شواغل المواطن وهمومه!

شواغل المواطن وهمومه!

السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم: هل تدرك الحكومة كيف يفكر المواطن؟ وهل تسمع صوته قبل أن تسمع أرقام التقارير والمؤشرات؟ وهل يشعر المسؤول بما يشعر به الأب الذي يقف حائرًا بين فاتورة الكهرباء واحتياجات أطفاله؟ وهل يمكن لأسرة محدودة الدخل أن تنظر إلى زيادة جديدة باعتبارها مجرد إصلاح اقتصادي، بينما تراها اقتطاعًا جديدًا من قدرتها على الحياة؟

استوقفتني كلمات الدكتور محمد الكحيل على صفحته بفيس بوك والتي صوّر فيها ببراعة حال المواطن الذي لم يعد يجد في قلبه متسعًا للخوف من الحروب، لأن هموم المعيشة استنفدت طاقته على القلق. 

كانت صورة ساخرة لكنها موجعة؛ رجل لا يشغله خبر طائرة مسيّرة قطعت آلاف الكيلومترات بقدر ما يشغله سؤال أكثر إلحاحًا: هل يستطيع شراء كيلو لحم؟ 

ومن هذه الفكرة البليغة تنفتح أبواب أسئلة أكبر، لا عن الحرب وحدها، بل عن تلك الحرب اليومية التي يخوضها ملايين الناس مع الغلاء، وفواتير الخدمات، وقرارات اقتصادية لا تكاد تمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس.

فبينما كانت الفضائيات مشغولة بأمر الحروب التي تدفع بالمنطقة كلها لحافة الهاوية، كان رجل الشارع ينظر إلى إشعار شركة الكهرباء الذي حمل زيادة جديدة في الأسعار، وكأنه البيان العسكري الحقيقي الذي سيغير معادلة حياته. لم يسأل عن مدى الطائرة، ولا عن نوع الصاروخ، ولا عن احتمالات التصعيد، وإنما سأل نفسه: من أين سأدبر فرق الفاتورة؟ وأي بند آخر سأحذفه من ميزانية البيت التي لم يعد فيها ما يُحذف؟

أي مفارقة هذه؟ العالم يتحدث عن حرب قد تقع، بينما المواطن يعيش حربًا قائمة بالفعل. حرب لا تُستخدم فيها الطائرات ولا المدافع، وإنما تُستخدم فيها الأرقام والفواتير والأسعار. حرب لا تُذاع لها بيانات عاجلة، لكنها تدخل كل بيت مع أول كل شهر.

لقد أصبح المواطن يشعر، بحق أو بغير حق، أنه لم يعد شريكًا في التنمية، بل ممولًا دائمًا لفاتورتها. وكلما واجهت الموازنة العامة ضغوطًا، أو ارتفعت أعباء خدمة الدين، أو ازدادت الالتزامات المالية، كانت اليد تمتد إلى الجيب نفسه، جيب المواطن. 

حتى ترسخ لدى كثيرين انطباع بأن الدولة تتعامل معه أحيانًا كأنه عميل لدى شركة خدمات، أو بنك مفتوح يُسحب منه كلما احتاجت الخزانة إلى سيولة، لا باعتباره الغاية الأولى لكل سياسة اقتصادية.

وهنا يبرز سؤال لا يجوز الهروب منه: إلى متى يظل المواطن هو الحلقة الأسهل؟ ولماذا يصبح العلاج في كل مرة زيادة الرسوم أو الأسعار أو الأعباء؟ وهل انتهت كل وسائل الإصلاح الأخرى حتى لم يبق إلا جيب المواطن؟

لا أحد ينكر أن إدارة الاقتصاد في عالم مضطرب مهمة شاقة، وأن الدول جميعًا تواجه تحديات غير مسبوقة. لكن الفرق بين إدارة وأخرى، ليس في وجود الأزمة، وإنما في كيفية توزيع كلفتها. 

 

فهناك دول واجهت أزمات طاقة وتضخم وديون، لكنها بدأت أولًا بمراجعة الإنفاق العام، وتقليص الهدر، وإعادة ترتيب الأولويات، ورفع كفاءة المؤسسات، ومحاربة الاحتكار، قبل أن تطلب من المواطن أن يتحمل نصيبًا من الكلفة. وفي دول أخرى اقترنت قرارات رفع الأسعار بحزم حماية اجتماعية وتعويضات مباشرة، حتى لا يشعر المواطن بأنه وحده من يدفع الثمن.

أما عندنا، فيتكرر السؤال نفسه مع كل قرار: هل تمت مراجعة كل أبواب الإنفاق قبل الوصول إلى جيب المواطن؟ وهل جرى تقييم أثر القرار على الطبقة الوسطى التي تتآكل عامًا بعد عام؟ وهل أصبحت القدرة على الاحتمال موردًا لا ينضب في تقديرات صانع القرار؟

إن الحس السياسي لا يقل أهمية عن الحس الاقتصادي. فالأرقام قد تقول إن القرار صحيح حسابيًا، لكن السياسة تسأل: هل المجتمع قادر على تحمله؟ وهل توقيته مناسب؟ وهل يشعر الناس بأن الدولة تحمل معهم العبء، أم أنهم يحملونه وحدهم؟ فالدول لا تُدار بالمعادلات المالية وحدها، وإنما تُدار أيضًا بثقة الناس، وهذه الثقة تُبنى بالعدل، والمصارحة، والإحساس بمعاناة المواطنين.

 

لقد بلغ الإرهاق بالناس حدًا جعلهم لا يخافون من أخبار الحرب بقدر خوفهم من رسالة على الهاتف تُخبرهم بفاتورة جديدة، أو زيادة جديدة، أو رسم جديد. فالصاروخ قد يسقط وقد لا يسقط، أما الفاتورة فلا تخطئ عنوانها أبدًا.

 

ولذلك، إذا رأيت مواطنًا يغلق التلفاز أثناء الحديث عن أخطار المنطقة، فلا تتهمه باللامبالاة، فهو ليس غافلًا عما يجري، لكنه يعلم أن معركته تبدأ صباح كل يوم، حين يحسب ما بقي من راتبه، وما ارتفع من الأسعار، وما تبقى من أحلامه.

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم مشروعاتها، ولا بطول طرقها، ولا بارتفاع أبراجها، وإنما تُقاس أيضًا بقدرة مواطنيها على العيش بكرامة، وبشعورهم أن دولتهم تحميهم قبل أن تطلب منهم المزيد، وتخفف عنهم قبل أن تحملهم أعباءً جديدة، وتعتبر الإنسان أغلى استثمار، لا مجرد رقم في خانة الإيرادات.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا: متى يشعر المواطن أن القرارات الاقتصادية تُصنع من أجله، لا على حسابه؟ ومتى تصبح فاتورة الإصلاح موزعة بعدالة بين الجميع، بدلًا من أن يظل الرجل البسيط هو أول من يدفع، وآخر من يجني الثمار؟