غواصي الموت.. حكاية “الكساب ودولار” في رحلة انتشال الغرقى من أعماق النيل (فيديو وصور)

غواصي الموت.. حكاية “الكساب ودولار” في رحلة انتشال الغرقى من أعماق النيل (فيديو وصور)

بعد سنوات من العمل في صمت، أصبح اسم “الكساب ودولار” معروفا لدى آلاف الأسر المصرية، باعتباره الأمل الأخير في استعادة ذويهم من أعماق النيل والترع والبحيرات.

فمن خلال فريق “غواصي الخير”، تطوع عدد من الغواصين المحترفين لانتشال جثامين ضحايا الغرق دون أي مقابل مادي، ليصبحوا خلال السنوات الأخيرة أحد أشهر فرق البحث والانتشال في مصر.

 

وراء هذا الاسم حكاية بدأت بغواصين جمعتهما الخبرة وحب المهنة، قبل أن تتحول إلى رسالة إنسانية يتركون من أجلها أعمالهم فور تلقي أي استغاثة، متجهين إلى مواقع الغرق في مختلف المحافظات، غير عابئين بظلام المياه أو قوة التيارات أو المخاطر التي تنتظرهم تحت السطح.

 

صعوبات تواجه غواصين الخير فى النيل

 

الرؤية تكاد تكون معدومة، والغواص يعتمد على حاسة اللمس فقط. تحت الماء تنتشر أسياخ الحديد، والزجاج المكسور، والأشجار الغارقة، وشباك الصيد، والمراكب القديمة، فضلا عن الثعابين والأسماك السامة والمخاطر التي قد تظهر فجأة من قلب الظلام.

 

ورغم قصص الرعب التي عاشها في الأعماق، والأصوات الغامضة التي سمعها هو وغواصون آخرون أثناء البحث، ورغم الشعور أحيانا بأن أحدا يسير خلفه في قاع النهر، إلا أنه يعود دائما إلى الماء من جديد.

 

يقول الغواص مصطفى كساب: “كنت وحيد والدي، وكانت بيوتنا بجوار النيل، ومن شدة خوفه علي علمني السباحة والغوص منذ سن صغيرة جدا. كنت أغوص دون معدات وأصطاد السمك بيدي.”

 

ويضيف أن والده كان مثله الأعلى، خاصة بعدما شاهده بعينيه ينقذ منقذا وغريقا في وقت واحد، وهو المشهد الذي زرع بداخله عشق البحر والنيل حتى أصبح جزءا من حياته، لكن حادثة غرق أحد الأطفال أثناء السباحة معهم تركت أثرا عميقا في نفسه، وجعلته يدرك مبكرا أن المياه تخفي وجها آخر لا يراه الكثيرون.

 

وبعد سنوات، انتقل كساب إلى مدينة شرم الشيخ، حيث حصل على دورات متخصصة في الإنقاذ البحري وعمل “لايف جارد”، ثم أكمل تدريباته في الغوص الاحترافي، وعمل لسنوات طويلة في مجال الغوص بالبحر الأحمر، قبل أن يجتمع مع الكابتن دولار، ويؤسسا الفريق الذي عرفه المصريون لاحقا باسم “غواصي الخير”.

 

كانت أولى المهمات الكبرى للفريق عندما سقط أحد أقارب صديق له من مركب صيد وغرق في بحيرة ناصر بأسوان، يقول مصطفى: “قلت لهم إن المهمة شديدة الخطورة، وقد لا نجد الجثمان أصلا، لأن بحيرة ناصر تضم واحدة من أكبر تجمعات التماسيح في المنطقة، وممكن تكون التماسيح أكلت الجثمان.”

 

لكن الأسرة أصرت على الاستعانة بالفريق، فتوجهوا إلى موقع البلاغ، وقبل النزول دعوا الله بالحفظ، ثم جمعوا الزوارق في دائرة حول المنطقة المحتمل وجود الغريق بها، حتى بدأت فقاعات الهواء تتصاعد إلى سطح المياه، وهي علامة يعتمد عليها الغواصون في تحديد مكان الجثمان، ليتمكن الفريق في النهاية من انتشاله.

 

ومنذ ذلك الوقت توالت المهمات الصعبة في النيل والترع والبحيرات ومناطق الغرق المختلفة في أنحاء مصر.

 

مع كل بلاغ أسرة تنتظر

 

ويقول مصطفى: “في كل بلاغ جديد، هناك أسرة تنتظر، أم لا تنام، أب يتمسك بأمل أخير، وأطفال يريدون فقط أن يعود أحباؤهم إلى البيت مرة واحدة.”

 

ولهذا يواصل مصطفى وفريقه المهمة التي يؤكدون أنها “لوجه الله”، دون مقابل من الأسر سوى توفير وسيلة انتقال للمعدات والغواصين، فمن وجهة نظره لا شيء أصعب من أن يجتمع على أهل الغريق ألم الفقد وتكاليف البحث.

ويصف مصطفى الأمر قائلا: “الغواص في النيل أعمى وسط بحر من الظلمات”، مشيرا إلى أن عمليات البحث قد تستمر أياما طويلة دون نتيجة، بينما تقف الأسر على الشاطئ تنتظر أي خبر، مؤكدا أن أصعب اللحظات ليست الخوف أو الإرهاق، وإنما لحظة البحث نفسها، أما لحظة العثور على الجثمان فهي لحظة تختلط فيها الدموع بالراحة، بعدما ينتهي انتظار قد يستمر أياما أو أسابيع.

 

 “أنا ما كنتش بدور على الجثث.. الجثث هي اللي كانت بتدور عليا”،، بهذه الكلمات يلخص سنوات طويلة قضاها بين الماء والحزن، مسترجعا أول صدمة عاشها وهو طفل عندما عثر بالصدفة على جثمان غريق، ثم تكرر المشهد بعد ثلاث سنوات في رأس البر، عندما اصطدمت يده أثناء السباحة برأس إنسان متوفى ظل الجميع يبحث عنه أياما، فخرج مسرعا وأرشد المنقذين إلى مكانه.

 

ولم تكن تلك آخر صدماته، فبعدها بعام أو عامين، وبينما كان يغوص مع أصدقائه في مياه النيل، مد يده أسفل شجرة غارقة، فإذا به يمسك رأس إنسان دون جسد، في مشهد أصابه بالذعر ودفعه إلى الهروب، بينما فر أصدقاؤه من المكان.

 

ورغم كل تلك المواقف، يؤكد مصطفى أنه لم يقرر يوما أن يصبح غواصا متخصصا في البحث عن الغرقى، لكنه وجد نفسه يسير في هذا الطريق خطوة بعد أخرى، ويقول: “ربنا هو اللي رسم الطريق، وأنا ماشي فيه.”

ويشير إلى أن بعض الأسر التي انتشل جثامين أبنائها لا تزال تتواصل معه حتى اليوم، وأن هناك أمًا كلما هاتفته تبكي وتقول له: “أنا بشم ريحة ابني فيك.”

 

ويؤكد أن العمل في النيل يختلف تماما عن الغوص الترفيهي، بسبب شدة التيارات وضعف الرؤية وكثافة الحشائش والعوائق الموجودة تحت سطح المياه، حيث يعتمد الغواص على خبرته وإحساسه بالمكان أكثر من اعتماده على عينيه.

 

العمل طوعي بدون مقابل مادي

ورغم أن الفريق يعمل باحتراف في مجال الغوص التجاري والإنشاءات البحرية، فإن عمليات البحث عن الغرقى وانتشال الجثامين تتم بشكل تطوعي كامل، حيث يقول: “لا نتقاضى أي أجر مقابل انتشال جثامين الغرقى، وكل ما نطلبه من أهل المتوفى هو توفير وسيلة انتقال للمعدات والغواصين.” ولهذا السبب أطلق عليهم الأهالي اسم “غواصي الخير”.

أغرب القصص التي واجهها

 

ورغم عشرات المهمات التي شارك فيها فريق “الكساب ودولار”، لا يزال مصطفى كساب يتذكر واحدة من أغرب الوقائع التي مر بها خلال سنوات الغوص.

 

يقول إنه نزل إلى المياه للبحث عن جثمان في منطقة معروفة بكثرة الدوامات، وأثناء البحث شعر فجأة بأن حبل الأمان يُسحب بقوة، فصعد إلى السطح معتقدا أن زملاءه يستدعونه، لكنه فوجئ بهم يؤكدون أنهم لم يفعلوا ذلك.

 

اتفق “كساب”معهم على أنه إذا احتاجوا لاستدعائه فعليهم سحب الحبل عشر مرات متتالية، وعاد إلى المياه، وبعد دقائق شعر بالحبل يُسحب عشر مرات كاملة، فصعد مرة أخرى، إلا أن أفراد الفريق أقسموا للمرة الثانية أنهم لم يسحبوا الحبل.

 

ورغم شعوره بالقلق، قرر النزول للمرة الثالثة، لكنه شعر هذه المرة بصداع شديد وضغط كبير، وظن أن السبب هو تكرار الصعود والهبوط، ولكنه سمع صوتا يناديه بوضوح: “اطلع من هنا”.

 

خرج مصطفى من المياه ورفض النزول مرة أخرى، فتولى الكابتن دولار استكمال المهمة، وبعد فترة قصيرة، صعد دولار متسائلًا: “مين اللي كان بيسحب الحبل؟”، فأكد له أعضاء الفريق أنهم لم يحركوا الحبل. ورغم ذلك عاد إلى المياه مرة أخرى، لكنه خرج بعدها في حالة فزع شديدة وقد فقد القدرة على الكلام للحظات.

 

يقول مصطفى إنه اقترب منه وسأله: “إنت سمعت إيه تحت؟”، ليرد دولار: “إنت عرفت منين إني سمعت حاجة؟”، فأجابه: “أصل أنا سمعت قبلك.”

 

ويؤكد كساب أن تلك الواقعة من أغرب المواقف التي مر بها الفريق طوال سنوات العمل، ولا يزال يتذكرها حتى اليوم دون أن يجد لها تفسيرًا.

البحث عن طفل قتله والده

 

ومن أكثر القضايا التي تركت أثرا في فريق “الكساب ودولار”، واقعة طفل اختفى في ظروف غامضة، قبل أن تكشف التحريات أن الأمر لم يكن حادث غرق، وإنما جريمة قتل.

 

يقول الكابتن مصطفى كساب إن بداية الواقعة كانت مع بلاغ عن اختفاء طفل، قبل أن تتوصل التحريات إلى الاشتباه في والده، وبالقبض عليه ومواجهته اعترف بقتل نجله، ووضع جثمانه داخل جوال، وربطه بحجر، ثم ألقى به في إحدى الترع ومصارف المياه، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.

 

بعد اعتراف المتهم، استعانت الأجهزة الأمنية بفريق “الكساب ودولار” للبحث عن الجثمان، وانتقل الفريق إلى المكان برفقة المتهم لإجراء تمثيل للجريمة وتحديد موقع الإلقاء.

 

ويؤكد كساب أن الكابتن دولار كان ينزل إلى المياه في كل مرة، ثم يصعد بعد دقائق قليلة مؤكدا أن الجثمان ليس في المكان الذي حدده المتهم، رغم إصراره على أنه ألقى الجثمان هناك.

 

ويقول: “بحكم خبرتنا عرفنا إن الجثمان مستحيل يكون في المكان ده، والتيارات كانت كفيلة إنها تنقله لمكان تاني، فبلغنا الجهات المختصة، وبدأنا نوسع دائرة البحث.”

 

واستمرت عمليات البحث حتى توصل الفريق إلى منطقة أخرى يُرجح أن تكون الأقرب لوجود الجثمان، وهناك عاد الكابتن دولار للنزول مرة أخرى.

ويروي كساب أنه خلال عملية البحث، أخبره دولار بعد صعوده أنه كان يسمع، بحسب روايته، صوت طفل يستغيث وينادي بصوت مرتفع من داخل المياه، فقرر تتبع اتجاه الصوت حتى وصل إلى منطقة تراكم فيها الحشائش والمخلفات.

 

وبالفعل، عثر الفريق على الجوال الذي بداخله بقايا الجثمان، بعدما تحللت معظم الأنسجة نتيجة بقائه في المياه لأكثر من ثلاثين يوما، ولم يتبق سوى أجزاء من العظام.

 

ويضيف كساب أنه بعد انتهاء المهمة، شاهد مقطع فيديو على هاتف والدة الطفل، كان يحتوي على تسجيل لصوت ابنها قبل وفاته، ويقول إن الصوت – بحسب روايته – كان مطابقا للصوت الذي أخبره الكابتن دولار أنه سمعه أثناء البحث.

 

ويؤكد كساب أن تلك الواقعة من أكثر القضايا التي أثرت فيه وفي أعضاء الفريق، ليس فقط لبشاعة الجريمة، وإنما لأنها كانت المرة الأولى التي يواجهون فيها جريمة قتل لطفل بهذه القسوة، خلال إحدى مهمات البحث عن الجثامين.

ويختتم مصطفى حديثه قائلًا: “بعد سنوات طويلة من مواجهة الموت في النيل، أكبر سبب للهلاك هو الثقة الزائدة، متابعا: النيل مالوش كبير، غرق فيه سباحين محترفين وغواصين، وكل يوم بيأكد لنا إنه أقوى من أي حد يستهين بيه.”