النهل من التراث الإماراتي هو جانب مهم من اهتمامات الفنانين الإماراتيين، ذلك أن هذا التراث يعد مصدراً مهماً من مصادر الإلهام الفني، وفي هذا السياق لدينا لوحة للفنانة الإماراتية بدور آل علي، وهي تصور ثلاث فتيات يرتدين أزياء تراثية ملونة ويجلسن متجاورات على أرجوحة، ومن دون شك، فإن هذه اللوحة تبرز جماليات الزي والملبس الإماراتي التراثي.
هي لوحة تتميز بتفاصيلها الجمالية، فهناك الأرجوحة الخشبية وأجواء الطفولة التي تعيد المشاهد إلى أجواء الاحتفالات الشعبية الإماراتية كالأعياد والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
ومن الملاحظ أن هذه اللوحة مفعمة بعناصر التراث، خاصة من خلال اللباس الذي ترتديه الفتيات من (المخاوير)، وهي أثواب تقليدية زاهية اللون ومطرزة بالخيوط الذهبية، حيث الفساتين التي تتوزع ما بين الوردي، والأحمر المقلم، والأزرق الداكن، وهناك الحلي التقليدية الظاهرة، فالفتيات هنا، تتزين رؤوسهن بحلية تقليدية ذهبية اللون كما هو واضح على الجبهة والشعر، فضلاً عما يظهر على صدور الفتيات من قلائد ذهبية عريضة.
أسلوب
من الواضح أن الفنانة بدور آل علي قد اتبعت أسلوباً يميل إلى المدرسة الانطباعية الحديثة، حيث تظهر ضربات الفرشاة واضحة وعريضة من دون تركيز دقيق على ملامح الوجوه، ما يعطي العمل طابعاً تعبيرياً يركز على الروح، والألوان، والحركة، بدلاً من التفاصيل الواقعية البحتة، والفنانة تبدع هنا، في توظف التباين بين الألوان الحارة للأثواب (الوردي والأحمر) واللون البارد (الأزرق والرمادي في الخلفية) وهذا يمنح اللوحة حيوية وعمقاً بصرياً جاذباً.
تكوين
اعتمدت الفنانة بدور آل علي في اللوحة تكويناً فنياً حرص على تجميع الفتيات الثلاث في كتلة مركزية واحدة، تشكل بؤرة العمل الفني، وهذا من شأنه أن يجذب عين المشاهد إلى المنتصف مباشرة، أما الحبال العمودية الظاهرة في الأرجوحة، التي حرصت الفنانة على جعلها ممتدة مع الخطوط الطولية في الأثواب، فقد منحت المشاهد شعوراً بالامتداد والاتزان، أما التباين بين الكتلة الأمامية الملونة للفتيات والخلفية الرمادية المجردة، فهو يبرز العمق البصري في اللوحة، الذي من شأنه أن يبرز تفاصيل العناصر التراثية ويمنحها الصدارة.
التوازن في اللوحة التي أمامنا، هو توازن غير متماثل، فعلى الرغم من عدم تطابق الجانبين الأيمن والأيسر، فإن اللوحة تحقق توازناً بصرياً عادلاً، وتوزيع الكتل بهذا الشكل المدروس، يخلق إيقاعاً بصرياً كما يتجلى في توزيع الحلي الذهبية على رؤوس وصدور الفتيات الثلاث، وهذا التوازن ينتقل بسلاسة عبر كامل اللوحة، حيث استخدمت الفنانة تبايناً قوياً في الألوان بين الألوان الحارة الزاهية (الوردي، الأحمر، والذهبي) والألوان الباردة والمحايدة (الأزرق الداكن للثوب، والرمادي والأبيض في الخلفية)، ما يعزز حيوية المشهد ويكسر الرتابة.
الحس اللوني عند الفنانة بدور آل علي يظهر في جاذبية ثوب الفتاة الوسطى (الأحمر المائل للبرتقالي) وتناغمه مع الثوب الأزرق المجاور له، وهي ألوان تزيد من توهج بعضها، كما أن اللمسات الذهبية تضفي على الحلي والمخاوير بريقاً خاصاً، وهي تعكس الضوء الساقط على البنات في اللوحة، ما يمنح اللوحة بعداً احتفالياً مبهجاً.
يمكن ملاحظة أن البنات في هذا العمل الفني الجميل، يشكلن الكتلة المركزية في اللوحة، وهو ما يجذب عين المشاهد مباشرة إلى المركز، حيث تلاشت تفاصيل الخلفية تماماً لصالح شخصيات العمل، وهذا يمنع تشتت العين من خلال ما ظهر من تكوين فني متراص، وكأن الفتيات الثلاث يشكلن كتلة بشرية واحدة.
إضاءة
بدور آل علي فنانة تهتم بإبراز التراث الإماراتي، في أعمالها تمزج بين أكثر من مدرسة فنية، فهناك لوحات تدمج بين الواقعية والتأثيرية، وأخرى بين الانطباعية والواقعية والتجريدية التعبيرية، اهتمامها بزي المرأة الإماراتية، أكسب لوحاتها طابعاً حيوياً وثقت من خلاله الهوية البصرية لهذا الموروث الغني.

تعليقات