د. منجي بدر يكتب: قناة السويس منصة جيواقتصادية تشارك في صنع مستقبل مصر

د. منجي بدر يكتب: قناة السويس منصة جيواقتصادية تشارك في صنع مستقبل مصر


د. منجي بدر يكتب: قناة السويس منصة جيواقتصادية تشارك في صنع مستقبل مصر

يشهد العالم إعادة رسم خرائط التجارة والاستثمار والنفوذ، وأصبح الموقع الجغرافي مصدراً للقوة، بشرط تحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وتمثل الذكرى الحادية عشرة لافتتاح قناة السويس الجديدة في 6 أغسطس 2015 فرصة لتقييم مشروع تجاوز مفهوم التوسعة الهندسية إلى إعادة صياغة الدور الاستراتيجي لمصر في الاقتصاد العالمي.

فبينما فرضت اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر 2023 تحديات مؤقتة على حركة الملاحة، وأكدت حقيقة استراتيجية مهمة هي أن البدائل القائمة لا تستطيع منافسة قناة السويس من حيث الكفاءة والوقت والتكلفة، إذ تضيف الالتفافات حول أفريقيا ما بين 10 و15 يوماً إلى زمن الرحلة، مع ارتفاع كبير في تكاليف الوقود والتأمين والنقل، كما أكدت الأحداث أن قناة السويس ليست مجرد ممر لعبور السفن، وإنما ركيزة لأمن التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وأن الاستثمار في تطويرها كان قراراً استراتيجياً سابقاً لعصره.

ومنذ افتتاحها عام 1869، اختصرت قناة السويس المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو 7 إلى 10 آلاف كيلومتر، وأصبحت في الظروف الطبيعية تستوعب نحو 12 – 15% من التجارة العالمية المنقولة بحراً، ونحو 30% من تجارة الحاويات، فضلاً عن نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، وقد سجّلت القناة أعلى إيرادات في تاريخها بلغت 9.5 مليار دولار خلال العام المالي 2022/ 2023، بما يعكس أهميتها للاقتصاد المصري والتجارة الدولية.

وجاء افتتاح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي لقناة السويس الجديدة عام 2015 ليُؤسس لمرحلة جديدة عبر إنشاء مجرى ملاحي موازٍ وتوسيع وتعميق أجزاء كبيرة من القناة، ثم استكمال تطوير القطاع الجنوبي بعد حادثة السفينة إيفرجيفن عام 2021 وأسهمت هذه المشروعات في تقليص زمن العبور والانتظار وزيادة عوامل الأمان ورفع القدرة الاستيعابية، بما عزّز جاهزية القناة لاستقبال الأجيال الجديدة من السفن العملاقة ورسّخ قدرتها التنافسية على المدى الطويل.

وأصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس القلب الاقتصادي للقناة، حيث تضم 6 مواني بحرية و4 مناطق صناعية متخصّصة وتتمتّع بحوافز استثمارية وتشريعية جعلتها من أسرع المناطق نمواً في جذب الاستثمارات الصناعية واللوجيستية، خصوصاً في قطاعات السيارات والصناعات الهندسية والإلكترونيات والطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، كما شهدت السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية والأرصفة ومحطات الحاويات، بما يُعزّز مكانة المنطقة الاقتصادية كمركز إقليمي للتصنيع وإعادة التصدير.

ويواكب تطوير القناة التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر من خلال التوسّع في مشروعات تموين السفن بالوقود النظيف وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء وربط الموانئ بالخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يُعزز قدرة القناة على الحفاظ على تنافسيتها في ظل المتطلبات البيئية الجديدة لصناعة النقل البحري.

ولن تُقاس القيمة الاستراتيجية لقناة السويس في القرن الحادي والعشرين بعدد السفن العابرة أو حصيلة رسوم المرور فقط، بل بقدرتها على خلق منظومة اقتصادية متكاملة تجعل من مصر مركزاً للإنتاج والتجارة والخدمات والطاقة، وأثبتت التجربة المصرية أن الاستثمار المستمر في تطوير القناة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتعميق التصنيع وجذب الاستثمارات النوعية هو الطريق لتحويل الميزة الجغرافية إلى ميزة تنافسية مستدامة.

وفي عالم يتّجه نحو تعدّدية الأقطاب وإعادة رسم خرائط التجارة تبدو قناة السويس أكثر من مجرد ممر ملاحي، إنها ركيزة لمكانة مصر الاقتصادية والسياسية ومنصة رئيسية لصياغة دورها في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ولم تعد القيمة الحقيقية لقناة السويس في ما يمر عبرها فقط، بل في ما يُنتج ويُستثمر ويُدار حولها.
ولم يكن التطور الأهم في المجرى الملاحي وحده، بل في تغيير فلسفة استثماره، فقد انتقلت مصر من مفهوم «اقتصاد العبور» إلى «اقتصاد القيمة المضافة»، بحيث لا تقتصر العوائد على رسوم المرور وإنما تمتد إلى الخدمات البحرية وتموين السفن والإصلاح والصيانة والتخزين وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالنقل البحري والخدمات الرقمية والطاقة النظيفة.