أشرف غريب يكتب: صفحة مجهولة في حياة رشدي أباظة.. الدونجوان الذي هزمه السرطان
أشرف غريب يكتب: صفحة مجهولة في حياة رشدي أباظة.. الدونجوان الذي هزمه السرطان
فتش فى ذاكرتك ما استطعت، حاول أن تُنعشها، استعرض أمام ناظريك كل فتيان الشاشة الذين عرفهم تاريخ السينما المصرية والعربية، ثم أجب: من هو أكثر هؤلاء وسامة وجاذبية وفتوة وحيوية، بل وفحولة إذا جاز التعبير؟ من هو أكثرهم حضوراً وخفة ظل وقدرة على التلون فى التمثيل، مهما اختلفت طبيعة الدور الذى يؤديه؟ إنه بالتأكيد اسم واحد اجتمعت لديه كل هذه الخصال على ذلك النحو من التميّز.. إنه رشدى سعيد بغدادى أباظة، ابن عائلة الأباظية العريقة الذى دخل مجال التمثيل على سبيل المغامرة، رغماً عن إرادة عائلته، فإذا به يصبح بعد فيلم «الرجل الثانى» سنة 1959 الرجل الأول فى تاريخ السينما المصرية مهما تباعدت السنون أو تعاقبت الأجيال.
واليوم تمر مائة عام على مولد هذا الفنان الاستثنائى، فهو -ومن واقع بطاقته الشخصية- من مواليد الثالث من أغسطس 1926، لأب مصرى كان يعمل ضابط شرطة، وأم إيطالية، فجمع بين خصال الشرق والغرب مما زاده تفرّداً وتميّزاً بين أقرانه من أبناء جيله الذين ولجوا إلى عالم السينما معه فى النصف الثانى من عقد الأربعينات، والمدهش أنه حتى سنوات قليلة مضت كانت كل المراجع تشير إلى أن رشدى أباظة من مواليد سنة 1927، حتى إنه ساعة وفاته فى السابع والعشرين من يوليو سنة 1980 ردّدت التقارير الخبرية أن رحيله كان عن ثلاثة وخمسين عاماً، باعتباره من مواليد 1927، والأكثر دهشة أن ابنته الوحيدة «قسمت» قالت لى فى منتصف تسعينات القرن الماضى إن جدتها (والدة رشدى) سجّلت على ظهر إحدى صوره أنه مواليد عام 1925، حتى ظهرت بطاقة تحقيق الشخصية مؤخراً لتحسم أن الدونجوان -وهذا لقبه الأشهر- مولود فى عام 1926، أى قبل مائة عام بالتمام والكمال.
وكان الدونجوان الذى ملأ الحياة الفنية حيوية وحركة، بل وصخباً وضجيجاً أيضاً، يدرك عن نفسه -كما عشاقه- كل هذه الخصال الشخصية والبدنية، وتلك الحظوة الجماهيرية التى يتمتّع بها، ومن هنا كانت الصدمة مُفجعة، حينما تأكد أباظة ذات يوم خريفى من أيام عام 1979 أنه مصاب بورم خبيث فى المخ بعدما ظل يعانى من آلام متصاعدة فى الرأس أسلمته إلى الكثير من الفحوصات الطبية التى قادته إلى تلك الحقيقة المرة: رشدى أباظة الرجل صاحب البنيان القوى والفتوة والحيوية، معبود النساء، وقدوة الرجال أصبح ببساطة فى ذلك اليوم المهيب على بعد أمتار من مشهد النهاية الحزين، وهى صفحة مجهولة بكل تفاصيلها الإنسانية القاسية أكشف عنها النقاب اليوم، ومن أفواه كل من عاصروا هذه الفترة الحرجة من حياته التى قادته إلى تلك النهاية المأساوية.
لم يكن الموقف سهلاً على نجم بقيمة ونجومية رشدى أباظة، إذ كيف له أن يقبل تحول نظرة الإعجاب فى أعين الناس إلى شفقة؟ لذلك قرر أن يبقى الخبر غير معلن، وفى حدود دائرته الضيقة، حتى إنه وافق فى ذلك الوقت على تصوير فيلم «الأقوياء» للمخرج أشرف فهمى، دون أن يعلم أحد بحقيقة مرضه، وحكى لى قبل سنوات طبيبه المعالج د. جمال العرقان أنهم كانوا يحتاجون فى بعض مراحل المرض إلى نقل دم، فكان رشدى يُرسل خادمه الخاص إلى مستشفى العجوزة كى يشترى أكياس الدم باسم هذا الخادم، حتى لا يعلم أحد أن النجم المحبوب بحاجة إلى نقل دم، مضيفاً أن رشدى حتى ذلك الوقت كان متماسكاً مصراً على الانتصار على المرض اللعين، لكن مع تطور الحالة المرضية استدعى الأمر سفره إلى لندن وباريس، فانتشر خبر مرض رشدى أباظة، وتدخّلت مؤسسة الرئاسة بسرعة، وأصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرار علاج رشدى أباظة تحت مظلة الدولة، وسافر بالفعل، ليعود بعد أسابيع وقد تحسّنت حالته نسبياً.
فى هذه الأثناء، حدثت عدة أمور، أولها إصرار رشدى أباظة على عقد قرانه على ابنة عمه السيدة نبيلة أباظة، آخر زوجات النجم الكبير، ثانيها وصول التقرير الطبى من لندن، الذى يشير إلى أن الحالة سوف تسوء، وأنه ليس أمامه فى الحياة سوى شهر واحد على الأكثر، وهنا قرّر المحيطون به إخفاء هذا التقرير عنه، مراعاة لحالته النفسية، لكن أمه -وهى سيدة إيطالية كانت تُضمر كراهية كبيرة للأسرة الأباظية نتيجة موقف الأسرة منها- كان لها رأى آخر، فبحسب ما قاله لى د. جمال العرقان وأكدته أخته السيدة منيرة أباظة، فقد تعمّدت أمه ترك نسخة من التقرير على باب شقته بعد أن طرقت الباب واختفت بسرعة، لتضمن عثور ابنها على التقرير، ومن ثم قراءته. ويضيف د. العرقان أن هذا الموقف كان فى شهر مارس 1980، وأن «رشدى» ثار ثورة هائلة بعد أن قرأ التقرير وعلم بما فعلته أمه، وأخذ يصب غضبه عليها، معلناً تحديه للمرض، وأنه سوف يعيش، ومر الشهر الذى حدّده التقرير لنهاية حياة الدونجوان ومرّت بعده شهور والرجل صامد فى تحدّيه للمرض اللعين، لكن مع مرور الوقت أخذت حالته تسوء، وتوقف تصوير الفيلم، ودخل رشدى أباظة إلى المستشفى فى شبه غيبوبة، لتحدث الضجة الكبرى التى شغلت الرأى العام وقتها حين تسلّلت الإذاعية آمال العمدة إلى غرفة رشدى أباظة وسجّلت صوته وهو فى حالة من الهذيان، وهو ما اعتبره الجميع عدم احترام للأخلاقيات والأعراف الطبية وحرمة المرضى، أما رشدى نفسه فكان فى عالم آخر لخّصه لى د. العرقان بأنه كان يسبح فى بحر من الذكريات عن حياته الفنية والأفلام التى قدّمها، حتى إنه كان يهذى ببعض العبارات التى جاءت على لسان الشخصيات التى مثّلها للسينما، ولمَ لا وقد أوتى النجم الكبير من النجاح والرصيد الكبير والمشوار الطويل ما يجعله يسترجعه بسعادة، وهو فى هذه اللحظات الحاسمة من حياته، وكأنه يستمسك بتلك الحياة الصاخبة، متحدياً وهنه الإنسانى ونهايته المحتومة.
نعم كان يسبق تلك اللحظات الحرجة من حياته مشوار طويل ملىء بالنجاحات والإخفاقات منذ أن بدأ رحلته الفنية عام 1948 بطلاً لفيلم «المليونيرة الصغيرة» أمام فاتن حمامة، ومن إخراج كمال بركات.. ولم يكن كمال بركات اسماً كبيراً فى عالم الإخراج، فهذا أحد فيلمين اثنين فقط هما كل رصيده السينمائى، وكأن الرجل جاء إلى السينما فقط كى يقدم لنا هذا النجم الاستثنائى، ولم يكن «المليونيرة الصغيرة» فيلماً مهماً فى مسيرة السينما المصرية ولا حتى فى الأفلام التسعة والأربعين التى ظهرت فى تلك السنة، ولكن يكفى المخرج والفيلم أنهما أعطيا إشارة البدء لإطلاق نجومية واحد من أهم فتيان الشاشة الذين عرفهم فن السينما فى مصر، وبين فيلمه الأول «المليونيرة الصغيرة» وفيلمه الأخير «الأقوياء» الذى أكمل الفنان صلاح نظمى دوره فيه حينما اشتد عليه المرض، قدم رشدى أباظة بين مصر وإيطاليا وسوريا ولبنان ما يزيد على مائة وسبعين فيلماً، لم يتقولب خلالها فى نوعية محدّدة من الأدوار، وإنما قدم الشر الخالص والطيبة الكاملة، وتقلب على الأدوار الاجتماعية والرومانسية والكوميدية أيضاً، وبرع فى أدوار الحركة، فى حضور طاغٍ، ربما لم يعرفه غيره من ممثلى الصف الأول حتى الآن.
اللافت أنه بعد رحيل رشدى أباظة بأعوام فوجئت أسرته بأن والدته قامت فى غفلة منهم بنقل رفاته من المقبرة الأولى التى دفن فيها عند وفاته إلى مقبرة أخرى فى قطعة الأرض التى كان رشدى قد اشتراها بنزلة السمان، وقد فسّرت لى أخته السيدة منيرة أباظة تلك الخطوة المفاجئة بأن خلافاً كان قد ثار من جانب والدته يتعلق بتركة رشدى أباظة، فأرادت الأم، وعلى خلفية كراهيتها لأسرة الفنان الراحل، أن تمنع دخول قطعة الأرض هذه فى تركته وحرمان أسرته من الميراث فيها رغم أن الأسرة الأباظية لم تكن تطمع فى أى شىء يخص فقيدها، والمعروف أن رشدى لم ينجب سوى ابنته قسمت من زوجته الأمريكية، ومن ثم لم يكن لديه أبناء ذكور، ومن هنا تفتتت التركة بين الكثير من أفراد أسرته.


تعليقات