الناشرين المصريين: هدفنا عدم وصول النزاعات للمحاكم ونعيد الحقوق بالتراضى

الناشرين المصريين: هدفنا عدم وصول النزاعات للمحاكم ونعيد الحقوق بالتراضى

تتعدد النزاعات داخل صناعة النشر بتعدد أطرافها، بداية من الناشر والمؤلف، مرورًا بشركات الشحن والمطابع وموردي الورق، وصولًا إلى الخلافات التي تنشأ بين الناشرين أنفسهم، وفي ظل اتساع حركة النشر والمشاركة في المعارض المحلية والدولية، أصبحت الحاجة إلى آليات واضحة لفض هذه النزاعات والحفاظ على حقوق أطراف صناعة الكتاب أمرًا لا غنى عنه.

وفي هذا السياق، تواصلنا مع محمد العبسي، رئيس لجنة فض المنازعات باتحاد الناشرين المصريين، عن طبيعة القضايا التي تنظرها اللجنة، وآليات التعامل معها، مؤكدًا أن فلسفة العمل تقوم في الأساس على الوصول إلى حلول ودية تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتجنب اللجوء إلى المحاكم قدر الإمكان.

 

نزاعات الشحن.. مشكلات تبدأ من المعارض الخارجية

أوضح رئيس لجنة فض المنازعات باتحاد الناشرين المصريين، أن من أبرز النزاعات التي تصل إلى اللجنة الخلافات بين الناشرين وشركات الشحن، خاصة أن معظم مشاركات الناشرين المصريين في المعارض العربية والدولية تتم خارج مصر، وهو ما يجعل عملية الشحن أحد أكثر المراحل التي قد تشهد مشكلات بين الطرفين.

وقال إن الشكاوى قد تأتي من الشاحن ضد الناشر أو من الناشر ضد الشاحن، وتتعلق في كثير من الأحيان بآليات التعامل نفسها، مثل التأخر في تسليم الكتب، أو عدم سداد المستحقات، أو عدم إعادة الكتب بعد انتهاء المعرض، أو فقدان جزء من الشحنات، مضيفًا أن بعض الحالات قد تصل إلى فقدان عدد من الطرود، وأن الناشر ربما يرسل عددًا معينًا من الطرود، ثم يستلم جزءًا منها فقط، بينما يُفقد الجزء الآخر، وهو ما يستدعي تدخل اللجنة لبحث المسئولية وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

وأكد رئيس لجنة فض المنازعات باتحاد الناشرين المصريين، أن اللجنة تعمل وفق القوانين واللوائح المنظمة داخل الاتحاد، لكنها في الوقت نفسه تضع الحل الودي والتراضي بين الأطراف في مقدمة أولوياتها.

 

لا نريد أن تصل أي مشكلة إلى المحكمة

وشدد “العبسي”، على أن فلسفة اللجنة تقوم على عدم دفع أطراف النزاع إلى ساحات المحاكم، قائلًا إن سياسة اللجنة هي ألا تصل الأمور إلى المحكمة الاقتصادية، موضحًا أن اللجنة لا تتعجل في إنهاء النزاع، وإنما تمنح الأطراف أكثر من فرصة للوصول إلى حل، مضيفًا أنه حتى الطرف الذي لا يحاول التصالح، نعطيه جلسة ثانية وثالثة، إلى أن تهدأ الأمور ونتمكن من الوصول إلى حل.

وأشار إلى أن هذا النهج أثبت نجاحه في عدد كبير من الحالات، مؤكدًا أن الهدف ليس الانتصار لطرف على حساب آخر، وإنما الحفاظ على حقوق أطراف صناعة النشر واستقرار العلاقة بينهم.

 

الناشر والمؤلف.. النزاعات الأكثر حساسية

وانتقل “العبسي”، إلى الخلافات بين الناشر والمؤلف، والتي وصفها بأنها من الملفات الأساسية التي تصل إلى لجنة فض المنازعات، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يرتبط بالناشرين الجدد الذين دخلوا سوق النشر خلال السنوات أو الأشهر الأخيرة.

وأشار إلى ظهور نمط جديد في السوق، يتمثل في لجوء بعض الناشرين والمؤلفين الجدد إلى نموذج النشر على نفقة المؤلف، وهو ما يفتح الباب أمام عدد من الإشكاليات المتعلقة بالحقوق والالتزامات المتفق عليها بين الطرفين.

وأوضح أن بعض الاتفاقات قد تتضمن حصول الناشر على مبلغ مالي مقابل نشر الكتاب، إلى جانب منح المؤلف عددًا من النسخ المجانية ونسبة من العائدات، إلا أن بعض هذه الالتزامات لا يتم تنفيذها على أرض الواقع.

وقال “العبسي”، إن هناك حالات يكون فيها الهدف الأساسي من الاتفاق هو الحصول على المبلغ المالي من المؤلف، ثم لا يحصل الأخير على الخدمات أو الحقوق التي تم الاتفاق عليها، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تظهر بصورة أكبر لدى بعض الناشرين الجدد.

وفي المقابل أكد العبسي أن هناك نماذج ناجحة من الناشرين الجدد الذين يتعاملون مع صناعة النشر بصورة احترافية، ويبحثون عن الأعمال الجيدة والمؤلفين المتميزين، ويتحملون تكلفة إنتاج الكتاب ونشره وفق النموذج التقليدي للمهنة.

 

الناشر هو المخطئ

وأكد “العبسي” أن اللجنة، بعد دراسة النزاعات بين الناشر والمؤلف، تجد في كثير من الحالات أن الخطأ يقع من جانب الناشر، وليس المؤلف، واللجنة تعمل في هذه الحالات على إعادة حق المؤلف بالتراضي، مشيرًا إلى أن بعض النزاعات تصل إلى حالات يحصل فيها الناشر على أموال المؤلف، ثم لا يقوم بطباعة الكتاب أو لا يطرحه في أحد المعارض الكبرى، مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب.

وأضاف أن اللجنة تلزم الناشر في مثل هذه الحالات بأداء حق المؤلف، وقد يصل الأمر إلى إعادة الأموال التي دفعها المؤلف، بحسب طبيعة كل حالة وما تسفر عنه التحقيقات والمستندات المقدمة.

 

عقوبات قد تصل إلى التوقيف والمنع من المعارض

وعن الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضد الناشر غير الملتزم، أوضح “العبسي”، أن الأمر قد يتطور إلى توقيع عقوبات تأديبية في حال عدم الاستجابة لمحاولات الحل، مؤكدًا أن قرار القيد ليس من اختصاص لجنة فض المنازعات، وإنما هو من سلطة مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين، موضحًا أن المجلس يمكنه إصدار قرار القيد وفق الإجراءات واللوائح المنظمة.

وأشار رئيس لجنة فض المنازعات باتحاد الناشرين المصريين، إلى أن الناشر قد يخضع بعد ذلك لعقوبة تأديبية لمدة عام أو عامين، بحسب طبيعة المخالفة، وهو ما يترتب عليه عدم مشاركته في المعارض خلال فترة العقوبة.

 

العقوبة هدفها الإصلاح وليس الإقصاء

وشدد “العبسي”، على أن العقوبة، في فلسفة اللجنة، لا تستهدف إقصاء الناشر من المهنة، وإنما تقويم سلوكه والحفاظ على حقوق باقي الأطراف، موضحًا أن الناشر الذي يصدر بحقه قرار ثم يبادر إلى حل المشكلة، يمكنه التقدم بتظلم، وتتم دراسة موقفه، وفي حال استيفاء الشروط يمكن قبول التظلم وإعادته إلى ممارسة نشاطه.

وأضاف،  أن الهدف النهائي هو حماية صناعة النشر، وليس مجرد توقيع العقوبات، وهناك نماذج من الناشرين الجدد الذين واجهوا مشكلات في بدايات عملهم، ثم جرى تقويم أوضاعهم، وأصبحوا اليوم من الناشرين الجيدين والملتزمين.

 

والعقود والفواتير في مقدمة المشكلات

وأكد “العبسي” أن اختصاص اللجنة لا يقتصر على النزاعات بين الناشر والمؤلف، وإنما يمتد أيضًا إلى الخلافات التي تنشأ بين الناشرين أنفسهم، فهناك مثلا حالات يحصل فيها ناشر على حقوق نشر كتاب من مؤلف، ثم يتبين أن المؤلف سبق أن أبرم عقدًا مع ناشر آخر، وهو ما يستدعي من اللجنة مراجعة العقود والمستندات المقدمة من الأطراف لتحديد صاحب الحق.

وأشار كذلك إلى وجود خلافات تتعلق بعدم سداد الفواتير أو المستحقات، أو حدوث تجاوزات في التعامل بين أطراف المهنة، مؤكدًا أن هذه المشكلات، رغم اختلاف تفاصيلها، تظل في النهاية خلافات مهنية يمكن التعامل معها وفق القواعد المنظمة.

 

حقوق تمتد إلى جميع أطراف الصناعة

وأوضح العبسي أن اللجنة تنظر كذلك في النزاعات بين الناشرين والمطابع، وكذلك الشركات التي توفر مستلزمات صناعة الكتاب، قائلًا إن الناشر إذا تعامل مع مطبعة ولم يسدد مستحقاتها، تتدخل اللجنة للمساعدة في إعادة حق المطبعة، والأمر نفسه ينطبق على شركات توريد الورق، فإذا حصل ناشر على الورق ولم يسدد قيمته، فإن حق المورد يصبح أيضًا محل نظر أمام اللجنة، كما أن فلسفة اللجنة تقوم على حماية الحقوق داخل منظومة النشر بالكامل، وليس حماية طرف واحد فقط.

وأكد العبسي أن الخلافات داخل صناعة النشر طبيعية، مثلها مثل أي مهنة أخرى، لكن الفارق يكمن في وجود آلية داخل اتحاد الناشرين المصريين تسمح بالتعامل معها ومحاولة حلها قبل أن تتفاقم، واللجنة، بفضل جهود أعضائها، تمكنت من حل عدد كبير من النزاعات، مشيرًا إلى أن العلاقة الطيبة التي تربطه بأعضاء الجمعية العمومية وأبناء المهنة تساعد في تهدئة الكثير من المشكلات والوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف.

وأضاف، أن نجاح اللجنة لا يعود إلى شخص واحد، وإنما إلى جميع أعضائها، مؤكدًا أن بينهم أصحاب خبرات وكفاءات كبيرة، وأن العمل الجماعي هو أحد أهم أسباب قدرتها على احتواء النزاعات.

 

المحكمة الاقتصادية.. الحل الأخير

وشدد “العبسي”، على أن وصول أي نزاع إلى المحكمة الاقتصادية يمثل بالنسبة إليه أمرًا مؤسفًا، لأن الهدف الأساسي هو حل المشكلة داخل إطار الاتحاد، موضحًا أن الطرف الذي لا يستجيب لقرارات اللجنة أو يرفض الحلول المقترحة يمكن أن تستمر الإجراءات ضده وفق اللوائح، وقد يصل الأمر في النهاية إلى القضاء.

وأشار إلى أن الطرف المتضرر لا يتجه إلى المحكمة الاقتصادية مباشرة في هذه الحالات، وإنما يستلزم الأمر تقريرًا من اللجنة، موضحًا أن لجنة فض المنازعات تدرس النزاع وتعد تقريرها، ثم يتم التعامل معه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، والمحكمة هي التي قد تخاطب الاتحاد للحصول على التقرير، ويقوم الاتحاد بإرساله إليها، مؤكدًا أن هذه الحالات نادرة للغاية.

 

حالتان خلال عشر سنوات

وكشف “العبسي” أن النزاعات التي وصلت فعليًا إلى المحكمة الاقتصادية خلال فترة عمله في اللجنة كانت محدودة للغاية، قائلًا: إنه يعمل في اللجنة منذ أربعة دورات، وإنه خلال نحو عشر سنوات لم تصل الأمور إلى المحكمة الاقتصادية، إلا في حالة أو حالتين تقريبًا.

وأكد أن الهدف الأساسي للجنة هو الحفاظ على استقرار صناعة النشر، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وإتاحة الفرصة أمام أطراف النزاع للوصول إلى حلول ودية قبل اللجوء إلى الإجراءات القانونية، لافتًا إلى أن نجاح اللجنة في احتواء هذه النزاعات هو ثمرة جهود أعضائها جميعًا، مؤكدًا: الفضل ليس لي وحدي، فأنا معي أعضاء في اللجنة على درجة كبيرة من الكفاءة، وربما يكون بينهم من هو أكفأ مني.