علي الفاتح يكتب: مصر في عين العاصفة..!
سارع الإعلام الأمريكي، والعبري، ومن خلفهما الإعلام الإخواني، ومنصات ما يسمى بتيار العلمانية الوظيفية إلى اتهام إيران بارتكاب حادثة ميناء دمياط، مع تحريض مبطن على دخول الجيش المصري الحرب، فبدا الأمر وكأنهم جميعًا يعملون تحت إمرة رئيس تحرير واحد، وأجندة سياسية تخدم مصالحهم فقط.
على مدى سنوات، وتحديدًا منذ قيام ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، واجهت الدولة المصرية حزامًا ناريًا سعى الغرب الصهيونى إلى إشعاله داخليًا وخارجيًا.
في سيناء كانت بؤرة نشاط أجهزة الغرب الصهيونية الاستخباراتية، عبر ما عرف بتنظيم ولاية سيناء أو داعش، وهو التنظيم الذي حظى بدعم الغرب الصهيوني في العراق وسوريا، حيث كانت طائرات الاحتلال الأمريكي تلقي شحنات المساعدات في أماكن وجود داعش داخل العراق، لتتدعي بعد ذلك أنها أسقطت بطريق الخطأ.
لكن الفضيحة كانت مدوية في سوريا عندما عثر على أسلحة في حوزة عناصر التنظيم الإرهابي كُتب عليها «صنع فى إسرائيل»، وقد ثبت تعاون التنظيم مع الكيان الصهيوني بإرسال مصابيه وجرحاه لتلقي العلاج داخل مستشفياته.
انتصر الجيش المصري على الإرهاب في سيناء ليدفن في رمالها المخططات الصهيونية، التي كانت تسعى إلى انتزاع شبه الجزيرة من الجسد المصري، مع ملاحظة أن إعلام الإخوان دأب على تسمية العناصر الإرهابية في سيناء بالمعارضة والمواطنين الشرفاء.
من المهم هنا التذكير بأن تفجير مسجد الروضة في مدينة بئر العبد، فى 24 نوفمبر 2017، الذي أسفر عن استشهاد نحو 350 مواطنًا مصريًا، جاء بعد أسبوع واحد من تصريحات لمسؤولين صهاينة ادعوا خلالها أن الرئيس السابق حسني مبارك قدّم وعدًا باقتطاع أجزاء من سيناء لتكون وطنًا بديلًا لسكان قطاع غزة مقابل حصول مصر على أراضٍ في صحراء النقب الواقعة تحت احتلال العصابات الصهيونية، وهو ما نفاه «مبارك» في حينه، مكذبًا كل الادعاءات الصهيونية.
وكأن تفجير مسجد الروضة كان رسالة تهديد صريحة، وهو ما ردت عليه مصر على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى بإعلانه استخدام القوة الغاشمة لإزالة الإرهاب، ووأد مخططات من يقف وراءه.
وهو ما حدث فعليًا، بل إن القوات المسلحة المصرية وصلت بكامل عتادها وعناصرها إلى آخر نقطة في الحدود مع الأراضى الفلسطينية المحتلة متجاوزة بذلك قيود كامب ديفيد.
أما خارجيًا، فكلنا يذكر ماذا جرى فى ليبيا والسودان، ومخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء الحبيبة.
بيد أن الدولة المصرية كانت تعمل طوال الوقت على خطوط متوازية، فلم تشغلها المخاطر الداخلية والخارجية عن عملية بناء عناصر القوة الشاملة، وفي مقدمتها تحديث وتعظيم قدرات الجيش المصري.
مصر انتهجت دائمًا عقيدة السلام الذي تحميه القوة، وشتان بين هذه العقيدة ومقولة فرض السلام بالقوة، حافظت مصر على سلامها واستقرارها وأمنها ببناء قوتها الذاتية لتمتلك اليوم أقوى جيوش الشرق الأوسط، لتدفع من كان بالأمس عدوًا أو خصمًا إلى إعادة حساباته الاستراتيجية، ليسعى فيما بعد إلى إقامة تحالفات سياسية وعسكرية استراتيجية مع مصر، كونها مركز الأمن والاستقرار وصناعة السلام، وحماية أمن الإقليم في وجه مخططات واستراتيجيات الغرب الصهيوني.
مصر أصبحت الجدار الصلب، الذي يصعب اختراقه، حتى عبر الحملات الإعلامية الموجهة للتلاعب بوعي واتجاهات الرأى العام المصري، ولعل حادثة ميناء دمياط كانت أفضل شاهد على هذه الحقيقة الصلبة.
لا يحتاج المصريون إلى إعلان حالة التعبئة العامة، هذا ما كشفه رد فعلهم على استهداف ميناء دمياط بطائرة مسيّرة، الكل انتفض داعمًا لوطنه، لكن بعقل رشيد، فلم ينجر المصريون وراء الدعاية الأمريكية والصهيونية والإخوانية والعلمانية الوظيفية بشأن اتهام إيران، فقط تساءلوا واثقين في قدرة جيشهم على معرفة الجاني، وتلقينه الدرس المناسب بالطريقة المناسبة.
يفصل المصريون في الأحداث الكبرى بين استيائهم، أو حتى غضبهم من بعض قرارات الحكومة وسياساتها الاقتصادية، والوقوف إلى جانب بلدهم ضد أي عدوان خارجي.
هذا الوضع الفريد والمعقد للدولة المصرية بكل مكوناتها، يجعل اختراقها مسألة شبه مستحيلة، وجاء حادث دمياط فرصة لإحداث هذا الاختراق بالعمل على توريط مصر في حرب استنزاف طويلة تنهك جيشها وتستنزف مقدراته، ما يسمح للعدو الصهيونى ولكل صاحب غرض أو مرض بتحقيق أوهامه وتخاريفه العقلية.
أمريكا لا تعرف كيف تخرج من هذه الحرب، وتريد قوة إقليمية كبرى تنزلق في أتونها، لتفتح لها مجالاً للانسحاب، أو على الأقل تقليل الخسائر، لذلك هرولت الصحافة الأمريكية، ومن بينها النيويورك تايمز، إلى اختلاق تصريحات على لسان مسئولين إيرانيين مجهولين، يؤكدون أن الهدف من ضرب ميناء دمياط إيصال رسالة مفادها أن إيران قادرة على تهديد سوق الطاقة العالمية.
هذه الرواية تبناها تيار العلمانية الوظيفية، مدفوع الأجر، بحرفها ونصها، (يتكلمون باللهجة المصرية لكنهم ينطقون بكل ما يخدم المصالح الصهيونية والأمريكية).
الإعلام الصهيوني بدوره ألح في توجيه الاتهمات إلى إيران، ومثله فعل الإعلام الإخواني، الذي ادعى منذ شن العدوان الصهيوأمريكى دعمه للجمهورية الإسلامية، بل إن وجوهًا أساسية في هذا الإعلام حرّضت الدولة المصرية على الرد والانتقام من إيران في سياق انتقادهم للنظام المصري الذي يعارضونه، بحسب وصفهم لدورهم.
تنظيم الإخوان مثل تنظيم داعش وكل الحركات الإسلامية الإرهابية، التي تدعي طوال الوقت عداءها للكيان الصهيونى، لكنها في القضايا المفصلية والأوقات الحاسمة تتبنى الدعاية الصهيونية كما هى، ولست بحاجة هنا للتذكير بحصار السفارات المصرية، ومن بينها مقر السفارة في تل أبيب من قبل عناصر هذا التنظيم الإرهابي، وترديد أكاذيب مجرم الحرب بينيامين نتنياهو بشأن قيام مصر بغلق الحدود ومنع وصول المساعدات إلى أهالي قطاع غزة.
يتصور الإخوان الإرهابيون أن استنزاف مصر في حرب طويلة من شأنه إضعاف الجيش المصري، ما يسمح لهم بإثارة الفوضى مجددًا، والعودة إلى حكم البلاد بالتعاون مع جيش الاحتلال الصهيوني، الذي سيتمكن حينها من إعادة احتلال شبه جزيرة سيناء، وهذا ما أعلنه صراحة قيادي إخواني بارز فيما تسمى بحركة «ميدان».
مصر، بكل ما تعنيه من تاريخ وجغرافيا وشعب ومؤسسات، تمثل العقل الاستراتيجي لكل الشرق الأوسط، وما يحيط به من أطراف إقليمية ودولية، وهذا ما نراه يتجسد على مسارح العمليات العسكرية الدائرة الآن في الإقليم.
فلولا هذا العقل لاندلعت حروب بينية، ولشهدنا خرابًا ودمارًا يعود بالمنطقة إلى عصور ما قبل التاريخ، ولولا حكمة وهدوء هذا العقل لرأينا مصر تتصرف مثل أي دولة أخرى حديثة النشأة فى المنطقة، وذهبت بجيشها الجرّار إلى حيث لا رجعة.
تراجع الرئيس الأمريكى عن شن عدوان موسع يستهدف مصادر الطاقة في إيران بالتعاون مع العدو الصهيونى يأتي في سياق تحركات دبلوماسية مصرية واسعة النطاق لوأد فتنة إقليمية سعى إليها الأمريكى والصهيونى، عبر تدخلات مباشرة في قرار بعض الأطراف، وأخرى غير مباشرة، عبر استخدام المخابرات الأوكرانية، التي أعلن مستشار الأمن القومي العراقي القبض على خلايا تابعة لها تعمل داخل الأراضي العراقية، والمتورطة في السودان، ولا يخفى على أحد طبيعة العلاقة المشبوهة بين نتنياهو وفولوديمير زيلينسكى.
خلاصة القول: «مصر مركز الثقل، والنسر الجارح، الذي لا يكل ولا يمل من التحليق في سماء الشرق الأوسط، يرصد كل شاردة وواردة، وحيث تكون مخططات بنى صهيون ينقض عليها ليطفئ نيران شرها، ويزيل من أرضنا خبثها».


تعليقات