أليس عجيبًا أن يجمع الرجل بين جنبيه قلبًا رحيمًا ذا مخالب؟ يشفق على الضعفاء من الناس، ويتأثر بلون الدم حين يقطر من أجساد لا حول لها ولا قوة. يتألم لهم، ويحنو عليهم، ويطيل النظر إلى ضعفهم وانكسارهم، حين ينظرون بعينين ذابلتين مرتجفتين، يملؤهما الخوف والوجل، ويتلقون بأيديهم النحيلة الضربات المتوجهة إليهم، مستعطفين يد القوة أن ترحمهم وتكف عن إيذائهم. غير أن تلك اليد لا ترحم، ولا تكف، بل تتمادى في الضرب والركل، وتتلذذ بالإيذاء.
إنها صورة مؤلمة لبني الإنسان حين يتملكهم الجبروت، فينسون إنسانيتهم، وينغمسون في جانبهم الحيواني والحق أن الحيوان لا يتمتع بإيذاء حيوان آخر، وإنما يدفعه الجوع إلى الفتك بفريسته. إنه عالم له قوانينه، لكنه لا يتشفى، ولا يحقد، ولا يعنيه إلا سد جوعه. إنها حروب جسدية من أجل البقاء، أما في عالمهم فلا ينهش بعضهم بعضًا من بني جنسهم؛ فكأن لحومهم محرمة عليهم.
أما نحن البشر، فنحمل أنفسنا على المكر والخديعة، واستعراض القوة، والتباهي بما نملك. فإذا ما شعرنا بتميزنا على آخرين من بني جنسنا، لبست أرواحنا ثوب التيه والعجب، ومشينا مشية من يتحكم في رقاب الآخرين. تعلو أصواتنا، ونلوح بأيدينا، وتتملكنا أوهام العظمة، ونستفز الآخرين لنريهم مدى قوتنا وضعفهم، وأننا فوقهم بما نملك من سلطان وسلاح، نخرس به من نشاء.
وليس المال إلا وجهًا آخر من وجوه هذه القوة. كنت أعلم أن تلك القداسة كاذبة، لا تنبع من قلب يؤمن، ولا من روح عرفت الحب يومًا، وإنما هي قداسة موهومة، ترتبط بالمال وعشقه. يظهر أصحابها الخضوع ما دام العطاء يتدفق، فإذا امتلأت جيوبهم بالمال، ضاقت نفوسهم، وشحت أيديهم، وتعرت تلك القداسة الزائفة، وانكشف القبح جليًا في ملامح أرواحهم.
كانت نفوسهم تخفي أشياء كثيرة، ولم تكشفها الأيام، وإنما كشفها المال. عنده سقط القناع، وظهرت حقيقة النفس التي اتخذت من المال معبودًا، حتى غدا صاحبها رجلًا عاريًا من كل قيمة إنسانية. خدع الناس بابتسامة مرسومة على وجهه، وبقناع من الوقار، بينما لم يكن قلبه يحمل إلا الحقد، والضغينة، والحسد، وخلاصة المكر. إنهم كالأفاعي، لا تحمل أجوافها إلا السم. لم تلامس الإنسانية أرواحهم قط، فهم لا يدركون قيمة الإنسان، ولا يعرفون للمعنى وزنًا، إلا إذا ارتبط بالمال أو الطعام.
فالقوة قد تُنسي الإنسان العطف، والضعف قد يذكره دائمًا بأن له قلبًا. غير أن الإنسان الحق هو من يستحضر قلبه وعقله معًا، فلا تغلبه القوة، ولا يستعبده المال، ولا تكسره الهزيمة، ولا ينسى أنه سيد بعقله، ورحيم بقلبه، وإنسان بمشاعره, فالضعيف تخفت فيه روح الشراسة، والقوي كثيرًا ما تخفت فيه روح الرحمة والعطف, وللقاعدة شواذ، غير أنهم من القلة والندرة بحيث لا ينقضون أصلها.


تعليقات