تنشر مجلة Good Health الأمريكية، قصة لسيدة 61 عاما، عن تأثير مقاومة المضادات الحيوية، وعدم فعاليتها في حالات السعال الحاد أو العدوى الفيروسية، موضحة، إن “روث” أصيبت بسعال حاد ووصف لها طبيبها المضادات الحيوية في علاج السعال الحاد، والذى استمر لفترة طويلة، ولكنها لم تستجيب لتناول المضاد الحيوي، وذلك لأن السبب كان لوجود فطريات في رئتيها.
وتحكى المجلة قصة “روث” مع المرض قائلة: إنه عندما أصيبت “روث مكواين” بسعال حاد مستمر وهى من ولاية سانباري (Sunbury-on-Thames) في مقاطعة (ساري) بجنوب شرق إنجلترا في المملكة المتحدة، شخّص طبيبها العام الحالة على أنها التهاب بكتيري وأعطاها مضادات حيوية، لكن السعال ازداد سوءاً، لدرجة أن روث (61 عاماً) كانت تتنفس بصعوبة.
وقالت، إن هذا الفطر هو نوع شائع ينتقل عبر الهواء، وينمو في سماد الحدائق، والأوراق المتعفنة، ولحاء الأشجار، كما إن استنشاق هذه الفطريات لا يضر معظم الناس، ولكنه يمكن أن يسبب حالة خطيرة تُعرف باسم “داء الرشاشيات” Aspergillosis لدى من يعانون من مشاكل سابقة في الرئة، أو لدى من ضعفت مناعتهم بسبب حالات أنفلونزا شديدة أو علاج السرطان.
ويحذر الخبراء الآن، من أن معدلات الإصابة بداء الرشاشيات في ارتفاع، وتشير بعض الدراسات إلى أن أكثر من واحد من كل 10 مرضى يُدخلون إلى وحدات العناية المركزة، في هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) بسب الالتهاب الرئوي البكتيري، مصابون أيضاً بفطر الرشاشيات الذي استغل ضعف رئتيهم واستعمرها.
كما حذرت دراسة نُشرت في المجلة الأوروبية للتنفس، أجراها المركز الوطني لداء الرشاشيات في مانشستر، من أن أكثر من نصف المرضى الذين تم تشخيصهم بداء الرشاشيات الغازي يموتون خلال 5 سنوات.
وقالت المجلة، لكن الخبر السار، هو أن الأبحاث البريطانية تظهر أنه قد يكون من الممكن تعديل الجهاز المناعي للمرضى حتى تتمكن أجسادهم من محاربة هذا المرض الفطري، فعندما لم تستجب روث، للمضادات الحيوية، ألقى الأطباء باللوم في أعراضها على تاريخها مع مشاكل الرئة.
وكشفت روث: “أُصِبتُ بالسل في عام 2019، وتلقيتُ علاجاً ناجحاً له، كما أصبتُ بالالتهاب الرئوي 4 مرات – في الأعوام 1994 و1999 و2011 و2015 – على الرغم من أنني أتبع نمط حياة صحي، ولا أدخن ولا أشرب الكحول”.
وأوضحت، إنه في إحدى في شهر يوليو 2024، عانت روث من نوبة سعال شديدة وشعرت بألم حاد في صدرها، مؤكدة، لقد شعرت وكأنني لا أستطيع التنفس أو البلع براحة”، في اليوم التالي ذهبت إلى الطوارئ، حيث قال الأطباء إن الفحص الإشعاعي للرئة أظهر شيئاً مريباً.
تتذكر روث: «قالوا إنهم يضعونني على مسار علاج السرطان، وأنه يمكنني العودة إلى المنزل، كنت خائفة جداً وأنا أنتظر الأخبار من قسم السرطان، فقد توفيت أختي الكبرى بسبب سرطان الرئة في العام السابق، ولحسن الحظ، أظهرت الأشعة السينية لرئتيها أنها خالية من السرطان، لكن السعال لم يتوقف.
أضافت روث: إنه لم يكن الأمر منطقياً، كنت أسعل واخرج أشياء غريبة من حلقى، وفقدت صوتي، وأصبحت أصاب بضيق تنفس شديد لدرجة أن زوجي نقلني إلى الطوارئ مرة أخرى.
قاس الطبيب هناك مستويات الأكسجين في دمي وعلى الفور وضعني على الأكسجين، كانت إحدى رئتي قد انهارت، أظهرت الفحوصات، أن روث مصابة بـ داء الرشاشيات القصبية الرئوية التحسسية، وهو رد فعل مناعي شديد تجاه فطرالرشاشية في رئتيها، وهذه الاستجابة المناعية نفسها تسبب التهاباً حاداً في المسالك الهوائية، ومخاطاً مفرطاً، و تلف دائم بالرئة.
قالت روث: «تبين أيضاً أنه كان لدي فطريات تنمو على رئتي و كنت مرعوبة، مشيرة إلى انه كان الأطباء في حيرة من أمرهم لتفسير كيفية إصابتي بهذه الحالة، لكنهم حذرونى من العمل في البستنة، مؤكدة، ولكني أعشق البستنة والعمل في الحدائق، لذا أخرج الآن لعمل ذلك وأنا أرتدي الكمامة.
وأضافت المجلة، لقد وُصِفت لـ “روث” الستيرويدات ” الكورتيزون” لتثبيط المبالغة في رد فعل جهازها المناعي، ولكن للأسف اضطرت إلى الدخول للمستشفى مرة أخرى بسبب التهاب حاد في المعدة لأن تلك الأدوية أتلفت بطانة معدتها، و عندما اعترف أطباؤها بأنهم يعرفون القليل عن داء الرشاشيات التحسسي، طلبت روث تحويلها إلى مستشفى “رويال برومبتون” في لندن – المشهور بخبرته في أمراض الرئة.
وأكدت المجلة، وهي تنتظر الآن الحصول على الضوء الأخضر للبدء بعلاج باستخدام فئة من الأدوية تُسمى الأدوية البيولوجية، والتي تقلل من التهاب الرئة الشديد دون تثبيط الجهاز المناعي بأكمله.
وأوضح دايفيد دينينج، أستاذ الأمراض المعدية والصحة العالمية بجامعة مانشستر، إن العديد من الخدمات الصحية في المملكة المتحدة تفتقر إلى المعرفة الكافية بداء الرشاشيات، مضيفا، إن هذا يتفاقم بسبب نقص البيانات الرسمية مما يخفي حجم المشكلة.
وقال، إنه مع داء الرشاشيات، فإن الفحوصات معقدة للغاية بحيث لا تتمكن الحكومة من جمع البيانات – لا أحد يجمع بالفعل أعداد جميع الحالات في بريطانيا، وهذا يترك السياسيين وصناع القرار يجهلون الحجم الحقيقي للمشكلة، والتي يقتنع الخبراء أنها تمثل أزمة متزايدة.
ويشير البروفيسور دينينج، إلى أن جزءاً من المشكلة يكمن في تشخيص المرض: «لا يوجد اختبار واحد يمكنه فعل ذلك، تحتاج مثلاً إلى إجراء صور أشعة لرئتي المرضى واختبارات PCR (تفاعل البلمرة المتسلسل، مثل المستخدم لتشخيص كورونا) التي تكتشف الجينات الفطرية في دم المريض.
لكنه حذر: «إن كثير من المرضى المصابين بداء الرشاشيات الغازي لا يتم الانتباه لهم لأن الأطباء لا يبحثون عن هذه العدوى بالأساس، وفي محاولة لتحديد المزيد من الحالات، يستعد البروفيسور دينينج وفريقه لنشر إرشادات جديدة لموظفي هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) حول كيفية التعرف على المرضى الذين قد يكونون مصابين بداء الرشاشيات واختبارهم، والحاجة إلى ذلك ملحة للغاية.
وقد حللت دراسة أجرتها جامعة “جونز هوبكنز” في بالتيمور الأمريكية، عام 2012 ، بيانات من التشريح الطبي لما بعد الوفاة في المملكة المتحدة، ووجدت أن داء الرشاشيات كان واحداً من أكثر تشخيصين مفحوصين تم إغفالهما لدى المرضى الذين توفوا لاحقاً (والتشخيص الآخر كان الانصمام الرئوي – انسداد مفاجئ في شريان الرئة بسبب جلطة دموية)، داء الرشاشيات ليس صعب التشخيص بشكل سيئ السمعة فحسب، بل إنه يقاوم بشكل متزايد الأدوية التي يمكنها مكافحته.
وحذرت دراسة نُشرت العام الماضي في مجلة The Lancet Microbe ، من أن الفطر يطور مقاومة للأدوية المضادة للفطريات المستخدمة أساساً لمكافحته – وهي فئة من الأدوية تُسمى الآزولات (Azoles).
وفحصت الدراسة عينات من مرضى في المستشفيات الهولندية بين عامي 1994 و2022، ووجدت أن مستويات المقاومة للآزولات ارتفعت بشكل مستمر إلى درجة أن مريضاً من بين كل 6 مرضى أصبح الآن مصاباً بسلالة واحدة على الأقل مقاومة للآزولات، وغالباً بأكثر من سلالة.
وحذر بول فيرفيج، أستاذ العلوم الطبية بجامعة رادبود في هولندا وقائد البحث، من أن المرضى في العناية المركزة المصابين بفيروس كورونا، أو بأمراض الرئة المزمنة مثل داء الانسداد الرئوي المزمن (COPD) هم عرضة للخطر بشكل خاص، مضيفا، إن خطر وفاتهم يتضاعف عندما يصابون بعدوى الرشاشيات.
وأوضح البروفيسور دينينج: « بان رئتيهم عرضة لاستعمار فطر الرشاشيات، لأنها متضررة هيكلياً، وملتهبة، وتكون مناعة منخفضة ضد العدوى، مؤكدا، إن أوبئة الأنفلونزا تشكل خطراً خاصاً آخر: «تظهر الأرقام أنه في الصين، 24% من الأشخاص الذين يدخلون المستشفى بسبب الأنفلونزا يصابون بداء الرشاشيات، وفي هولندا تبلغ النسبة 19%.
وأضاف البروفيسور دينينج، إن داء الانسداد الرئوي المزمن تهديد خطير، قائلاً: «هناك 130 ألف حالة دخول إلى المستشفيات في المملكة المتحدة بسبب داء الانسداد الرئوي المزمن كل عام، لكن الأطباء غالباً لا يلاحظون أنهم مصابون بداء الرشاشيات لأنهم يعتقدون أنهم شخّصوا السبب بالفعل – وهو إصابتهم بداء الانسداد الرئوي المزمن، وهو يعتقد أن البيانات المتاحة «تشير إلى أن ما يصل إلى ثلث وفيات داء الانسداد الرئوي المزمن قد يعود إلى داء الرشاشيات الرئوي الغازي، ويموت نحو 30 ألف شخص بداء الانسداد الرئوي المزمن في بريطانيا كل عام، وفقاً لجمعية “Asthma + Lung UK” الخيرية.
وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية (WHO) فطر الرشاشيات، كتهديد فطري ذي أولوية قصوى، معترفة بأنه أصبح مقاوماً للعلاج بشكل متزايد ويسبب آلاف الوفيات سنوياً على مستوى العالم، و تدعو إلى اتخاذ إجراءات فورية بما في ذلك التشخيص الأسرع، وأدوية أفضل، وتدريب الأطباء، والاستثمار في العلاجات.
ومع ذلك، هناك بعض الأخبار الإيجابية فقد اكتشف علماء في جامعة إيست أنجليا “مفتاح تحكم”، في خلايانا المناعية، يُمكّن الجسم من تدمير عدوى داء الرشاشيات، حيث يساعد بروتين يُدعى RAB5c خلايا الدم البيضاء على قتل فطر الرشاشيات، لكن هذا البروتين ينخفض لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
وَيأمل الفريق أن يؤدي هذا الاكتشاف إلى علاجات جديدة لهؤلاء المرضى، فبدلاً من مهاجمة الفطر مباشرة، قد تعمل العلاجات على تعزيز الآلية المناعية الخاصة بالمريض، ورغم كل هذه الصعوبات، تواصل روث عملها كمعالجة نفسية، وعن مرضها تقول: «لا يبدو أن هناك إجابات قاطعة أبداً، المستقبل لا يبدو واضحاً، ولا أعرف ما إذا كان ذلك بسبب نقص المعرفة أم أنه لا توجد استراتيجية طبية مستقبلية متاحة وتأمل في تجربة علاج جديد لعلاجها.


تعليقات