثم أغمض عينيه، ومسح على رأسي وهو يتمتم بكلمات لم أفهمها، لكني شعرت بأثرها يبدد خوفي وارتجافي. وبعد قليل، أحضروا إليَّ طعامًا. كنت قد نسيت الجوع، فمنذ الصباح لم أذق شيئًا. أكلت بنهم، وشربت قدحًا من الماء، ثم أعطاني أحدهم سيجارة فأشعلتها. ظل الذكر مستمرًا ساعة أخرى، ثم بدأت الأرواح تعود إلى الأجساد، بعد رحلة لا أراها إلا بعين الخيال، رحلة إلى سماوات بعيدة، محمَّلة بمعرفة لا تُرى.
كنت أتساءل بيني وبين نفسي: من هؤلاء؟ وما الذي يفعلونه؟ ولماذا اختاروا هذا الانعزال في أطراف المدينة؟ لعل المدينة، بصخبها وضجيجها، تلتهم الأرواح، ولا تمنح الناس ساعة يخلو فيها الإنسان بنفسه.
بدأ بعضهم يستأذن الشيخ، ويقبّل يده قبل أن ينصرف. كانت كلماته قليلة، لكنها تقع في النفوس وقعًا عجيبًا. بدا لي أن أسأله: من أين جاءته هذه الطاعة، وهذا الحب العميق الذي يحيط به؟ لكن السؤال توقف في حلقي، وكأنه قرأ ما يدور في نفسي، فاكتفى بأن أشار بيده إلى السماء.
أخذتني تلك الطاعة المطلقة، والراحة النفسية التي تغمر المكان. حياة بسيطة؛ طعام متواضع، وماء كثير، وقلوب ممتلئة بالإيمان. كانوا خليط عجيب من بني البشر، بينهم الطبيب، والعالم، والمعلم، والتاجر، والعامل، والمزارع، والعاطل، والجاهل. جميعهم يجلسون في دائرة واحدة، لا يميز أحدهم عن الآخر شيء، إلا أن الشيخ، بهيبته وسمته، كان مركزها الذي تنتظم حوله. وحين يتكلم، ينصت الجميع في صمت كامل، يتلقون كلماته بيقين لا يعرف الجدل. وإذا اختلف اثنان، فصل بينهم بكلمة، قد تبدو غامضة، لكن كل واحد منهم كان يفهمها على قدر قلبه.
صرت أذهب إليهم كل مساء. مرت أيام، ثم أسابيع، ثم شهور. كنت مستمعًا جيدًا، لأنني كنت أبحث عن يقين أتكئ عليه، وعن بصيص أمل أشاركهم فيه. كانت آلاف الأسئلة تجوب خاطري، وكلما سألت الشيخ سؤالًا بريئًا رغبة في الفهم، شعرت بأن بعضهم يضيق بي، فنفر مني بعضهم، فخففت من أسئلتي. أما الشيخ، فظل صبورًا معي. كانت إجاباته قصيرة، لكنها تحمل غموضًا أكثر مما تحمل تفسيرًا.
كانوا أهل المحبة، قلوبهم تستقي من نهر لا ينضب، وإن بينهم أقطابًا تدور عليهم الدائرة، يمنحون ويمنعون، وتفيض منهم الأسرار. كنت أستغرب من نفسي هذا الانقياد، لكنني كنت أشعر براحة حقيقية. غير أنني، في أعماقي، لم أكن أرى شيئًا. قلت لنفسي: لعلني أنا الأعمى قليل الفهم والإدراك، ولعل النور الذي يتحدثون عنه لا تراه عيناي. لأن علائق من الدنيا تحجب عني الرؤية.
كنا نجلس في حلقة كما اعتدنا ولم يكن الشيخ حاضرا، نتكلم وندخن ونبوح، قال لي أحدهم في ذروة حديثنا، أن قلبي مغلق، شعرت في نفسي بأنها وصمة، ثم قال لو أننا في أيام الجاهلية لما آمنت وصمة أخرى، أحمر وجهي قلت له: إن السبب في أرقي أن لي قلبا حي، يريد المعرفة على نور، ولو كنا في أيام الجاهلية لآمنت لأن لي عقل وروح تخضع أمام اليقين وأمام العقل، اجتهدت كثيرًا لأصل إلى ما وصلوا إليه، لكن جهدي لم يثمر إلا مزيدًا من الحيرة. قضيت بينهم أيامًا وشهورًا، أظن أن العيب في قلبي كما يقولون،. فعلت ما يفعلون، وجلست في حلقات الذكر، ورددت الأذكار معهم، وأغمضت عيني، لكن عقلي ظل يقظًا، يتسع بالأسئلة بدل أن يهدأ.
وقفت عند الأضرحة كما وقفوا، وتوسلت كما توسلوا، لكن شيئًا لم يتغير ثم عدت أحمل تلك الوصمة: قلبك مغلق. كانت كلمة قاسية أبكتني. كيف يكون قلبي مغلقًا، وأنا لم أكف يومًا عن طلب الحق والحب والجمال، هل وُلدت بهذا القلب؟ أم أنني كنت طوال حياتي أرى بعينين مغمضتين؟ فقد بدأت أوقن أنني لست كما قالوا، وأن الحكم على قلبي لم يكن حقيقة مطلقة، بل ربما كان مجرد حكم صادر من زاوية واحدة.
في الفترة التي كنت أتردد فيها على أصحاب الكوخ، أهملت كثيرًا مما كنت أقوم به من أعمال، ولم أعد أهتم بدراستي التي كنت متقدمًا فيها على أقراني. كنت أقضي معظم أيامي هناك؛ أذهب مع بداية المساء، فلا أعود إلا في ساعة متأخرة من الليل.
لاحظت أمي أنني، منذ وفاة أبي، أصبحت أميل إلى العزلة، فأقضي ساعات طويلة وحيدًا في غرفتي، أو أتجول بين الحقول. كانت تخشى أن يكون قد أصابني مسّ، أو أنني أصبحت بالفعل تحت تأثير شيء خفي، بعدما رأت التغير الكبير الذي طرأ على نمط حياتي. لم أعد أجلس معهم كما كنت، وأهملت كل شيء، حتى هيئتي ونظافتي الشخصية، ولم أعد أقف أمام المرآة طويلًا كما اعتدت، بل صرت أتجنبها، وكأنني أخشى أن أرى فيها شخصًا لا أعرفه. بدأت أصوات اللوم ترتفع من أخي وأمي، لكن شيئًا من ذلك لم يكن يثنيني عما كنت فيه.
وفي الذكرى الأولى لوفاة أبي، أقام أخي وأمي وليمة صغيرة دعا بعض الفقراء والأقارب والجيران، وثلاثة من قراء القرآن منهم واحد لم أراه من قبل، كانوا يسمونهم في قريتنا: «الفكهة». جاءوا بعد صلاة العصر، وظلوا يتلون القرآن حتى أذان المغرب. صلينا المغرب، وتناولنا الطعام جميعًا، ثم انصرف المدعوون، وأدخلوني إلى غرفة القراء ليقرأ عليّ ذلك الرجل الغريب، فقد كانوا يظنون أن بي مسًّا أو أنني ملبوس كما يقولون،. وضع يده على رأسي، وأخذ يتلو آيات بعينها، بينما كنت مستسلمًا لما يفعلون، لا اقتناعًا، وإنما حتى لا أزيد حزنهم أو أغضبهم وأريح قلوبهم. باء الأمر بالفشل ولم أتغيرعما كنت عليه، ثم بدأت رحلة أخرى أكثر اضطرابًا؛ رحلة الدجالين والمشعوذين، والأحجبة، والماء المقروء عليه، والأبخرة، والدخان الخانق الذي كان يملأ الغرفة حتى يكاد يخنق الأنفاس. وكانت أمي تقود كل ليلة طقسًا جديدًا لطرد الجن والعفاريت، وإبطال السحر الذي كانت تظن أنه أصابني. وكانت توقظني لصلاة الفجر، رغم إرهاقي وسهري الطويل، وعينيَّ المثقلتين بالأرق وكثرة التفكير فيما يحدث لي، حتى انتهى بي الأمر إلى الاستسلام لهذا النظام، فلا أنام إلا بعد صلاة الفجر. كانت امي تقول لي: إن القرب من الله يبعد عنك العين ويطرد الوساوس التي يبثها الشيطان في ابن آدم لينسى الله ويدمر حياته.
3
توقفت عن الذهاب للكوخ، حتى أقنعهم بأنني شفيت من مطاردة الجن والعفاريت، التزمت بالصلاة في المسجد، والذهاب مع أخي إلى الحقل أساعده في بعض أعمالها، لم أكن أعمل كثيرا، ولكن كان مجرد الذهاب إليها يريح قلب أمي ويرضي أخي عني، ولكني شعرت بخواء وإلحاح من داخلي من أن الحياة التي أعيشها على هذا الشكل، إنما هي الموت ذاته، وأخذت أبحث عن جديد، أدعم به روحي التي أشعر بفقدانها.
انضممت إلى إحدى الجماعات المنتشرة في قريتنا، لا اقتناعًا كاملًا، وإنما رغبة في أن تهدأ نفسي وأشعر بوجودي، سلكت طريقهم، وارتديت لباسهم الأبيض الجاهز، وبدأت أعيش نظامهم اليومي الصارم. كان يومنا يبدأ قبل الفجر استعدادًا للصلاة، ثم تتوالى الساعات بين الرياضة، والأوراد، والأذكار، والدروس، والتنظيم الدقيق للوقت، ثم لقاءات مغلقة نتحدثها فيها عن مجريات الأحداث والسياسة، يعقبها كثير من السخرية من الجماعات الأخرى التي تملأ البلاد.
كانت ضحكات السخرية تنطلق منا بلا توقف، كأن الحقيقة قد استقرت بين أيدينا وحدنا، وكأن الآخرين جميعًا على ضلال. كنا نحمل ما يُملى علينا من كتب وقواعد على أنه الحق المطلق، دون سؤال أو تمحيص. لم يكن أحد يناقش مصدر ما نتلقاه؛ فالكتاب يُقرأ لأنه أوصي به، وأوصي به لأن غيره أوصى به، في سلسلة لا يعرف أحد بدايتها، ولا يسأل عن سببها.
وكنت إذا سألت أي سؤال يُقابل بالسخرية. من أنت حتى تسأل؟ كانوا يرون أننا نحن الاتباع خُلقوا للتلقي، لا للتفكير، وهكذا كانت الأسئلة تُجهض قبل أن تولد.
ومع مرور الوقت، بدأت الفجوة تتسع بيني وبينهم، وبيني وبين نفسي من جديد. عاد ذلك القلق القديم، وعادت الحيرة تطرق أبواب روحي، كأنها لم تغادرها يومًا. لم أشعر أنني وجدت ما كنت أبحث عنه، بل أحسست أنني أبتعد أكثر فأكثر. وعلى مضض منهم أبتعدت، لأنك تعلم عنهم الآن، وتنفر منهم وتعترض، وتسمعهم تلك اللا، التي نسيوها في خضم أعمالهم الآلية، فليست مما يريح الضمير، ولا يسر الخاطر، ولا يطمأن له العقل الحائر، بل الحيرة المضاعفة، كانت نصيبها الأوفى منه، فليس ما يظن هؤلاء، أنهم لا يملكون لا الحقيقة، ولا نصف الحقيقة، ولا يعرفون عنها شيء، ولا هي قريبة منهم، إنهم متقوقعون على أنفسهم، ويعيشون على هامش ما تلقوه، دون وعي أو استيعاب أو حتى تردد، ولو بسيط، لا أجدني هنا بينهم، كانت هناك زيارات، باءت بالفشل الذريع، يحاولون ردي إلى حقيقتهم الموهومة، وقد قررت أنه لا رجعة لهم، وأتخذت القرار الحاسم، نصرة لعقلي ولنفسي. لم يكن في قلبي ميل إلى الخصومة، ولا في نفسي قدرة على خوض معارك جديدة.
وعدت إلى تلك الحياة الرتيبة مرة أخرى، ولكن ظمأ الروح لا تستطيع أن تقف أمامه مكتوف اليد، وإن القلق ينغص عليك سبل العيش، وسعادة النفس، لم أستطع البقاء طويلًا دون ري، فانضممت إلى جماعة أخرى، بدت مختلفة في ظاهرها؛ أكثر بساطة، وأقل ادعاء، وأقرب إلى الناس.كان أفرادها طيبين، لا يعرفون من العلم إلا القليل، ويكتفون به. لم تكن معرفتهم تتجاوز عشرات قليلة من الصفحات، يقرؤونها مرة بعد أخرى، بلا ملل ولا تبديل، وكأن التكرار عندهم طريق إلى الفهم، لا علامة على الجمود. كانوا يجوبون البلاد دعاة، يقطعون المسافات، ويختلطون بالناس على اختلاف طبائعهم وألوانهم، ولم ألمس فيهم تكبرًا ولا استعلاء، بل وجدت بساطة في العيش، وتواضعًا في الفكر.
قضيت معهم أيامًا قليلة في رحلة دعوية استمرت ثلاثة أيام. كانت الحياة بينهم تحمل سكينة غريبة. نحمل متاعًا يسيرًا، ونجوب الطرقات، ثم نجلس ليلًا نستمع إلى حديث بسيط، أو سيرة رجل صالح، نستمد منها شيئًا يشبه القوة الداخلية. وكنا ننام في زوايا المساجد، ونستيقظ قبل الفجر، نصلي، ثم نتلو الأذكار، ونتناول فطورًا جماعيًا بسيطًا، تتخلله ضحكات هادئة، وحياة تبدو مطمئنة في ظاهرها.
ثم نخرج في جولات دعوية، نذكر الناس بما نراه حقًا: الموت، والحساب، والآخرة. هؤلاء الذين نسوا الأخرة، لينغمسوا في الدنيا، هؤلاء الذين ألهتهم المتع، وأخذتهم الآهواء والشهوات، ونسوا نصيبا مما ذكروا به، نطوف في الشوارع داعين، نطرق الأبواب المؤصدة، لنصل إلى أبواب القلوب المغلقة، نحاول أن نفتحها، نحمل بعض غبار الأرض من عليها، لتنصع قليلا، قبل أن تصدأ وتموت، نذكرهم بالله، بالنبي، بالصحابة بهؤلاء الذين عاشوا من قبل، وهم الآن قد رحلوا، وتركوا لنا ما جمعوا، لم يأخذوا شيء، ونحن على أثارهم مقتدون، سوف نرحل سوف نموت، سوف يرثنا الأبناء والأجيال القادم، دون أن نأخذ شيء معنا، ففي نهاية الأمر قبر ضيق، وخرقة بيضاء، وقطعة من قطن، تسد الثغرات، ثم نتعفن نتحلل، ونقابل الله لنسأل عما كنا نفعل، فهل أعددنا أنفسنا لذلك اليوم، لتلك اللحظات، إننا نذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين، نذكر النائمين الغافلين نوقظعم، نخبرهم بذلك اليوم، نقرع الطبول قبل أبواق الآخرة، قبل الصاعقة التي تصعق القلوب والعقول والحشايا، انتهت الأيام الثلاث، ولكن لم يمتلأ قلبي، ولم يكف عقلي وروحي عن القلق، بدا لي الأمر أني غرقت أكثر، من بساطة الأخذ والإتباع دون شرط أو قيد، ودون أن أحلل وأدقق، فيما نفعل أو نتلقى.
قررت مرة أخرى أن أنسحب بهدوء، وأن أنتسب إلى أخرى. كنت أظن أن أفرادها أكثر علمًا بما يفعلون، أو هكذا بدا لي من بعيد. اندمجت معهم سريعًا، وصار لكل يوم موعد مع قراءة المتون والكتب القديمة. ولم أكن أرى بأسًا في أن نجعل من العلم أساسًا متينًا، ومن الحفظ رياضة للعقل، وشحذًا للهمة، على أن نؤجل التمحيص والتحليل حتى تمتلئ العقول بالمعرفة وتشتد أدواتها.
مضت فترة من التحصيل والرياضة العقلية العنيفة، كانتا أقرب إلى الحشو منهما إلى الفهم. عشت خلالهما في عصور مضت، حتى شعرت أنني أصبحت جزءًا من التراث، قطعة من زمن لا يمت إلى عالمنا بصلة. كان كل ما يملأ عقولنا قديمًا، نتلقاه على أنه حقائق نهائية، وكأنه كتب منزلة. وبدلًا من أن يكون القرآن هو الكتاب الوحيد الذي نقدسه لأنه كلام الله، أصبحت مئات الكتب القديمة تنال منزلة تكاد توازيه، وأصبح ابن تيمية، والبخاري، وكثير من الأئمة، يرتقون في نفوسنا حتى يكادوا يبلغون منزلة الأنبياء، ثم ما يلبثون أن يتحولوا إلى شخصيات لا يجوز الاقتراب من آرائها أو مناقشتها، وكأن كل ما قالوه مقدس لا يقبل المراجعة.
انفصلت عن العالم الذي أعيش فيه تماما، فلم أعد أرى إلا الماضي، وعلوم الماضي، وأحكام الماضي، وأقيس بها الناس جميعًا. فمن سار على هيئة القدماء، ومظهرهم، ومنطقهم، وعقولهم، فهو على الحق، وكأن الخير كله محصور في العودة إلى ما كانوا عليه.
لكنني حين نظرت إلى تلك العصور بعين أكثر هدوءًا، وجدتها ككل العصور؛ كان فيها الخير والشر، وكانت الحرب بينهما سجالًا، وكان الناس بشرًا، رجالًا كالرجال ونساءً كالنساء، يصيبون ويخطئون. وربما كانوا أوسع صدرًا في قبول الآخر والتعايش معه، لكنهم لم يدعوا لأنفسهم تلك القداسة التي نسبناها إليهم. لم يقولوا لنا يومًا: كونوا ملائكة مثلنا، لأنهم لم يكونوا ملائكة، وإنما بشر عاشوا زمانهم، واتصلوا بمجتمعهم، وخاضوا دنياهم بكل ما فيها فكيف نترك زماننا لنعيش زمانهم؟ وكيف نستعير عقولهم، وهيئاتهم، ونفوسهم، ونغفل عن أنفسنا؟
شعرت أنني قطعة أثرية ينبغي أن تُحنط، لا إنسانًا يعيش عصره، يعرف أخباره، ويؤثر فيه ويتأثر به. وكلما غرقت في الكتب القديمة، أحسست أن عقلي يحتاج إلى منفضة تزيل عنه هذا الكم الهائل من غبار القرون.
هناك أعلن ذلك الصوت الداخلي عصيانه مرة أخرى. صرت أختلس قراءة الكتب الحديثة، والمجلات الأدبية، والروايات لكبار الكُتّاب، ودواوين الشعر، كأنني أقتني محرمات. ففي ذلك العالم لم يكن معترفًا إلا بالسير إلى الماضي، دون التفات إلى الحاضر أو المستقبل، وكأن المطلوب أن ينبت لحمك ودمك من لحوم الماضي ودماء التراث وحدها.
بدأ عقلي ينتفض من سباته الطويل. أخذ ينفر، ويحاول الخروج من الأسوار التي أحاط بها نفسه، ويهدم جدارًا بعد جدار، مع كل كتاب جديد، ومع كل نافذة يدخل منها النور. كانت الشمس تتسلل إلى عقل ظل حبيس السرمديات، لا يجرؤ على تجاوز نقطة رسمها له الآخرون، وإلا صار خارجًا، متمردًا، عاصيًا، ومن أهل النار.
وهكذا اتخذت قراري بالعودة إلى عالمي، إلى الزمن الذي أحيا فيه. لماذا أنسى حياتي لأبني في خيالي عالمًا انتهى، لم يبق منه إلا صفحات في كتاب؟ لقد عاش أولئك الناس دنياهم، فلماذا أزاحمهم فيها، وأترك عالمي لأعيش على فتات حياة غيري؟ ومن أين لي اليقين بأنهم كانوا كما تخيلتهم؟ أليس كثير من ذلك صورة صنعها الخيال، ثم صدقتها حتى أصبحت يقينًا؟
ما جدوى كل تلك الأسماء التي ملأت بها ذاكرتي؟ وما جدوى النصوص التي قد تحتمل الصدق والكذب، ثم أتعامل معها كأنها آيات لا يأتيها الباطل؟ لقد أفنيت عقلي في صراع الحفظ، وحشوته بالغث والسمين، ولم أمنحه فرصة ليفكر، أو يقارن، أو يحلل، أو يختار، أو يرفض. حرمت العقل من وظيفته الحقيقية، ومن الكرامة التي منحها الله له.
كان ذلك مساء القرار. مساء الخروج من سجن الماضي إلى الرياض الغناء التي تحيط بي. كيف أترك هذا العالم الواسع، لأبني لنفسي كهفًا من طين، ثم أقنع نفسي أن تلك هي الحياة الحقة، وأن ذلك هو اليقين الوحيد؟
كانت غمامات كثيفة تغطي العقل، لكن ما إن انقشعت حتى رأيت الواقع كما هو، أدركت أنني لست على الطريق الذي ظننته، وأنني لم أكن إلا ألعوبة في يد غيري. وما إن نظرت إلى نفسي بصدق حتى رأيتها تسير في طريق غير طريقها. خرجت أبتعد عن الناس قليلًا، وأختلي بنفسي، علني أسمع صوتها بعيدًا عن ضجيج الجماعات.
4
أصبحت كالعالة على أهل البيت. كان الشرود يلتهمني، فأقضي الليل بأكمله هائمًا في الشوارع وبين الحقول، أستجدي من بعض العابرين سيجارة، أشعلها وأنا أجلس بعيدًا عن أعين المارة في مكانٍ منعزل. ثم أعود إلى البيت عند تباشير الصباح. كانت أمي تضع لي بعض الطعام، وتصنع لي كوبًا من الشاي، وتنظر إليَّ بأسى شديد. كانت تشعر أن ابنها يتفلت من بين يديها إلى عالم الجنون، كما كانت تظن.
عرضت عليَّ أن أتزوج، وقالت: «ابحث عن بنت الحلال، لعل حياتك تتغير إلى الأفضل، وتستقر بعد الزواج وإنجاب الأطفال.» لكنني رفضت فكرتها، فلم أكن مهيأ لهذا الأمر في ذلك الوقت. ثم قالت لي: «لِمَ لم تعد تساعد أخاككما كنت في الأرض؟ فهو يذهب إلى وظيفته صباحًا، ثم يقضي آخر النهار في رعاية الأرض. ضع يدك في يده. لكنني لم أعبأ بما قالت، وكنت أدخل حجرتي، وألقي بنفسي على الفراش، فأستغرق في نومٍ عميق، بعد أن أجهدني المشي طوال الليل فيما لا طائل منه.
والحقيقة أنني لم أكن أدري سببًا لكثير من الأفعال التي أقوم بها، ولا إلى أين تمضي بي خطواتي، ولكنني أيضًا لم أكن أستطيع أن أتوقف عن السير. خطر ببالي، بعد حديث أمي، أن أخرج من البيت، وأستأجر غرفةً بمفردي، حتى لا أسبب حرجًا لي ولأخي. لقد أحزنني حديثها، وكنت أعلم أنني لن أتوقف عما أفعله من أمور لا ترضي أخي ولا أمي.
في مساء ذلك اليوم، أخذت أبحث بجدية عن غرفة صغيرة، لها حمام، على أن تكون بعيدة على أطراف القرية، حتى لا أزعج أحدًا ولا يزعجني أحد، ويكون دخولي وخروجي بحرية تامة. لم أوفق في العثور على غرفة عدة أيام، ثم أخذت أتساءل: من أين سآتي بإيجارها؟ وكيف سأوفر الطعام والشراب؟ ثم قلت لنفسي: سوف يكون الأمر سهلًا.
وجدت بيتًا قديمًا هجره صاحبه، فلما حدثته في أمر استئجاره قال لي: لا أريد منك إيجارًا، ولكن إذا احتجت إلى البيت في أي وقت فسأمهلك شهرًا، ثم تخليه لي. وأنا غالبًا لن أحتاج إليه في الوقت الحاضر، وربما تمر سنوات قبل أن أعود إليه. غير أن بعض اللصوص قد يتسلقونه، أو يعتادون دخوله للشرب أو لغير ذلك، فوجودك فيه سيكون حراسة له، وهذا هو المقابل. فرحت بالأمر، وعدت، كعادتي، في الصباح. حدثت أمي عن عزمي على الرحيل من البيت، فوجمت وحزنت لما سمعته، لكنها، أمام إصراري، أذعنت للأمر على غير رضا.
ثم حدثت أخي، فثار هو الآخر، وسرعان ما هدأ، فقد كان يعلم أنني لن أنقطع عن البيت، إذ لا ملجأ لي غيره، ولا عمل لي أقتات منه.
حملت بعض أمتعتي وانصرفت إلى بيتي الجديد، وصرت أذهب إلى أمي كل صباح، فتضع لي الإفطار، وأشرب معها الشاي، ثم أنصرف لأنام في البيت الذي استأجرته.
وظلت الأمور تسير على هذا المنوال عدة أسابيع، ثم أخذت زياراتي للمنزل تقل شيئًا فشيئًا؛ فبعد أن كانت يومية، أصبحت مرة في الأسبوع، ثم صارت على فترات متباعدة. لقد وجدت في السكن وحدي راحة كبيرة، وكأن حملًا ثقيلًا كان يجثم على صدري، فانزاح عن كاهلي، ولو إلى حين.
كان البيت قديمًا، لا يضم سوى حجرة متهالكة آيلة إلى السقوط. كنت أترقب، بين حين وآخر، أن ينهار سقفها فوق رأسي. كان سقفها الخشبي الضعيف، وما يعلوه من طبقة رقيقة من التُّبَّة، لا يمنع مطر الشتاء من أن يتسرب في قطرات باردة تهبط على وجهي. ورغم ندرة المطر، فإن كل قطرة كانت تبدو كأنها اختبار جديد للبقاء.
أما في الصيف، فكان الحر القاتل يملأ المكان، والناموس يطن فوق أذني طوال الليل، كأنه لا يعرف الرحمة. ولم تكن نافذتي تسمح بدخول شيء سوى هواء متعب، وغبار، وصمت ثقيل. أما الباب، فكان خشبيًا ذا ضلفة واحدة، لا أغلقه بالمفتاح، إذ لم يكن في المكان ما يستحق أن يُسرق.
داخل الحجرة لم يكن هناك سوى بابور قديم، وبراد، وسخان، وكوب للشاي، أستعين بها في الليالي الباردة والحارة على السواء. كانت تلك الأشياء الصغيرة تؤنس غربتي كلما آويت إلى فراشي في آخر الليل.
أما الطعام، فلم يكن يتجاوز بقايا أرغفة، وصحنًا أو صحنين؛ وأحيانًا قطعة من الجبن تكون هي الوجبة كلها. وإذا أردت أن أرفه عن نفسي، اشتريت قرصًا من الطعمية في الصباح، أو طبقًا من الفول في المساء. أما اللحم والطعام المطبوخ، فلم يذقهما فمي منذ أشهر.
ولعل الجارة التي كانت تتحفني كل أسبوعين أو ثلاثة بوجبة صغيرة قد نسيتني. فقد ماتت أمها، وسافرت إلى بلدة أخرى، وربما لم تعد بعد. كان ينبغي أن أسأل عنها، وأن أقدم لها العزاء، فهي الوحيدة التي كانت تترفق بي أحيانًا. لكنني، في نظر الناس، لم أكن سوى رجل غريب، أو شخص غير طبيعي، وربما مجنونًا لا يؤاخذ على أفعاله، فالقلم مرفوع عنه… هكذا كانوا يقولون، فلا ضير إذن.
كانت كتبي تملأ الحجرة بلا نظام. لم أكن أحب ترتيبها؛ فقد أصبحت الفوضى جزءًا من طريقتي في العيش. وكنت أستخدم إناءً صغيرًا للتخلص من الماء المتسخ، ثم أتركه أمام الحجرة. أما باب البيت، فكان يظل مفتوحًا أغلب الوقت؛ إذ لم يكن فيه ما يغري لصًا، بل ربما لو دخله أحدهم خرج منه شفقة، أو ترك لي رسالة يعرض فيها عملًا
وفي يوم من الأيام، وجدت مائدة صغيرة عامرة بالطعام. في البداية ظننتها مزحة، ثم خطر ببالي أنها رسالة من لص دخل بيتي، فلم يجد ما يسرقه. ربما كان إنسانًا دفعته قسوة الحياة إلى مد يده، فلما رأى حالي أشفق علي.
أكلت في تلك الليلة بنهم، كأنني أعوض سنوات من الجوع، وأخذت أتأمل ذلك الشخص الغامض الذي ربما يعرفني، بينما لا أعرف عنه شيئًا. شعرت بامتنان عميق. أن يشعر بك أحد، حتى ولو في الخفاء، شيء يشبه المعجزة. وصنعت منه مخيلتي بطلًا أسطوريًا، أو إلهًا صغيرًا للرحمة. ولم يكتف بالطعام، بل ترك لي أيضًا علبة سجائر، وكأنه يعرف عاداتي جيدًا. كنت أدخن بحذر، أما في تلك الليلة فقد تركت لنفسي العنان. كانت ليلة مزدوجة؛ غذاء للجسد، وغذاء للعقل. التهمت الطعام، ثم التهمت كتابًا كنت أؤجل قراءته منذ زمن طويل، وكأن شيئًا في داخلي كان ينهض من جديد، بعد أن ظننته مات إلى الأبد.
5
كانت صورة الكوخ المنعزل تطارد ذهني في ليالٍ كثيرة، ومن فيه. كنت أفكر في ذلك العالم الكبير الصغير. لا شك أنهم يحبون الله، ويعبدونه قدر استطاعتهم، بالصلاة حينًا، وبالكلمات والرقص والأوراد حينًا آخر، وبخروجهم من عالمهم إلى عالم الفيض كما يقولون، بعلمهم المتواضع الذي لم يتلقوه من كتاب. كانوا يثقون في الله، ويتقربون إليه بقلوب تئن وتشعر، ثم تفيض على الجوارح.
كانت المسافة بيني وبينهم بعيدة، لكن إلحاحًا في داخلي كان يدفعني إليهم. فالأيام التي عشتها بينهم لم تكن يسيرة، وربما كان الاضطراب الذي شوش على تصرفاتي هو سيد الموقف. حاولت أن أفهم، ولم أنجح، وعرفت أن الأمر لا يُقاس برؤية واحدة.
وبينما كنت غارقًا في تفكيري، كانت صورة الشيخ ماثلة أمامي، تقطع ما أنا بصدده. عندها قررت أن أزور الشيخ في الغد، في موعدي القديم.
في اليوم التالي ترددت قليلًا، لكن خطواتي كانت تلح عليّ، وتسعى دون إرادة مني، كأنني أُساق إليها. وصلت إلى مجرى النهر الذي كنت أجلس عنده عندما سمعت الصوت للمرة الأولى. كان صوت المياه وتدفقها يشعرني بقيمة الحياة وجمالها. جلست ساعة، ثم جاءني ذلك الشعور القديم. إن طقوسهم لا تتغير، يحافظون عليها حتى أصبحت جزءًا منهم، أو لعلها أصبحت هي الحياة ذاتها. لا يفارقونها ولا تفارقهم حتى الرمق الأخير.
قمت واتجهت نحو الكوخ، فوجدت الشيخ ممددًا خارج الكوخ، والأحباب، كما يسمونهم، أو المريدين، يقيمون حضرتهم. ابتسم لي، ومد يده، فسلمت عليه وقبلتها كما يفعل الأتباع. كان الإنهاك الشديد يبدو على وجهي، وكانت ملابسي تحمل أثر التعب، فقد غدت رثة بعض الشيء.
تحدثنا، واستمع إلى أخباري التي لم يكن فيها جديد، فهي تمضي على وتيرة واحدة. أحضر لنا أحد الأتباع كوبين من الشاي، فشربناهما، ولم يقطع أحد منهم خلوة الشيخ أو يشغلنا عنها. وبعد ساعة استأذنته في الرحيل، فقال لي:أجّل رحيلك إلى آخر المساء.
لم أستطع أن أعترض. قمنا ودخلنا الكوخ. في تلك الليلة كنا نجلس وقد أخذنا شيء من صفاء الحال، وكان يحدثني، كعادته، بكلام مشبع باليقين، كلام يوقظ القلوب ويملؤها رغبة في السعي. ثم انفض المجلس، وبقيت معه وحدي.
استوقفني. جلسنا في صمت كثيف، ثم بدأ يقول أشياء… أشياء كنت أخفيها حتى عن نفسي. لم يواجهني بها مباشرة، بل كان يلقيها إليّ في هدوء، جملة بعد أخرى، يتخللها صمت طويل، كأنه يترك لكل كلمة أن تستقر في موضعها. ثم سكن. مد يده خلف الوسادة التي كان يستند إليها، وأخرج كتابًا ناولنيه. نظرت إليه، وسألته بعيني: ما هذا؟ لكنه لم يجب: قال فقط الآن… تستطيع أن ترحل.
أخذت الكتاب، وفي داخلي دهشة لم أستطع تفسيرها. أشار إليّ أن أنصرف، فخرجت كنت أحمل شيئًا أثقل من الكتاب. أحمل روحًا مكتظة بالألم، وعقلًا أثقله السؤال حتى أرهقه. لم أعد إلى البيت مباشرة، بل تركت قدمي تقودانني بلا وجهة، أهيم في الشوارع. كان في الجو لسعة برد، لكن الهواء كان ينعش الجلد، كأنه يوقظني من شيء غامض.
جلست في مكان خالٍ، وأخذت أستعيد المشهد: يد الشيخ، والكتاب، والصمت، وتلك النظرة التي قال فيها ما لم يُقل. حاولت أن أقرأ في عينيه ما عجزت كلماته عن قوله، لكنني لم أصل إلى شيء. رفعت رأسي إلى السماء، كانت صافية، والنجوم تتلألأ في سكون بعيد، كأنها لا تعبأ بكل هذا الاضطراب الذي يعصف بي. ليلة كهذه، كان يمكن لشاب في مثل سني أن يقضيها في حلم آخر؛ حب، أو أمل، أو مستقبل يُبنى، أو بيت، أو مال، أو طموح يتسع. لكن شيئًا من هذا لم يحدث لي، لم تغرني الثروة، ولا راودتني فكرة القصور، ولا أن أملك أرضًا أو رصيدًا في البنوك. كنت أتعجب من أولئك الذين تشتعل فيهم رغبة المال، كأن الحياة لا تعني إلا ذلك. ثم أعود فأخاطب نفسي: لو كان هذا وحده هو الطموح، لما بقيت الحياة على هذا النحو، ولفني الناس منذ الجيل الأول.
أنا أيضًا أحب الحياة، بل أتمنى لو أعيش أبد الدهر، لكنني أريد أن أفهم… أن أهتدي بعد ذلك. لا يعنيني كثيرًا أن أحيا أو أموت. إن حييت، فليكن عن علم، وإن مت، فليكن وقد عرفت… لماذا. كان الليل قد توغل بي بعيدًا، ونباح كلب شق سكونه، فأدخل في نفسي مسحة خوف خفيفة.
نهضت. عدت إلى غرفتي. كان هناك بعض البن، فأعددت كوبًا من القهوة وجلست. وضعت الكتاب أمامي، وصرت أنظر إليه في صمت، أرتشف القهوة، وأشعل سيجارة، كان الدخان يتسلل ببطء، يهرب من النافذة إلى الهواء الطلق، ثم يذوب ويتلاشى، كما لو أنه لم يكن. تمددت على المرتبة فوق الحصير، وبدأ النعاس يداعب عيني شيئًا فشيئًا، حتى تلاشى كل شيء، وتلاشيت أنا أيضًا في عتمة اللاوعي.
6
في اليوم التالي خرجت كعادتي قبيل المساء، ولكني لم أطق المكوث خارج البيت إلى أخر الليل، عدت إلى الغرفة، وشوق غريب يملؤني. علقت إبريق الشاي فوق الموقد، كأنني أهيئ نفسي لشيء أكبر، ولا أدري لماذا أردت أن أكون صافي الذهن في تلك الليلة.
كانت أبخرة الشاي تتصاعد إلى أعلى، كأنها تسمو بنفسها عن عالمنا الأرضي. أشعلت سيجارة، وأخذت نفسًا عميقًا خرج من صدري المكلوم، ثم أخذ هو الآخر يتصاعد نحو الأعلى، كل شيء يريد أن يسمو بنفسه… حتى الدخان وأنا أيضًا كنت أريد أن تسمو روحي، كما يسمو كل شيء.
نظرت إلى الكتاب كان الغلاف لغزًا آخر. ظلال لرجل، أو امرأة، أو ربما لم يكن إنسانًا أصلًا، وإنما كنت أنا الذي أتوهم ذلك. حبل يمتد من أعلى الغلاف إلى أسفله، وفي الأسفل نار مشتعلة، ووردة ملقاة على الأرض، يغمرها الطين ويشوّه شيئًا من جمالها. وبالقرب نهر تتدفق مياه بلون الدم.
ماذا يريد هذا الغلاف العجيب أن يقول؟ لا أدري؟ كان جلد الكتاب قديمًا سميكًا، لكنه يقف ثابتًا أمام الزمن، كأنه يتحداه. كم يدًا امتدت إليه، وكم عينًا مرت على صفحاته، ومع ذلك بقي كما هو. تذكرت كلمات الشيخ وهو يودعني وأنا خارج من باب الكوخ: أعده إليّ عندما تنتهي من قراءته. لا بد أن لهذا الكتاب شأنًا عظيمًا عنده. أراد أن يرسل إليّ رسالة من خلاله، ولكن ما هي؟ لا شك أنه يعرف أنني سأعرفها، وإلا لما أعطاني الكتاب.
أخذت رشفة أخرى من الشاي، وأخذت نفسًا جديدًا من السيجارة، فارتفعت دوائر الدخان في الهواء ببطء، ثم فتحت الكتاب. كانت الصفحة الأولى تقول وبلا مقدمات:
أنا شاهدتُ وجهي في مرايايَ كلِّها
فما عُدتُ أدري: أيُّها كان يُبصرني
إذا قلتُ: هذا أنا… تفرّق صوتُه
وإن قلتُ: غيري… عاد صوتي يُحاصرني
إذا لست وحدي في هذه الدنيا ذلك التائه الذي يبحث عن سكينة القلب وهدوء الروح، لعل صاحب هذا الكتاب أيضا يعيش في غربة. أخذت رشفة من كوب الشاي، وامتد بي التفكير في أمر الشيخ مرة أخرى، وفيأمر الكتاب الذي بين يدي، وفيما يخفيه هل ستشفيني الكلمات في النهاية؟ أم سأظل كما أنا؟ ثم سمعته صوتًا خافتًا يناديني هل هو من خارج نفسي؟ أم من أعماقي؟ كان يصرخ في وجهي دون صوت ما هذا؟ ما هذه الكلمات التي أسمعها تناديني أم أنني لست هنا أصلًا؟ هل اختل عقلي؟ أأنا غيري؟ إنه صوت لم أسمعه في الواقع قط، لكنني أعرفه لقد سمعته من قبل في داخلي هل أجيبه؟ أم أتجاهله فينصرف؟ أم أن تجاهله سيزيده اقترابًا؟ وبعد قليل انقطع الصوت لم أعد أسمع شيئًا أخذت رشفة أخرى من الشاي، كأنني أستعيد وعيي، ثم فتحت؟ تساءلت ماذا تحمل الصفحات الأولى من جديد، إنها ساحات عشق يلقي فيها الإنسان بنفسه، فيستظل بظل الجمال إنه الذوبان؛ حين تتلاشى الماديات، فلا يبقى إلا ما يمكث في النفس، ويمد جذوره فيها ليحيا إلى الأبد هناك… لا نهاية للعشق، ولا حد للشعور كل لحظة بداية، وكل زمن ولادة جديدة لا تعرف الانتهاء إذا سكنت المحبة القلب، فلا موضع لكراهية، ولا طريق إلا إليها تتدفق في العروق، وتنساب في ثنايا الروح، فتعظم الأشياء لأنها منه وإليه فإذا حل في القلب، لم يبق فيه غيره ترتفع به، وتسمو، وتصعد… حتى تذوب فيه فلم تكن شيئًا، حتى صرت به شيئًا وحين يحضر النور، لا يبقى للظلام أثر يتبدد، ويتلاشى، كأنه لم يكن هكذا هو الحب إذا حضر يمحو ما سواه.
كان كلام الحلاج يصيب القلب في مقتل؛ يوقظه بعد غفلة، ويهزه من سكونه لم تكن كلماته تُسمع فقط، بل كانت تُحس؛ تقع في الأعماق قبل أن تبلغ الآذان كانت تقطع المسافات الطويلة في لحظات، فتوقظ في كل نفس شوقًا، وفي كل قلب رغبة في الحياة لم يكن عليه إلا أن ينبه القلوب، وأن يهزها برفق، فتستفيق لتبصر ما لم تكن تبصره كان يوسع الرؤية، ويحررها من حدود الجسد، ومن وهم القوة الزائفة يضرب على أوتار القلوب فتستجيب ألحانه؛ فمنها من يصغي، ومنها من يعجز عن السماع، لأن بينه وبين قلبه سدودًا بناها عبر السنين، حتى أغلقت منافذ الحب أما هو، فكان يطرق تلك الأبواب برفق، يصغي، ويفهم، ويلبي النداء، وينفض الغبار، ويعيد بناء ما هدمته سنوات الطمع والقسوة.
7
كانت الحلقة ضخمة، تضم كثيرًا من طلاب العلم وغيرهم، اجتمعوا لسماع الشيخ. جلسوا مشدوهين لما يخرج من فيه، وقد أسرتهم كلماته، وثبتت أعينهم عليه في نهم، يلتقطون كل حرف ينطقه.
كان ينشد:أنت المؤمَّل وأنت الرجا
يا عدتي في شدتي وبأسي
ذكرك في مهجتي مقيم
مقرونٌ في اللفظ بأنفاسي
جلست بينهم، وقد أخذتني كلماته كما أخذت غيري. أصغيت إليه، وانفصلت عن العالم، لأدخل عالم الشيخ الذي كان يخطه بكلماته في أعماق قلوبنا. بدا كأنه ملجأ الحائرين، ومرفأ السائلين عن نجاة، وهم غرقى في بحار التيه. كان ينتشل القلوب الحيرى ليرشدها، ويغرس فيها بذرة اليقين لمن أراد أن يبلغ الحقيقة. يقدم الدواء لجرحى الفناء، ويجمع الأرواح الهائمة التي أضناها الضياع، فيسوقها برفق نحو الحقيقة. كنت أستمع إليه كأنه يقرأ ما في نفسي، ثم يصف لي الدواء الذي طالما بحثت عنه، فأستقي من كلماته بعد صراع طويل وعجز عن فهم ما يدور حولي.
وفجأة، وقعت عيناي على عيني الشيخ من بين الحشود. كانت نظرة مقصودة، شعرت أنها موجهة إليَّ وحدي. أكمل حديثه، ثم عاد فنظر إلي مرة أخرى، وكانت هذه المرة أطول من الأولى. تساءلت في نفسي: هل يعرفني؟ إنها المرة الأولى التي أراه فيها انتهى مجلسه، وانصرف الطلاب. أما أنا فمشيت على مهل، لا أدري إلى أين أذهب خرج الشيخ، ومر بجواري، ثم بعد خطوات توقف، واستدار بجسده كله نحوي، واقترب خطوة أو خطوتين، وقال: لماذا تأخرت؟ ارتبكت، وأدهشني سؤاله. فلم يكن بيننا موعد حتى أتأخر عنه. وقفت صامتًا لا أعرف بماذا أجيب؟
ثم قال: ألم أرسل إليك رسالة أستعجلك فيها بالحضور؟ وابتسم ابتسامة أزالت الخوف والدهشة من نفسي لا بأس… اتبعني. تبعته كالمسحور، أنفذ ما يقول دون تفكير. طالما أنه يقرأ ما في النفوس، فما الحاجة إلى السؤال؟ أخذني إلى السوق، فاشترينا بعض الطعام، ثم مضينا إلى سوق الوراقين. كان الزحام والضجيج يملآن المكان؛ فبغداد عاصمة الدولة، وفيها ما لا يوجد في مدينة سواها.
كان السوق واسعًا، مكتظًا بالكتب والأوراق، تصطف فيه الحوانيت على امتداد البصر، ويزدحم بالباعة والنساخ وطلاب العلم القادمين من شتى الأقطار، يتلقون العلم على أيدي كبار العلماء من فقهاء ومفسرين ومحدثين وشعراء وأقطاب التصوف. وجوه مختلفة، ولهجات متعددة، يجمعهم مقصد واحد، ثم يعود كل منهم إلى بلاده يحمل ما تعلمه ليورثه لمن بعده. كان الشيخ يتأنى عند بعض حوانيت الكتب، يقلب الصفحات، ويتفحص المخطوطات، وينتقي منها ما يشاء. وكان أصحاب الحوانيت يعرفونه، ويستقبلونه بمحبة وتقدير. اشترى أوراقًا وأقلامًا، ثم أشار إلى البائع أن يدفعها إليَّ. تلقفتها منه، وسرت خلفه صامتًا، دون أن أنطق بكلمة.
سلك بنا طرقًا متشعبة، حتى بلغنا ضفة النهر. وقف طويلًا، صامتًا، يتأمل الماء وهو يمضي في هدوء. بدا كأنه يحدث النهر حديثًا خفيًا، لا أسمع منه إلا همسات متقطعة، كأن بينهما سرًا قديمًا. شعرت أنه يرى ما لا نراه، وأن له عالمًا لا يدركه سواه ثم التفت إلي، وقال: يومًا ما… ستعلم. نظرت إليه مدهوشًا، فاغر الفم، لكنه لم يزد على أن قال: هيا بنا، فقد توغل الليل، وحان وقت العودة.
وصلنا إلى البيت، وكان قريبًا من النهر، يسمع خرير مائه في هدوء الليل وسكونه. كان بيتًا بسيطًا، يضم حجرات قليلة، تتقدمها ساحة صغيرة، ثم باب خارجي. وكانت إحدى الحجرات تضم أغلب كتب الشيخ، وأوراقًا كثيرة، وأحبارًا وأقلامًا، وإلى جانبها مائدة صغيرة تعلوها كتب ومخطوطات. جلسنا، فأخرج الطعام، وأكلنا في صمت. ثم أخرج الأوراق، ووضعها أمامي، وأعطاني القلم، وقال: اكتب ما أمليه عليك. وإن غمض عليك معنى، فلا تسألني عنه حتى تصل إليه بنفسك؛ فإن المعرفة لا تُوهب، وإنما تُنال بالاجتهاد. قلت، دون تفكير أو تردد: سمعًا وطاعة، أيها الشيخ. رتبتُ أوراقي، وأمسكتُ بالقلم لأخطَّ ما يُمليه عليَّ الشيخ.
قال: اكتب: طا سين. توقّف القلم قليلًا، اهتزّت يدي، وكأن ضبابًا ثقيلاً هبط على عقلي دفعة واحدة. كان الجو حارًا، والعرق يتناثر على جبيني… أو لعلّي أنا من توهّم ذلك أهي الكلمات ما فعلت بي هذا؟ لا شكّ أن وقعها أربكني. تجنّبت النظر إليه كي لا يقرأ وجهي، لكني كنت أعلم بيقينٍ يربكني أكثر أنه يرى ما أصابني حاولت أن أستعيد توازني؛ رتّبت الأوراق بلا داعٍ، أصلحت موضع الدواة، ثم بدأت أكتب لكن الأحرف بدت غريبة، كأنها لا تعرف كيف تُكتب، الكلمات نفسها لم تعتد هذا النسق، ولا هذا الترتيب.
كانت ترتبك… مثلي، ربما تحمل في طيّاتها معاني لا تدركها، فكيف بمن يسمعها لأول مرة؟ أخذت نفسًا عميقًا، وألصقت دهشتي بحرارة الجو، وقلت محاولًا التماسك والانشغال عن اضطرابي الحرارة شديدة هذا المساء…
ابتسم ابتسامة خفيفة، لا يخفى علي مرماها وهدفها، فعلمت أنه لم يخفَ عليه ما أنا عليه ألقيت بثقل الكلمة على الورق، كأنني أفرّ منها. وردّدتها بلساني لأثبتها في سمعي، طا سين كان السؤال على طرف لساني، لكنني تذكّرت.. لا تسأل حتى يُكشف لك.
بدا صلبًا، صامتًا، كأنه لا يرى الكلمات فقط… بل يرى وقعها فيّ؛ في كل جارحة، في العقل والقلب كنت واثقًا أنه يرى ما في نفسي تلك النظرات الحادّة… كأنها تشقّ طريقها إلى الغيب، فتفتح فيه طاقة نور. نظرت إليه، مدّعيًا ثباتًا لا أملكه ماذا بعد. قال: السراج.. خرجت الكلمة من فمه كأنها ليست صوتًا، بل معنى متجسّد نورٌ في القلب… لا يضيء الطرق ولا البيوت، بل يضيء النفوس، ويكشف أغوارها، فيمنحها هداية. تلعثمت وعلى شفتي اضطراب. كرّرت: السراج.
أهي بداية؟ أم نهاية؟ إن في كلمات الشيخ القليلة ألغازًا، شفراتٍ تحتاج إلى تفكيك
تصيب طرقًا عديدة في آنٍ واحد، وتدور في رأس الإنسان حتى يتوه بين مقاصدها؛
فإذا المقاصد أودية وبحار، تحتاج إلى سبّاحٍ ماهر يغوص في أعماقها، ليخرج بأصداف أو ربما يخرج إن خرج بالحيرة وحدها. ظلّت الكلمتان تدوران في أروقة نفسي حاولت أن أُسكن اندفاعهما، وأن أعود إلى الواقع، حيث أجلس بين يدي الشيخ لكنني كنت أنازع نفسي للعودة. قال مسترسلا في حديثه:
سراجٌ من نورِ الغيب بدا، وعاد، وجاوز السراج، وساد
قمرٌ تجلّى بين الأقمار، وكوكبٌ رجع في فلك الأسرار
سمّاه الحقُّ أُمِّيًّا لجمع همّته، وحرميًّا لعِظَم نعمته، ومكِّيًّا لتمكينه عند قربه
شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره
كان لكلماته هالةٌ من نور، تنفذ إلى القلب والعقل معًا، وشعرت أن يدي ترتعش من وقعها. وقبل أن يكمل حديثه، طُرق الباب طرقاتٍ بدت مألوفة للحلاج، نظرتُ إليه منتظرًا أمره، فقال بهدوء. قم، افتح… هذا صديقنا الشبلي. لا بد أنك تعرفه.
قلت: سمعتُ عنه، ولكني لم ألقه من قبل. أشار إليَّ، فقمت نحو الباب، وإذا بشيخٍ تبدو على ملامحه أمارات الوقار والزهد، يبعث حضوره الطمأنينة في قلب من يراه. ورغم أنها كانت المرة الأولى التي ألقاه فيها، شعرتُ كأنني عرفته من قبل… أين؟ لا أدري. قلت: تفضل يا سيدي. لم يسألني من أكون، واكتفى بابتسامةٍ خفيفة، كأنه يعرفني منذ زمن، دخل، واتجه إلى موضعٍ مألوف على يمين الحلاج، ثم جلس.
اجتمعنا حول مائدةٍ صغيرة، عليها أوراق وأقلام، يتوسطها ضوءٌ خافت ينبعث من مصباحٍ صغير. نظر الشبلي إلى الحلاج نظرةً خالطها عتبٌ خفي، فردَّ عليه الحلاج بنظرةٍ مثلها، فدار بينهما حديثٌ صامت تبثه العيون، لم أفهم منه شيئًا… لكنني شعرت به. طال الصمت دقائق، فقطعتُه قائلًا: ماذا بعد؟ أم نؤجل الكتابة إلى ليلةٍ أخرى؟ لعلَّك تريد أن تختلي بصديقك.
قال الشيخ: بل أريدك أن تبقى… فالشبلي مرآتي. ابتسم الشبلي وقال: ماذا كنت تملي عليه؟ أهو شعرٌ جديد، أم كتابٌ تؤلفه؟ قال الشيخ: بل شيءٌ آخر… ستعرفه فيما بعد. ولكن هاتِ ما عندك. قال الشبلي: أنت تعلم ما أريد أن أقوله قبل أن أنطق به، ولكنني أريد أن أسمعه منك. ماذا ترى؟ تنهد قليلًا، ثم قال: إن تحدثتَ بمثل هذه الأحاديث أمام العامة، فلن ترقى أفهامهم إلى استيعاب ما ترمي إليه، وقد تتأزم الأمور بعد ذلك. إنهم لا يدركون باطن كلامك ولا جوهره، وحديث العامة لا يُلقى هكذا، رفقًا بنفسك… فإن غضبهم يورد المهالك، مداركهم لا تتسع لما تقول، وقلوبهم لا ترى ما ترى والبوح… خطرٌ يتربص بمن يبوح.
سكت الحلاج لحظة، ثم قال بثبات: لكنني، يا شبلي، لن أُخفي… ولو كان الموت هو المصير، لا لأنني لا أخاف الموت، بل لأنني لا أستطيع أن أُخفي. قال الشبلي: إذًا فلا تُحدِّث في الأسواق، واجعل حديثك في دائرة مريديك… فهم يفهمونك.
كنتُ لا أزال عاجزًا عن الفهم، ما دار بينهما بدا لي ألغازًا متشابكة، وقد التزمت بما أمرني به الشيخ من ألا أسأل… حتى يأتيني علمه.
طلب الحلاج ماءً ليتوضأ، ثم قمنا للصلاة والمناجاة أطفأنا السراج، وغرق المكان في سكونٍ عميق. تكلم الحلاج بكلماتٍ أبكت الشبلي ساعةً أو تزيد، ثم انصرف، وأمرني الحلاج أن أنام، وأتركه لمناجاته وعبادته. فانصرفت، وقد أثقلني التعب وقلة النوم، فألقيتُ نفسي على فراشي، ولم أشعر إلا ونور الشمس يقتحم نافذتي.
8
قمت من نومي أبحث عن الشيخ، فلم أجده، قلت في نفسي: لعله ذهب لصلاة الفجر، أو آوى إلى المسجد ليلقي بعض دروسه، أو خرج إلى النهر يخلو بنفسه. ارتديت ملابسي، وذهبت إلى المسجد أستمع إلى حلقات العلم في التفسير والحديث ومضى يومي بين الدروس حتى صلاة العصر، عدت إلى بيت الشيخ، فلم يكن قد حضر بعد. تداعت في ذهني أسئلة كثيرة: أين ذهب؟ وماذا يفعل طوال هذا الغياب؟
كنت قد اشتريت بعض الطعام في طريقي وأنا عائد من الدرس، لكنني كرهت أن آكل دونه، فجلست أتصفح بعض الكتب، منتظرًا عودته. بعد فترة من القلق، خرجت أتفقد الشيخ، وعدت إلى سوق الوراقين، وسألت بعض مريديه، فلم يكن أحد قد شاهده. ثم سألت عن بيت الشبلي، ولما أرشدوني إليه، قال لي أحد الجيران: إنه دائمًا ما يهيم على وجهه، ولا يُعرف له مكان، ولا موعد يعود فيه إلى البيت.
كنت قد جلست أمام بيته أنتظره، فلما سمعت ذلك خطر لي أن أذهب إلى ناحية النهر، إلى المكان الذي أخذنا الشيخ إليه من قبل. جلست في الموضع الذي جلسنا فيه، أتأمل الماء الجاري يتدفق في النهر، وأخذ عقلي يدور في أمر الشيخ. أين يكون الآن؟ وأين ذهب؟ ولماذا لم يعد حتى هذه اللحظة؟ كأن الأرض قد انشقت وابتلعته، فلم يره أحد، وبينما كنت مستغرقًا في التفكير في اختفائه، وجدته ماثلًا أمامي بشحمه ولحمه. نظر إليَّ مرة، ثم أدار رأسه نحو النهر، وأطال النظر إليه عقدت الدهشة لساني لحظات، ثم قلت: أين كنت أيها الشيخ؟ لقد افتقدتك، وبحثت عنك في كل مكان.
قال بهدوء: هيا بنا نذهب إلى البيت. كانت خطواته متأنية هادئة، ولم يجبني عن سؤالي. وكدت أكرره، غير أن نظري وقع على عينيه، فصمت، ومشيت بجواره حتى وصلنا.
وضعت الطعام بين يديه، لكنه لم يأكل، وقال: كل أنت، فقد أكلت. لقد طلبني الخليفة، احمر وجهي، وبرقت عيناي، لكنه لم يمهلني طويلًا في دهشتي، وقال: إن أم الخليفة مريضة، فأمر بأن أدخل عليها، لعل عندي ما يعين على شفائها. وقد اطمأننت إلى حالها، وسوف أذهب إليها غدًا ببعض الدواء، ولعل الله يجعل فيه الشفاء.
ثم قال: لا تستغرب أمر الدواء، فقد زرت بلادًا كثيرة في الشرق، حتى بلغت بلادًا بعيدة، وظللت خمس سنوات أتنقل بينها. صار لي فيها محبون أحببتهم وأحبوني، تعلمت منهم، وتعلموا مني، ومما تعلمته عادات أهل تلك البلاد في مداواة بعض الأمراض. وإنما هي أسباب نأخذ بها، أما الشافي فهو الله.
وسكت قليلًا، ثم قال: وما اهون سقم الجسد، فأمره ميسور، ولعل زمانًا يأتي ترى فيه أجساد الناس في أتم صحة. أما الأرواح، فمرضها يحتاج إلى جهد متواصل، وإلى معرفة مكامن الخطر التي لا تبدو للعيان، فإن كثيرًا من بني البشر لا يهتمون بشفاء أرواحهم كما يهتمون بصحة أجسادهم.
قلت: هو كما تقول يا شيخنا، ولكنني أخشى عليك قربك من القصر ورجاله، فإنه عالم تحكمه المنفعة، ويفعل أهله في سبيلها كل شيء، وقد يصيبك منهم أذى.
ابتسم الشيخ ابتسامة هادئة، وقال: لا تخش شيئًا، فإنها مقادير نسعى في دروبها، وسوف تكشف الأيام حجب الغيب. فاذهب الآن ونم، وسأسهر الليلة على إعداد ما عزمت على إعداده لأم الخليفة. قلت: هل أساعدك في شيء؟ هل أجلب لك ما تحتاج إليه؟ قال: أحضر لي ذلك الخرج، ففيه ما أريد من الأعشاب، ثم اذهب لتنام.
ناولته إياه، وكان تعب اليوم كله، ومسيرة البحث الطويلة، قد أنهكا قواي، فاتجهت إلى فراشي. وقبل أن أضع جسدي عليه، سمعت طرقات على الباب. نهضت، وفتحت، فإذا بالشبلي واقفًا، أدخلته على الشيخ، واستأذنت في الذهاب إلى النوم.
9
علمتُ بعد ذلك أن الشيخ، عندما خرج في ساعة مبكرة، اعترضه جنود الخليفة وساقوه إلى القصر لعلاج أم الخليفة، بعدما عجز أطباء القصر عن مداواتها. فقد كان قد ذاع خبر الحلاج، وما كان يقوم به من علاج لبعض المرضى ونجاحه في شفائهم، فلما اقتادوه لم يكن يعلم السبب الذي أخذوه من أجله. مضى معهم وهو يظن أن الأمر ربما يتعلق بوشاية، أو بأحاديث بعض العامة التي وصلت إلى آذان القصر.
قال لي الشيخ بعد ذلك: عندما اصطحبني الجنود إلى قصر الخليفة، وفتحت أبواب القصر أمامي، انتابني شعور غريب لم أعرفه من قبل. كانت تلك المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي قصرًا؛ جدران تفصل بين عالمين لا يتشابهان: عالم خارج الأسوار، وعالم خلفها. وشتان بين أرضٍ وأرض كانت العظمة بادية في كل شيء. برك ماء صافية، وعلى أطرافها تماثيل منحوتة بإتقان بالغ. وفي وسط إحدى البرك انتصبت شجرة عجيبة من الذهب والفضة، تتلألأ أغصانها تحت أشعة الشمس، فيزداد بريقها حتى تأسر الأبصار وتحار العقول أمامها وأحاط بها فرسان من الذهب والفضة، يرتدون دروعًا مصقولة تزيد المشهد مهابة وفخامة.
بساتين وحدائق تأخذ بالألباب، وأنهار جارية تشق الأرض في سكينة، وأجنحة ضخمة هائلة، وأبواب كبيرة كأنها تناطح السحاب. بدا المكان كمدينة صغيرة داخل مدينة كبيرة؛ خدم وعبيد وجوارٍ في كل مكان، وحركة لا تهدأ. كانت الممرات تمتد وتتداخل، تتخذ أشكالًا مستقيمة ودائرية، أجنحة هنا وأخرى هناك، وكل شيء منظم بدقة، كأن عقولًا هندسية محكمة تشرف عليه، فلا مجال للخطأ أو الفوضى.
تحيط بالممرات أشجار النخيل، وحدائق الفاكهة المتنوعة، تمتزج روائحها بالهواء فتعطره وتنقيه، حتى يخيل إليك أن المكان لا يعرف إلا الصفاء. أحواض ماء مرمرية تشق الأرض في انتظام، تتفرع منها قنوات صغيرة تخرج فتبهج النظر، ثم تعود فتتكرر في دوائر ومستطيلات، وحولها مجالس للجلوس في أوقات الأصيل. وكانت الجواري يتناثرن حول البرك كأنهن لآلئ حية، يخطفن القلوب والأبصار بجمالهن وبريقهن.
وفي أركان الحديقة أقفاص لطيور نادرة، تملأ المكان بأصواتها وألوانها، وغزلان تتخلل الأشجار تقفز وتلعب في خفة وبهجة، وطواويس تنشر أجنحتها كأنها تستقبل نور الشمس وتعلن مجد المكان. وخيول ترفع رؤوسها من الإسطبلات، وكلاب صيد تقف في يقظة مدربة.
ثم تجاوزت الحدائق إلى الداخل، حيث أبواب ضخمة تؤدي إلى قاعات أوسع، وأرضيات مفروشة بالرخام، تعلوها سجاد فارسي موشى بالرسوم والخيوط المطرزة هناك، كان الخليفة يجلس على عرشه، والتاج يكلل جبينه، وحوله الجنود والحرس، في مهابة عظيمة وصمت ثقيل وتساءلت في داخلي: ما الذي ينقص هؤلاء حتى تنشأ في جوانب هذا الملك كل هذه الصراعات؟ ثم سمعت السؤال أأنت الحلاج الذي يتحدثون عنه؟ قلت بهدوء: نعم يا سيدي. فيما دُعيت إلى هنا؟
أجابني الحاجب أو القائم على الأمر: إن أم الخليفة مريضة. وقد حاول الأطباء علاجها، لكنهم عجزوا عن معرفة علتها ولعلّك تستطيع ما عجزوا عنه، كما سمعنا عنك. ثم أُمر الجنود أن يأخذوني إلى جناح السيدة.
قلت في نفسي: أي أبهة يعيش فيها هؤلاء الخلفاء! وأي ترف بلغوه! لقد سمعت أن أم الخليفة صنعت لولدها مدينة صغيرة من الفضة ليلعب فيها. إنه بذخ لا يكاد العقل يصدقه ترى، ماذا تريد مني امرأة تعيش في هذا النعيم؟ وهل يشكو أصحاب هذا الملك من علل، وهم يمسكون بمقاليد الدنيا؟ إن مجرد النظر إلى هذه المناظر يبعث في النفس أملًا، ويغرس حب الحياة. ففي هذا القصر اجتمعت كل أسباب الراحة، وكل وسائل الترف التي تجعل الحياة الأرضية أقرب إلى الجنة. يكفي أن يجلس المرء أمام هذا الجمال حتى ينسى عناءه، فيخيل إليه أن المرض لا يستطيع الصمود طويلًا أمام كل هذا الحسن.
دخلت ثم جاءت وصيفتها ثَمَل كما ناداها رئيس الخدم، فأشارت إلىه أن ينصرف، وتقدمتني إلى حجرة أم الخليفة. كانت تتكئ على سريرها في أنفة ووقار، كأنها تأبى أن تمرض كما يمرض الناس، أو أن تشكو كما يشكون. أجلستني ثَمَل قريبًا منها. لاحظت في عينيها أثر السهر والإرهاق، ولعل قلة النوم كانت تزيد ما تعانيه من ألم. قالت بصوت متعب: منذ شهور وأنا أعاني هذا المرض… يزداد بي الألم والكرب، ولا يجد له الأطباء تفسيرًا.
كانت تشكو ألمًا في جنبيها، وحرقة شديدة عند التبول. وقد جربت بعض الأعشاب من قبل، فخففت عنها شيئًا من الألم، لكنها لم تقضِ عليه. عندما كنت في الهند، سمعت بشكوى تشبه شكواها، وكان الناس يعالجونها بأعشاب تُغلى وتُشرب في أوقات متفرقة من النهار. وقد احتفظت ببعض تلك الأعشاب معي. استأذنتها أن أعود إليها غدًا، بعد أن أعد دواءً آخر من تلك الأعشاب، لعل الله يجعل فيه الشفاء. فأذنت لي، وأمرت الجنود والخدم أن يسمحوا لي بالدخول متى حضرت، من غير استئذان.
يقول الشيخ: ذهبت في الموعد المحدد، وكان اندهاشي بالقصر قد خف كثيرًا. لم أعد أقف طويلًا أتأمل وأتعجب كما فعلت في المرة الأولى. فأشياء كثيرة تفقد قدرتها على إدهاشنا حين تتكرر أمام أعيننا، مهما بلغت من الندرة والجمال. إنها العادة؛ تتسلل إلى النفوس في خفاء، فتطفئ وهج الدهشة، لكنها لا تنزع منا الرغبة في الاحتفاظ بما ألفناه، ولا الخوف من فقده. دخلت على أم الخليفة، فأحضرت ثَمَل كأسًا، وصببت فيه منقوع الأعشاب، وقلت لها: اشربي منه على جرعات متفرقة، كل فترة قصيرة ثم هممت بالانصراف، لكنها أشارت إليّ أن أجلس وبعد برهة سألتني. أحقٌّ ما يُشاع عنك من المعجزات التي يرويها الناس؟
قلت: لقد أحببت الناس، فأحبوني. استمعت إليهم، وأصغيت لهم، ونصحتهم، فوجدوا عندي ودًّا خالصًا لا غرض فيه ولا منفعة دنيوية. ما أردت إلا صلاحهم وإرشادهم، حين استمعت إليك عرفت موضع الداء وهذا كل ما في الأمر ثم قلت لها: فكثير من الأمراض يبدأ من النفس قبل الجسد. وكم من إنسان غلب مرضه العضوي لأن روحه كانت أقوى منه. إن علة الجسد يسيرة إذا سكنت فيه روح قوية، أما إذا ضعفت الروح، استعصى على الجسد أن يشفى.
أخذت أم الخليفة تستمع إلى حديث الحلاج، حتى مضت ساعات وهي لا تكاد تشعر بمرضها، وكأن الكلمات خففت عنها ما لم تخففه الأدوية. فلما استأذن في الانصراف، أذنت له، على أن يعود إليها في الغد ليواصل علاجها ويتابع حالتها. وبعد ايام قليلة من علاجها بدأت تفتح مغاليق النفوس فمكثت معها، أستمع إليها ساعات طويلة، وقد أدركت حاجتها إلى من تُفرغ له ما في صدرها من خوفٍ وأسرار، لا تُبديه حتى لأقرب الناس.
ومع الأيام، أصبحتُ قريبًا من عالمها الداخلي؛ امرأة جرفها الطموح حتى نسيت ذاتها. كنتُ أفتح لها باب الكلام، فتتكشف أمامي، حتى صارت علاقتنا مبنية على البوح والثقة. وإذا غبتُ، استدعتني بسرعة كأنها لا تهدأ إلا بوجودي.
كنتُ طبيبًا لأرواحهم لا لأجسادهم. فالإنسان، مهما بدا قويًا، تظل روحه أكثر هشاشة من جسده. وحين تُرهق الروح بالصراع، ينعكس ذلك على البدن. كانوا في القصر يملكون المال والسلطان، لكنهم يفتقرون إلى السكينة. الشقاء هنا ليس شقاء الجسد، بل شقاء الروح حين تُثقلها الشهوات والمطامع. وما لم يجد الإنسان قوة داخلية تضبطه، ظلّ أسير أهوائه، ولو بدا سيدًا في الظاهر.
______

رواية-يكتبها-خالد-دومة.png)
تعليقات