بدت نهاية يوسف إدريس كأنها واحدة من قصصه القصيرة، حادث عابر يقع داخل غرفة النوم، ثم يتحول خلال أسابيع إلى رحلة طويلة بين الغيبوبة وغرفة العمليات وأمل العودة، قبل أن يُسدل الستار على حياة الكاتب الذى جعل من الإنسان المصرى بطلًا لأدبه، رحل “أمير القصة القصيرة” فى لندن يوم الأول من أغسطس عام 1991، عن 64 عامًا، بعدما أمضى نحو ثلاثة أشهر داخل المستشفى، تصاحبه أسرته ويزوره أصدقاؤه، بينما ظل قلبه وعقله مشدودين إلى القاهرة.
وتقدم ابنته الدكتورة نسمة يوسف إدريس الشهادة الأقرب إلى تفاصيل تلك الأيام، وفى حوار صحفي سابق معها قالت، إنها كانت فى الثامنة عشرة من عمرها حين رحل والدها، وإنها كانت بصحبته مع والدتها رجاء الرفاعى داخل المستشفى فى لندن.
وروت نسمة يوسف إدريس فى الحوار نفسه أن والدها اصطدم عند استيقاظه من النوم بألوميتال النافذة داخل غرفة نومه، فأصيب بنزيف داخلى، ونُقل إلى المستشفى، ثم تكفلت الدولة برحلة علاجه إلى إنجلترا، حيث مكث ثلاثة أشهر وخضع لجراحة دقيقة فى المخ، وأضافت أن الأسرة تصورت نجاح العملية وتعافيه من الأزمة، ثم فارق الحياة داخل المستشفى نفسه.
اصطدام بالرأس غير مسار الأيام
بدأت الأزمة الصحية بإصابة بدت فى لحظاتها الأولى حادثًا منزليًا، ثم كشفت الفحوص عن نزيف فى المخ، ودخل يوسف إدريس فى غيبوبة، ووثق أرشيف جريدة “السفير” خبرًا مؤرخًا فى 23 أبريل 1991، حمل عنوان “الروائى يوسف إدريس استعاد وعيه بعد نزيف فى الدماغ وغيبوبة”، وهو ما يؤكد أن أخبار حالته الصحية كانت محل متابعة صحفية منذ الأسابيع الأولى للأزمة.
أما مدة الغيبوبة، فقد وردت فى شهادة منسوبة إلى الناقد والكاتب أحمد عباس صالح، ونقلت جريدة “الخليج”، فى ملف نشرته عام 2010 بعنوان “يوسف إدريس.. الكاتب العاصفة”، أن أحمد عباس صالح زاره فى مستشفى لندن فى اللحظة التى استعاد فيها وعيه، بعد غيبوبة استمرت نحو أسبوعين.
وكان أحمد عباس صالح يرى أمامه جسدًا قاوم خلال سنوات طويلة أزمات صحية متعددة، ولهذا ظل الأصدقاء ينتظرون أن يعبر يوسف إدريس المحنة الجديدة ويعود إلى القاهرة، وقد استعاد الكاتب جانبًا من وعيه وحضوره، وتحدث مع زائريه، وظهرت علامات منحت أسرته أملًا فى التعافى، ثم عادت حالته الصحية إلى التدهور خلال إقامته الطويلة فى المستشفى.
الحلم الأخير.. طائرة تبحث عن القاهرة
من أكثر حكايات تلك الفترة دلالة على شخصية يوسف إدريس الحلم الذى رواه لزائريه أنيس منصور وصلاح منتصر، وقد استعاد الكاتب إبراهيم منصور تفاصيل الحكاية فى مقال نشرته “الأهرام” فى يونيو 2022، مستندًا إلى مقال سابق للمسرحى على سالم حمل عنوان “يوسف إدريس والحلم الأخير”.
بحسب الحكاية، زار أنيس منصور وصلاح منتصر يوسف إدريس داخل المستشفى فى لندن، فقص عليهما، وهو يضحك، حلمًا رآه خلال غيبوبته، وجد نفسه يقود طائرة ويريد الهبوط بها فى ميدان التحرير، فاعترضته الأشجار، ثم حاول الهبوط فوق العمارة التى يسكن فيها بالقرب من الميدان، فوجد خزانات المياه فوق سطحها تحول دون وصوله.
تحول الحلم لدى على سالم إلى صورة تكشف تعلق يوسف إدريس بالقاهرة، طائرة يقودها الكاتب بنفسه، ومدينة يحاول العودة إليها، وعوائق متتابعة تؤجل الوصول.
حديث الوداع قبل الرحيل
ارتبطت أيامه الأخيرة بحكاية أخرى رواها الطبيب والكاتب الدكتور محمد أبو الغار فى مقاله “رحيل الكاتب المبهر محمود سالم”، المنشور فى «المصرى اليوم» يوم 4 مارس 2013. وكان أبو الغار حاضرًا فى حفل عيد ميلاد للكاتب محمود سالم، أقيم قبل وفاة يوسف إدريس بأيام.
وذكر أبو الغار أن الحاضرين انتظروا يوسف إدريس حتى وصل بعد الساعة الواحدة صباحًا، ثم اعتلى كرسيًا وصعد منه إلى منضدة مرتفعة، وبدأ يتحدث عن الحياة وفلسفتها، وبعد دقائق أعلن أمام الحاضرين أنه يودعهم فردًا فردًا، لشعوره بأن عمره اقترب من نهايته، وأنه لن يلتقى بهم مرة أخرى.
واعترض الروائى السودانى الطيب صالح على حديثه، وألقى أبياتًا من الشعر القديم، ورأى أن ما يقوله إدريس خيال أديب، ثم دعا له بطول العمر، ويسجل أبو الغار أن يوسف إدريس رحل خلال الأسبوع نفسه، واصفًا الواقعة بأنها لحظة تثير التأمل فى غموض الحياة.
الجائزة التى جاءت على فراش المرض
خلال مرضه الأخير أُعلن منح يوسف إدريس جائزة الدولة التقديرية، وتكشف شهادة ابنته أنه استقبل الخبر بشعور من المرارة، ورأى أن التكريم جاء بعد انتظار طويل وفى الوقت الذى كان يواجه فيه الموت.
وقالت الدكتورة نسمة يوسف إدريس، إن والدها رفض تسلم الجائزة لأنه شعر بأن الدولة تأخرت فى منحه إياها، وكان وقتها على فراش المرض فى لندن، وقال: “هما يعنى مش فاكرين يعطونى الجائزة دى غير وأنا باموت”.
وكان يوسف إدريس قد حصل خلال مسيرته على عدد من الأوسمة، من بينها وسام الجزائر عام 1961، ووسام الجمهورية عامى 1963 و1967، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980، بعدما رسخ مكانته واحدًا من أبرز كتاب القصة والمسرح والرواية فى مصر والعالم العربى.
كيف توفى يوسف إدريس؟
تتفق المصادر على أن يوسف إدريس توفى فى أحد مستشفيات لندن يوم الأول من أغسطس عام 1991، بعد إقامة علاجية امتدت قرابة ثلاثة أشهر، وتقدم شهادة ابنته تسلسلًا واضحًا لبداية الرحلة الأخيرة: اصطدام بالرأس، ونزيف داخلى فى المخ، ونقل إلى إنجلترا، ثم جراحة دقيقة وإقامة طويلة داخل المستشفى انتهت بوفاته.
وتذكر مراجع أخرى أن السبب الطبى المباشر للوفاة كان أزمة قلبية، ومن بينها مدخل يوسف إدريس فى “قاموس السيرة الأفريقية”، الذى يشير إلى وفاته بنوبة قلبية فى إنجلترا.
ودُفن يوسف إدريس فى قرية البيروم التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، وهى القرية التى وُلد فيها وتشكل داخلها جانب مهم من علاقته بالريف المصرى وشخصياته وحكاياته.
وقد لخصت ابنته نسمة ما تركه والدها، حين استعادت فى تصريحات نشرتها “اليوم السابع”عبارته لأبنائه: “هسيبلكم سيرة واسم يسندكم طول عمركم”.


تعليقات