الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (15)

الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (15)

المتحف القبطي.. رمز من رموز القوة الناعمة (2)

يقع المتحف القبطي بمنطقة مصر القديمة داخل حدود حصن بابليون، الذي لا تزال بقاياه قائمة خلف مبنى المتحف. وقد بدأ تشييد هذا الحصن في العصر الفارسي، ثم أُجريت عليه إضافات عديدة خلال العصر الروماني، واستكمل أباطرة الرومان من بعدهم أعمال تطويره وتحصينه.

ولعب العالم الفرنسي جاستون ماسبيرو دورًا مهمًا في نشأة المتحف القبطي، إذ خصص قاعة في المتحف المصري لعرض مقتنيات الفن القبطي. وبعد ذلك، طالب مرقص باشا سميكة، عام 1908، بأن توضع الآثار القبطية ضمن اهتمامات لجنة حفظ الآثار العربية والفنون. وظل يبذل جهودًا كبيرة حتى نجح في إنشاء المبنى الحالي للمتحف، الذي افتتح عام 1910، وعُيّن أول مدير له، بينما صدر أول دليل للمتحف عام 1930.

ومن الجدير بالذكر أن تصميم واجهة المتحف القبطي استُلهم من واجهة الجامع الأقمر بشارع المعز، مع استبدال العبارات التي تشير إلى الخلفاء الفاطميين برموز مسيحية، مثل الصلبان وغيرها، في تجسيد يعكس روح التعايش والتأثير المتبادل بين الفنون المصرية عبر العصور.

ويُعد المتحف القبطي أكبر متحف في العالم متخصص في الآثار القبطية، إذ يضم أكبر مجموعة من مقتنيات الفن القبطي، وهو أمر طبيعي باعتبار أن هذا الفن نشأ وتطور في مصر، وظل أحد أبرز تعبيرات هويتها الحضارية.

ومن أهم أقسام المتحف: قسم الأحجار والرسوم الجصية، وقسم النقوش والكتابات القبطية والمخطوطات، وقسم المنسوجات القبطية، وقسم العاج، وقسم الأيقونات، وقسم الأخشاب، وقسم المعادن، وقسم الفخار والزجاج.

ويضم المتحف نحو 16 ألف قطعة أثرية، رُتبت وفقًا لنوعية خاماتها، وعُرضت بأسلوب علمي يراعي، قدر الإمكان، التسلسل الزمني لتطور الفن القبطي.

ومن أبرز مقتنياته شاهد قبر من الحجر الجيري يعود إلى نهاية القرن الرابع الميلادي، ويجسد التداخل بين رمز الصليب وعلامة «عنخ» المصرية القديمة، بما يعكس امتداد الموروث الحضاري المصري داخل الفن القبطي. كما يضم قطعة نسيج من القرن السادس الميلادي تحمل عددًا من الرموز المسيحية، ومشطًا من العاج من القرن السابع الميلادي نُقشت عليه مشاهد لبعض معجزات السيد المسيح، إلى جانب مسرجة من البرونز ذات مقبض على هيئة الهلال والصليب، ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي.

ويحتوي الجناح القديم بالمتحف على مجموعة متميزة من قطع الأثاث الخشبي والأبواب المطعمة، ومن أبرزها الباب المصنوع من خشب الجميز الخاص بحامل أيقونات كنيسة القديسة بربارة. وتعود بعض ألواحه إلى العصر الفاطمي خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

أما الجناح الجديد، فيضم نماذج متنوعة من الفنون والطرز الزخرفية، تشمل التصميمات الهندسية، وزخارف نبات الأكانتوس، وأوراق العنب، والأفاريز المزدانة برسوم الأرانب والطواويس والطيور، فضلًا عن مشاهد للحياة اليومية والأنشطة الريفية. كما يضم المتحف عددًا من المخطوطات النادرة للكتاب المقدس، التي يعود تاريخها إلى قرون عديدة.

وقد أُنشئ المتحف ليسد فجوة مهمة في عرض مراحل التاريخ والفن المصري، مستندًا إلى ما يضمه من مجموعات أثرية فريدة. وأُقيم على أرض وقف تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي قدمتها طواعية لإقامة هذا الصرح الحضاري، في عهد قداسة البابا كيرلس الخامس، الذي توفي عام 1927، وخلفه البابا يؤانس التاسع عام 1929.

ويكتسب المتحف أهمية تاريخية خاصة، إذ يقع داخل أسوار حصن بابليون، أحد أشهر وأضخم الآثار الرومانية الباقية في مصر. وتبلغ مساحة المتحف، بما يشمل الحديقة والحصن، نحو ثمانية آلاف متر مربع. وقد شهد أعمال تطوير متتالية، وأعيد افتتاحه بعد انتهاء أحد مشروعات التطوير عام 1984.

وظل المتحف القبطي تابعًا للكنيسة القبطية حتى عام 1931، ثم انتقلت تبعيته إلى الدولة، وأصبح ضمن المؤسسات الثقافية المصرية. ويتراوح عدد زواره يوميًا بين نحو 250 وألف زائر.

وبذلك أصبح المتحف القبطي أحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية، وتجسيدًا حيًا لجزء أصيل من الشخصية الوطنية المصرية.

واستكمالًا لرحلة التاريخ والحضارة المصرية، يأتي الحديث عن المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية.

ويُعد هذا المتحف من أهم متاحف مدينة الإسكندرية، إذ يضم مجموعة كبيرة من الآثار التي عُثر عليها في المدينة ومحيطها، وتعود في معظمها إلى العصر البطلمي والعصر الروماني، وما تلاهما، منذ نشأة مدينة الإسكندرية.

وافتتح المتحف في 17 أكتوبر عام 1892، ونظرًا لضيق مقره الأول وعدم استيعابه للأعداد المتزايدة من الآثار، قررت بلدية الإسكندرية إنشاء المبنى الحالي بشارع فؤاد، الذي افتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني، وكان الإيطالي جيوسيبي بوتي أول مدير للمتحف.

وضم المتحف عند افتتاحه نحو إحدى عشرة قاعة، كما عرض مقتنيات مصرية من العصر المتأخر، من بينها لوحات مومياوات الفيوم الشهيرة.

وشُيّد المبنى على الطراز الإغريقي الذي كان سائدًا في الإسكندرية آنذاك، ويضم عددًا من أشهر القطع الأثرية، من بينها رأس من الرخام يُعتقد أنه يمثل يوليوس قيصر، ورأس رخامي آخر من العصر الروماني يحمل صورة أحد المتوفين.

وهكذا يُعد المتحف اليوناني الروماني أحد رموز القوة الناعمة في مصر، إذ يجسد حقبة تاريخية اتصلت فيها مصر بعالم البحر المتوسط، وأصبحت جزءًا مؤثرًا فيه، بل وتركت بصمتها الواضحة على حضاراته. ورغم امتزاج الشخصية المصرية بتلك الحضارات، فإنها ظلت تحتفظ بجذورها الأصيلة، وتستعيد دائمًا ملامحها المستمدة من الحضارة المصرية القديمة.