يعد مرقس باشا سميكة (1864-1944) واحدًا من أبرز رواد الدراسات القبطية في مصر، وصاحب الفضل في تأسيس المتحف القبطي، بعدما قاد مشروعًا طموحًا لجمع التراث القبطي الموزع بين الكنائس والأديرة، وحمايته من الضياع، ليؤسس أول متحف متخصص في حفظ وعرض الآثار القبطية.
نشأ مرقس سميكة في أسرة قبطية ميسورة، وتلقى تعليمه في مدرسة الأقباط الكبرى، حيث درس اللغات العربية والقبطية واليونانية، قبل أن يلتحق بمدارس الفرير لتعلم الفرنسية، وأسهمت دراسته المبكرة للغة القبطية في تنمية اهتمامه بتاريخ الكنيسة وآثارها، وهو الشغف الذي لازمه طوال حياته.
وبعد الاحتلال البريطاني لمصر، عمل سكرتيرًا في مستشفى تطوعي لعلاج الجنود البريطانيين، ثم التحق بمصلحة السكك الحديدية عام 1883، إلا أن اهتمامه الحقيقي ظل منصبًا على التراث القبطي، متأثرًا بكتابات المؤرخ البريطاني ألفريد بتلر والباحث سومرز كلارك، اللذين تناولا تاريخ وآثار الكنيسة القبطية.
جامع التراث المسيحي
وخلال زياراته للكنائس، لاحظ سميكة اختفاء كثير من القطع الأثرية القديمة، واستبدال بعض الكنائس بطرازات حديثة، فبدأ يطالب بضرورة حماية هذا التراث وإخضاع الكنائس الأثرية لإشراف لجنة حفظ الآثار.
وجاءت نقطة التحول في عام 1908، عندما زار البابا كيرلس الخامس، ليجده يشرف على صهر أوانٍ فضية أثرية تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر لإعادة استخدامها. عندها عرض سميكة دفع قيمتها المالية، مقابل الاحتفاظ بها كنواة لمتحف يحفظ التراث القبطي، فوافق البابا على الفكرة، لتبدأ أولى خطوات إنشاء المتحف القبطي.
وبعد ذلك انطلق سميكة في رحلة طويلة زار خلالها الكنائس والأديرة، لجمع المخطوطات والأيقونات والمنسوجات والأدوات الكنسية والقطع الأثرية. كما نجح في الحصول على تبرعات من شخصيات قبطية بارزة، ورجال الدين، والأمير حسين كامل، إضافة إلى دعم مالي من الحكومة المصرية.
واختار سميكة إقامة المتحف بجوار الكنيسة المعلقة وكنيسة أبي سرجة في منطقة مصر القديمة، لما تمثله من قيمة تاريخية ودينية، وافتتح المتحف القبطي رسميًا في 14 مارس 1910، ليصبح أول مؤسسة متخصصة في حفظ وعرض التراث القبطي في مصر.
ولم تقتصر جهوده على تأسيس المتحف، بل امتدت إلى تنظيم مكتبات الأديرة القبطية وفهرسة مخطوطاتها، حفاظًا عليها من التلف والضياع، وهو المشروع الذي نُفذ في عهد البابا يؤانس التاسع عشر، وأسهم في توثيق جانب مهم من التراث المسيحي المصري.
وبفضل هذه الجهود، تحول المتحف القبطي إلى أحد أهم المتاحف المتخصصة في العالم، إذ يضم آلاف القطع الأثرية التي توثق تطور الفن والعمارة والحياة الدينية في مصر خلال العصر القبطي، وظل اسم مرقس سميكة مرتبطًا بهذا الإنجاز الذي حفظ جانبًا أصيلًا من ذاكرة مصر الحضارية.


تعليقات