رشيد فى مواجهة البحر.. لماذا أصبحت المدينة التاريخية مهددة بالمياه؟

رشيد فى مواجهة البحر.. لماذا أصبحت المدينة التاريخية مهددة بالمياه؟

تقف مدينة رشيد صاحبة واحدة من أغنى مجموعات العمارة الإسلامية فى مصر، أمام تحدٍ يتجاوز ترميم منزل أثرى أو إنقاذ مسجد قديم، بعدما أصبحت المياه الجوفية وارتفاع مستوى سطح البحر جزءًا من المخاطر التى تحيط بنسيجها التاريخى، بما يضع مبانيها القديمة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على الصمود فى بيئة ساحلية شديدة الحساسية.

وجدد معرض «Rosetta: A City in Peril ـ رشيد: مدينة فى خطر»، الذى تستضيفه جامعة كولورادو بولدر الأمريكية، الاهتمام بهذه القضية، إذ يقدم المعرض جزءًا من «مشروع رشيد»، وهو برنامج بحثى متعدد المراحل يستهدف دراسة وحماية التراث المادى وغير المادى للمنطقة التاريخية بالمدينة. وتشير الجامعة إلى أن ارتفاع مستوى البحر يمثل تهديدًا لرشيد، بينما تتعرض غالبية مبانيها التاريخية، ومنها المنازل والطواحين والمساجد، لتأثيرات مرتبطة بتسرب المياه الجوفية.

مدينة صنع الماء جزءًا من تاريخها

ترتبط رشيد بالمياه منذ نشأتها وتطورها؛ فالمدينة تقع على الفرع الغربى للنيل بالقرب من البحر المتوسط، وكانت علاقتها بالنهر والبحر أحد العوامل الرئيسية التى صنعت ازدهارها التجارى والعمرانى عبر قرون.

وتضع اليونسكو الأحياء والآثار التاريخية لرشيد على القائمة التمهيدية للتراث العالمى منذ عام 2003، وتصف تاريخ المدينة باعتباره نتاجًا لعلاقة مستمرة بين النيل والبحر والرمال وحركة البيئة المحيطة بها. ووثقت ملفات الترشيح ما تتميز به من منازل ومساجد وحمامات ووكالات وشوارع تاريخية، إضافة إلى قلعة قايتباى والميناء القديم.

ارتفاع البحر ليس الخطر الوحيد

تكشف الدراسات العلمية أن المسألة أكثر تعقيدًا من احتمال وصول مياه البحر مباشرة إلى المدينة، إذ تتداخل عدة عوامل تشمل تآكل الساحل، وتسرب المياه المالحة، والتغيرات فى مستوى المياه الجوفية وهبوط أجزاء من دلتا النيل.
وأظهرت دراسة منشورة فى Journal of King Saud University – Science حول المنطقة الساحلية عند مصب فرع رشيد أن هذه المنطقة تتعرض لتآكل الشاطئ وتسرب مياه البحر والهبوط الأرضى، كما وجدت الدراسة ارتباطًا بين ارتفاع مستوى البحر والتغيرات المتوقعة فى المياه الجوفية بالمنطقة.

كما أكدت دراسة أحدث عن المخاطر البيئية فى دلتا النيل أن الدلتا، بسبب طبيعتها منخفضة الارتفاع، شديدة الحساسية لارتفاع مستوى البحر والهبوط الأرضى، ورصد الباحثون اتجاهًا لارتفاع مستوى البحر على ساحل الدلتا بنحو 3.42 ملليمتر سنويًا خلال الفترة التى شملتها بيانات الدراسة بين 1993 و2019.

المياه الجوفية تصل إلى المبانى التاريخية

تكتسب المشكلة خطورتها فى رشيد بسبب طبيعة عمارتها القديمة، فالمنازل والمساجد والمنشآت التاريخية تعتمد على مواد بناء تراثية تتطلب متابعة دقيقة لمستويات الرطوبة والمياه المحيطة بالأساسات.

ويشير مشروع جامعة كولورادو بصورة مباشرة إلى تأثر مبانٍ تاريخية بالفعل بتسرب المياه الجوفية، وهو ما جعل المشروع يتجاوز فكرة إقامة معرض توعوى إلى إعداد إرشادات للتصميم والسياسات وإطار لإدارة التراث فى مراحل لاحقة. كما قُبلت أجزاء من العمل للعرض ضمن مؤتمر المركز الأمريكى للأبحاث فى مصر لعام 2026.

كنز من العمارة العثمانية

وتزيد أهمية المشكلة عندما نعرف قيمة المنطقة التى يجرى الحديث عنها؛ فرشيد تضم، وفق تقرير حديث لـ«الأهرام ويكلى»، ثانى أكبر تجمع للآثار الإسلامية فى مصر بعد القاهرة التاريخية، وتشمل عمارتها مساجد ومنازل تجار ومنشآت تعكس مرحلة ازدهار المدينة خصوصًا خلال العصر العثمانى.

أما وثيقة رشيد المقدمة إلى اليونسكو عام 2003 فتشير إلى أنه كان قد جرى تسجيل 38 منزلًا تاريخيًا فى بداية القرن العشرين، وأن 22 منزلًا منها كانت باقية وقت إعداد ملف الترشيح، وتميز بعضها بواجهات من الطوب متعدد الألوان والمشربيات الخشبية. وهذا الرقم يعكس حالة الوثيقة وقت إعدادها، ولا يمثل بالضرورة حصرًا محدثًا لعام 2026.

مشروع لتطوير رشيد بالتوازى مع تحديات الحماية

ويأتى الحديث عن المخاطر البيئية فى الوقت الذى تشهد فيه رشيد مشروعًا لتطوير وإحياء المدينة التاريخية، يشمل ترميم وتأهيل عدد من المساجد والمنازل والشوارع والمواقع الأثرية، وتطوير الخدمات والمساحات العامة بهدف تعزيز مكانة المدينة كوجهة ثقافية وسياحية.

وبذلك يضع ملف المياه بعدًا إضافيًا أمام عملية الإحياء؛ فالحفاظ على رشيد يحتاج إلى التعامل مع المبنى التاريخى والبيئة المحيطة به فى وقت واحد، خاصة مع استمرار تأثير التغيرات الساحلية والمياه الجوفية على منطقة دلتا النيل.