لا تكاد تخلو التعبيرات الكورية اليومية من حضور الملعقة، إذ تظهر فى العديد من الأمثال والتوجيهات المرتبطة بالعادات الاجتماعية، فمن المعروف فى آداب تناول الطعام أنه لا ينبغى رفع الملعقة قبل أن يبدأ أكبر شخص على المائدة بتناول الطعام، كما يستخدم الكوريون تعبير “وضع الملعقة على الطاولة” للإشارة إلى شخص يتدخل فى اللحظة الأخيرة لينسب لنفسه الفضل فى عمل أنجزه غيره.
وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب مصطلحا “الملعقة الذهبية” و”الملعقة الترابية” انتشارا واسعا باعتبارهما استعارتين تعبران عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التى يولد فيها الشخص، ويعود هذا الحضور القوى للملعقة فى الثقافة الكورية إلى مائدة الطعام نفسها، بحسب koreaherald.

تُعرض ملاعق معدنية منقوشة بعبارة تشيونغيه سامنيون
ثقافة طعام تتمحور حول الملعقة
قال كيم مين تشول، القيم المساعد فى المتحف الوطنى الكورى، أن كوريا طورت ثقافة طعام تتمحور حول الملعقة، موضحا أنه رغم استخدام عيدان الطعام أيضا، فإن هناك ميلا واضحا لإعطاء الأولوية للملعقة، ويشرف كيم على المعرض الجديد للمتحف بعنوان “المائدة الكورية.. الطعام والطبيعة والحياة”، وهو أول معرض شامل يتناول ثقافة الطعام الكورية.
وبحسب كيم فإن اعتماد الملعقة كأداة رئيسية لتناول الطعام يميز كوريا عن الصين واليابان، حيث يستخدم الأرز عادة مع عيدان الطعام، بينما تقتصر الملاعق غالبا على الحساء والأطباق التى تعتمد على المرق.
وأضاف أن كوريا تتميز بين دول شرق آسيا باستخدام الملعقة لتناول كل من الأرز والحساء، وتتكون الوجبة الكورية التقليدية عادة من الأرز الذى يقدم على اليسار، والحساء على اليمين، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأطباق الجانبية، لذلك تستخدم الملعقة وعيدان الطعام طوال الوجبة، بينما لا تقتصر وظيفة الملعقة على الحساء فقط، بل تمتد أيضا إلى تناول الأرز.
وتبرز أطباق كورية شهيرة مثل “البيبيمباب” أهمية الملعقة، إذ يتم خلط الأرز والخضروات واللحم والصلصة معا قبل تناول الطبق باستخدام الملعقة باعتبارها الأداة الأساسية.

صورة من معرض المائدة الكورية الطعام والطبيعة والحياة في المتحف الوطني
تاريخ يمتد لأكثر من ألف عام
طرح الباحثون عدة تفسيرات لسبب تحول الملعقة المعدنية إلى الأداة الرئيسية لتناول الطعام فى كوريا، ومن أبرزها ارتباطها بثقافة الطعام التى تعتمد على الحساء، والذى ظل لقرون جزءا أساسيا من الوجبات.
وكتبت جونغ هاى كيونغ، فى كتالوج معرض المتحف الوطنى الكورى، أن المطبخ الكورى يضم تنوعا كبيرا من أنواع الحساء، سواء المصنوع من اللحوم والأسماك أو المحضر من مختلف الخضراوات، وأوضحت أن الملاعق المعدنية لم تكن أكثر متانة وصحة فحسب، بل جعلت أيضا تناول المرق الساخن أكثر سهولة، وهو ما أسهم فى انتشار استخدامها مع مرور الوقت.
ويعود تاريخ الملعقة الكورية إلى أكثر من 1000 عام، إذ عثر على ملاعق معدنية فى مواقع أثرية تعود إلى فترة الممالك الثلاث، كما تطور تصميمها عبر العصور، فكانت الملاعق النحاسية شائعة خلال عهدى غوريو وجوسون، وتميزت ملاعق غوريو بمقابضها النحيلة والمستطيلة التى انتهى كثير منها بأطراف تشبه ذيل السنونو، بينما اتخذ تجويفها انحناءة على شكل حرف S.
أما فى عهد جوسون، فقد اقترب شكل الملعقة من تصميمها المعروف حاليا، وفى كتاب “يولها إيلجي” الذى ألفه الباحث بارك جى وون فى القرن الـ18، وصف تجويف الملعقة الكورية بأنه يشبه “ورقة صفصاف صغيرة”.

ملاعق كورية حديثة
من النحاس إلى الفولاذ المقاوم للصدأ
خلال القرن الـ20، بدأ الفولاذ المقاوم للصدأ يحل تدريجيا محل النحاس فى كثير من المنازل، لكونه أقل تكلفة وأكثر متانة وأسهل فى الصيانة، واليوم، تعد أطقم الملاعق وعيدان الطعام من أكثر الهدايا شيوعا فى حفلات الانتقال إلى منزل جديد وأعياد الميلاد الأولى.
وأشار كيم مين تشول إلى أنه رغم تطور شكل الملعقة عبر الزمن، فإن إحدى سماتها ظلت ثابتة بشكل لافت، وهى تجويفها الضحل، الذى يسهل تناول الحساء وحبوب الأرز معا فى كل ملعقة.

ملاعق معدنية من القرن العشرين معروضة في المتحف الوطني الكوري في سيول

تعليقات