لم يكن البحث عن آثار الحضارات القديمة حكرًا على العصر الحديث، فقبل ظهور علم الآثار كدراسة أكاديمية بقرون، كان هناك من يهتمون بجمع ودراسة بقايا الماضي ومحاولة فهم تاريخ الشعوب السابقة.
ويعد الملك البابلي نابونيد (555 – 537 قبل الميلاد)، آخر ملوك الإمبراطورية البابلية الحديثة، أحد أقدم الشخصيات التي ارتبط اسمها بممارسات تشبه علم الآثار، حتى وصفه بعض الباحثين بأنه أول عالم آثار معروف في التاريخ.
وبحسب موقع Greek reporter لم يكن نابونيد مجرد حاكم يهتم بشئون مملكته، بل كان شغوفًا بتاريخ بابل ومعابدها القديمة، حيث قاد عمليات بحث وتنقيب عن آثار الحضارات السابقة، وسعى إلى ترميم المعابد وإحياء النقوش القديمة التي عثر عليها خلال تلك الأعمال.

نابونيد يرتدي الزي التقليدي ويحمل رموزًا للعدالة والسلطة
أقدم عملية تنقيب أثرى
تعود أقدم عملية تنقيب أثري معروفة إلى عهد نابونيد، عندما قام بالتنقيب في معبد إبابار بمدينة سيبار في العراق حاليًا، بحثًا عن أساسات المعبد القديم تمهيدًا لترميمه.
وخلال أعمال التنقيب، عثر الملك البابلي على نقش أقدم يعود إلى نرام سين، أحد ملوك الإمبراطورية الأكدية التي ازدهرت قبل أكثر من ألف عام من عصره، ولم يكتفِ نابونيد باكتشاف النقش، بل حاول دراسة تاريخه وربطه بالفترة التي عاش فيها صاحبه، وهي خطوة تشبه منهج علماء الآثار في العصر الحديث.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن نابونيد كان يوثق أعمال الترميم والاكتشافات التي يجريها، حيث عثر على أسطوانات فخارية منقوشة تسجل تفاصيل مشروعاته في المعابد القديمة.
البحث عن جذور الحضارة البابلية
اهتم نابونيد بترميم عدد من المعابد القديمة، من بينها معبد المعبود سين في مدينة حران، ومعبد معبود الشمس شمش في سيبار، كما أعاد بناء أجزاء من معبد في مدينة لارسا، ورمم الزقورة الشهيرة في أور.
وكان هدفه من هذه المشروعات يتجاوز البناء والترميم، إذ سعى إلى دراسة تاريخ هذه المواقع وفهم ماضيها، وهو ما جعله مختلفًا عن الحكام الذين اهتموا فقط بإقامة المنشآت الجديدة.

قطعة آثرية قديمة
آثار نابونيد امتدت إلى الجزيرة العربية
لم تقتصر أعمال نابونيد على بلاد بابل، فقد قاد حملات وصلت إلى مناطق في شبه الجزيرة العربية، وأقام فترة طويلة في مدينة تيماء، حيث كشفت التنقيبات الحديثة عن وجود تأثيرات معمارية بابلية ونقوش مرتبطة بفترة حكمه.
وعاد نابونيد لاحقًا إلى بابل، قبل أن تسقط الإمبراطورية البابلية أمام الفرس بقيادة الملك كورش، ولا تزال نهاية حياته محل جدل بين المؤرخين، إذ تختلف الروايات حول مصيره بعد سقوط مملكته.
ورغم أن مفهوم علم الآثار لم يكن موجودًا في عصره، فإن اهتمام نابونيد بجمع النقوش القديمة، والتنقيب عن بقايا الحضارات السابقة، وتوثيق المكتشفات، يجعل بعض الباحثين يعتبرونه نموذجًا مبكرًا لعالم الآثار قبل آلاف السنين من ظهور هذا العلم بشكله الحديث.

تعليقات