خالد دومة يكتب: في الصيف – طه حسين

خالد دومة يكتب: في الصيف – طه حسين


هل للجمال مقياس خارج نفس الإنسان، أم أنه ينبع من داخله، من خياله، ومن فيض مشاعره وأحاسيسه؟ ولماذا يرى أحدنا في الشيء جمالًا، بينما يراه آخر عاديًا لا يثير فيه شيئًا؟ وهل الجمال صفة كامنة في الأشياء، أم أنه عينٌ تبصرها النفس قبل أن تبصرها العين؟
إن نصيب الإنسان من الإحساس بالجمال هو نصيبه من الحياة نفسها؛ فكلما اتسعت قدرته على تذوقه، اتسعت مساحة الحياة في روحه، وكلما ضاق هذا الإحساس، ضاقت الحياة في نفسه، مهما طال به العمر.
سطر الأديب الكبير طه حسين صفحات هذا الكتاب وهو يستعيد خواطره ومشاعره خلال رحلاته الصيفية إلى فرنسا، حيث كان يقضي فصل الصيف على الضفة الأخرى من البحر. وفي تلك الرحلات السنوية تستيقظ الذكريات، وتتداعى إلى ذهنه صور الماضي ومواقفه، فتختلط مشاهد الحاضر بأصداء العمر الذي مضى.
تمر السنوات على الإنسان، لكن الذكريات تبقى عالقة في النفس، تهيج المشاعر كلما مرت الخواطر بتلك الأماكن التي شهدت أيامًا من حياته. فلكل مرحلة من العمر أثرها الخاص؛ للعشرينيات ذكرياتها، وللثلاثينيات شأنها، وللأربعينيات حديثها. سنوات محن وسنوات منح، وبينهما تدور رحى الذكريات، فتتذكر النفس وتأسف، وتفرح وتبتسم، وتحزن وتحن. أيام عسيرة تتبعها أيام انفراج، لكنها في النهاية تشكل حياة الإنسان، وتمنحه ما يخرج به من تجارب وخبرات.
ويجد القارئ حديثًا متنوعًا ممتعًا عن الأحداث التي مر بها الكاتب، ووصفًا زاخرًا بالجمال للبحر والهواء والطبيعة من حوله. فهو لا يكتفي برؤية الأشياء، بل ينقل ما تحدثه في نفسه من أثر، حتى كأن القارئ قد رآها بعينيه وعاينها بنفسه. وما يقع في نفس الكاتب من إحساس دقيق ينتقل إلى قارئه فيبعث فيه شعورًا عميقًا بما يدور حوله.
وتندهش حين ينقل إليك خواطره، فتدرك أن ما يدور في عقول هؤلاء العمالقة من الأدباء إنما هو فيض من الشعور المرهف والإحساس العميق، لا نجده عند كثير من الناس الذين يحيطون بهم ويشاركونهم السفر والترحال. فهم يرون ببصيرتهم أضعاف ما نراه بأبصارنا، ويقع في نفوسهم من المعاني والانفعالات أضعاف ما يقع في نفوسنا.
إنه ينقل إلينا جزءًا من حياته، واصفًا أدق المشاعر التي تعتريه، ويستنطق الأشياء من حوله حتى تكاد تخبره بما لم تخبر به غيره. ومن هنا تأتي متعة الكتاب؛ فهو ليس مجرد وصف لرحلة أو أماكن، بل رحلة في الذاكرة والوجدان، يكشف لنا من خلالها طه حسين كيف تتحول التجارب العابرة إلى تأملات عميقة تبقى مع الإنسان ما بقي العمر, وكيف يصبح الجمال وسيلة لفهم النفس والحياة.