من ضباب يا أبى إلى جائزة الدولة.. يونس أبو سبع يحكى رحلة القصيدة (حوار)

من ضباب يا أبى إلى جائزة الدولة.. يونس أبو سبع يحكى رحلة القصيدة (حوار)

شكل فوز الشاعر يونس أبو سبع بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب لعام 2026، فرع ديوان شعر الفصحى، محطة جديدة في مسيرة شاعر يكتب قصيدته بروية، ويؤمن بأن الشعر يصنع بالصبر والمراجعة والبحث الدائم عن مناطق جديدة في الروح، وفي ضوء ذلك تواصلنا مع الشاعر للحديث عن ديوانه الفائز «ضباب يا أبي»، ورحلته مع الكتابة، وما تمثله الجائزة من دافع ومسئولية.

 

هل تعد جائزة الدولة دافعا أم مسئولية وكيف ستحافظ عليها؟

جائزة الدولة إشارة ليست هينة بالاعتراف بتجربتي الشعرية والتعويل عليها، وهذا بالضرورة يمثل لي دافعًا قويًّا من جهة، ويُحملني مسئولية كبيرة من جهة أخرى، فالمبدع الحقيقي لا ينتظر مؤسسة أو جائزة أو أي أرقام تحققه، لا يتوقف إيمانه على أحد أو على شيء، لكن نحن بشر، طاقة متلاحمة، كلٌّ منا يحتاج أن يصل إلى الآخر، كلُّ إنسان مؤمن يحتاج أن يطمئن قلبُه بآيتِه، فيراها في عيون الآخرين، ويعرف قدر مسئوليتها وما تقتضيه من عمل.

 

كم استغرقت فى كتابة ديوانك “ضباب يا أبى”؟

استغرقت فى كتابة الديوان أكثر من عامين.

 

لماذا كل هذا التأخير؟

أنا أكتب بشكل مستمر ومتواصل على سبيل البحث والتفتيش في مكامن ذاتي وربط أفكاري بعضها ببعض، لكني مع ذلك شديد التنقيح والتمحيص، وأرى أن الشعر يكمن بنسبة كبيرة في المحذوف والمضمر والمسكوت عنه، لذلك أحاول أن أترك قصائدي تختمر وتكشف لي عن نفسها ومقاصدها المشتركة معي، في حوار يطول وينتهي بالشكل النهائي للقصيدة، الأقرب إلى الرضا، غير أني أعول على الصدق الفني والجودة أولًا، تأتي بعد ذلك معايير الكم والزمن.

يونس أبو سبع
يونس أبو سبع

تدور كل قصائد الديوان عن الأب.. لماذا اخترت الأب تحديدًا؟

الأبوة طابع وفكرة وجودية بها الكثير من الأبعاد الشعورية والفكرية، إذا تحدثت عن تجربة الديوان من منطلق العنوان، يمكنني القول إن القصائد تتضافر في خطاب من الذات الإنسانية يستجير من قسوة العالم وأضداد الحياة بقوى عليا تتمثل في الأب البيولوجي تارةً وفي الأب بالمفهوم المقدس الموروث تارةً، وللأبِ العالَم الذي نحن البشرية جميعًا نعيش به وفي ظلاله.. لم يكن الضباب دليلًا على انعدام الرؤية بقدر ما هو تجسيد لهذا الخطاب الإنساني الذي يحمل قضاياه وآلامه بعد طول معالجة، إلى مُخاطب ربما يملك الطرف الآخر من الحوار، وينهي المعضلة.

 

هل لديك أعمال أخرى منشورة؟

لي ديوان “سيرينادا لعروس البحر”، فاز بجائزة المسابقة الأدبية المركزية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وتم نشره وطباعته ضمن سلسلة “الفائزون” عام 2020م، ولي عدة قصائد منشورة ببعض المجلات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.

 

كيف تولد القصيدة لديك؟ هل تبدأ بصورة، أم فكرة، أم إيقاع؟

القصيدة ليست موضوعًا أو تقريرًا محدد الجوانب والعناصر، ليست قرارًا مسبقًا أعمل على تنفيذه وفقًا لخريطة فنية، لكنها في الأساس حالة شعورية كثيفة ومليئة بالتوترات، والكتابة محاولة للتكشف والتشكل داخل هذه الحالة لتجسيدها وتوظيف الأدوات المناسبة لها، ولكل حالة شكل وتوجه وأدوات قادرة على حملها وتوصيلها للمتلقي بوضوح وكثافة، ببساطة وعمق، كل ما في الأمر أن تتحقق هذه المفارقات الشعرية دون عناء أو تكلف أو تقصُّد في استخدام إيقاع معين أو صورة معينة، ربما عنصر الفكرة هو الأكثر حضورًا في البداية، لكن أثناء الرحلة مع القصيدة، تجد أن للغة مقاصدها معك، ولها أدواتها وضروراتها الفنية، فقد يكون الإيقاع سيد الموقف، وقد تكون الصورة، وقد تحمل الفكرة نفسها على المباشَرة التي يقتضيها سياق الخطاب الشعري، باختصار، القصيدة رحلة اكتشاف ومغامرة، وليست خطة ثابتة أو قرارًا إنشائيًّا.

 

هل تمر بفترات انقطاع عن الكتابة؟ وكيف تتعامل معها؟

أمر بفترات لا أنتج فيها قصيدة جديدة، لكنني في الأغلب لا أنقطع عن الكتابة، أكتب باستمرار، بشكل يومي تقريبا، ذلك يُعد بالنسبة لي مرانًا يحافظ على رشاقة اللغة وحيويتها وعلاقتي بها من جهة، ومن جهة يعد تفتيشًا في مكامن ذاتي عن القصيدة، عن أصفى صوت لها، وعن مفرداتها وإيقاعها المناسبين، وعن مطلعها الذي يُبنى عليه كل شيء.

لستُ عجولًا في كتابة القصيدة، ولا أختار السهل والمجاني، لذلك آخذ وقتي في الوصول إلى قصيدتي في صورتها النهائية، وقد تأتي القصيدة في دفقة واحدة سريعة، في النهاية أنا أومن أن القصيدة قد تتكشف في نفسها وتكشف عن مناطق جديدة لها وتدعوني لكتابها مرة أخرى أو تنقيحها أو الحذف منها لإضافة مساحة شعرية خالصة أساسها المحذوف والمضمر والمسكوت عنه.

أبحث عن صوتي الخالص، وأحاول ألا أكرر نفسي وألا أشتبك مع أصوات أخرى، فالكتابة عمل يبدو سهلًا، لكن كتابة قصيدة تخصك بمعايير فنية عظيمة، هذا أمر ليس سهلًا، ويكفله الصدق الفني في المقام الأول، ثم المهارة والقدرة اللغوية على تشجير الحقل الدلالي والأدوات التي يقتضيها السياق.

 

ما أكثر قصيدة كتبتها وشعرت أنها استنزفتك نفسيًا؟

القصيدة الأقرب إلى الوجدان والشعور، هي الأكثر استنزافًا بطبيعة الحال، لا أرتب نصوصي حسب الألم، لكن بالتأكيد هناك نصوص أكثر إرهاقًا في الوصول إلى أعماق الذات، وأكثر التصاقًا بالوجدان، غالبًا ما تكون تلك النوعية من القصائد متصلة بواقع حي، ومعايشة هذا الواقع داخل القصيدة ومعالجته واستدعاء كل مفرداته، قد يُشكل عملية من العناء والاستنزاف، لكنه نزيف صحي على كل حال.

 

من أكثر الشعراء الذين تركوا أثرًا في تجربتك؟

في الشعر، الأبوة المطلقة للشعر ذاته، والشعر يتمثل في الشعراء ويُعرف من خلالهم، وتاريخ الشعر العربي حافل برموز وقامات شعرية جبارة على مر العصور، وأنا بدوري كشاعر يعيش اللحظة الراهنة، لا أستطيع أن أبدأ كلامي قبل أن أتتبع هذا المسار الطويل بدءًا من الجد امرئ القيس، مرورًا بالشعر العباسي، حتى قصائد الرواد في القصيدة المعاصرة، وحتى قصائد الأقران.

فاللغة وإن كانت محدودة في أدواتها ومعجمها وتراكيبها، هي ليست محدودة الإبداع، والطاقات الكامنة فيها غير قابلة للانتهاء أو التجمد، وهذا هاجس ينتاب الشعراء جميعًا في بعض الأوقات، أن الكلام تجمد، والإبداع ولَّى، وهذا في رأيي غير حقيقي.

 

في رأيك.. هل أصبحت الرواية أكثر حضورًا من الشعر؟ ولماذا؟

ربما أصبحت الرواية أكثر حضورًا في سوق النشر، لكن الحضور الإعلامي لا يعني التفوق الفني، ولا يعني الأهمية التاريخية والجودية لفن أو جنس أدبي دون آخر، فقصيدة الشعر ضرورة وجودية، ولا تزال قادرة على البقاء والصمود وستظل، لأنها الفن الأكثر كثافة، والأقل ثرثرة ومجاملة، والإنسان يحتاج إلى هذه اللغة دائمًا، بل هي مسعفته وموطنه الأخير حين لا يؤدي به السرد إلى موطنه.

 

هل ممكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الشاعر ويكتب قصائد كاملة؟

قد يتحدث الذكاء الاصطناعي بمهارة الصانع الحاذق عن الأشياء الروحية ويتمثلها، لكنه لن يبدعها أو يستنسخها.

وخلاصة الأمر أننا نعيش في زمن تتسارع فيه الطفرات التي كانت يومًا مجرد هواجس، تضيق الدائرة شيئًا فشيئًا، وتطغى المادة والآلة، وتتكدس العقول بما لا يُطاق، وتتعرقل الأرواح عن الانطلاق إلا عند من لم تتوقف روحه أو تنهزم.

سيقف المبدع المفلس أو صاحب الذكاء المحدود أمام الذكاء الاصطناعي يسأله عن إبداعه الجديد، بينما يقف الذكاء الاصطناعي أمام المبدع الحقيقي يسأله عن جديد إبداعه.

ومهما تصدّر الآليون وأنصار الصنعة المحضة والمزيفون والتافهون، ستبقى للروح حكمتها وكلمتها المتجاوزة لأدوات العقل؛ ستبقى دائمًا ربة الإبداع، وسر الإله الأكبر.

 

ما خطتك المستقبلية حول الأعمال الشعرية؟

خطتي المقبلة تتمثل في التركيز بشدة على ألا أكرر نفسي فيما هو آت، وأن أبحث عن مناطق مختلفة وجديدة من روحي.. أعمل على تنسيق ديواني الثالث بانتقائية ودقة شديدة، وآمل أن أقدم فيه تجربة تمس القارئ المعاصر، وتمس الإنسان في كل زمان ومكان.

 

في نهاية حديثنا اذكر لنا قصيدة من قصائد ديوان ضباب يا أبي

“صورة”
على كلِّ حالٍ لن أبدِّلَ صورةً
أهيمُ بها في كلِّ وادٍ.. فكُنتُها

وفي كلِّ وجهٍ عائدٍ من حكايةٍ
وفي نَجمةٍ ملءَ السطوعِ بكيتُها

وفي كل موتٍ لم يَخُنِّي وخُنتُهُ
فثَمَّ فتحتُ البابَ.. ثَمَّ رأيتُها

هناكَ بأقصى العُشبِ تُطلِقُ شَعرَها
وما كادَ يغفو الموجُ حتى هَمَستُها

لخُطواتِها نحوَ الخريفِ تَبِعتُها
مَشَيتُ على الوزنِ الخفيفِ حملتُها

على كل بابٍ عُشبةٌ ومَحاورٌ
تفتَّحتُ فيها كلما رقَّ نَحتُها

أُقيمُ صلاتي في فراغِ مدينتي
وتأسرُني الأحلامُ إن يَجلُ سَمتُها

دمي للفراشاتِ، الفراشاتُ في دمي
ليَ الوردُ والنيرانُ حيثُ نزفتُها

أسيرُ.. أطيرُ.. الأرضُ تغدو قصيدةً
وأرجعُ إذ يَنسى القصيدةَ بيتُها

على كل حالٍ سوف تغدو قصيدةً
وتلك ظلالي للغيابِ نَذَرتُها

على كل حالٍ سوف تَفنَى مدينتي
كزيتونةٍ تغفو وما كاد زَيتُها…

سيَفنَى مع الفردوسِ بَيتٌ هَجَرْتُهُ
وتَفنَى مع الدنيا فتاةٌ هجرتُها

سأخلعُ ثوبي والطريقُ مَطِيَّتي
أُراودُني عن رحلةٍ حانَ وقتُها

هناك بوادٍ غيرِ ذي غُربةٍ ولا كتابٍ
وإنَّ النهرَ صوتي وصوتُها..

ستَبقَينَ ما حنَّتْ بلادٌ لعاشقٍ
وتَبقى غيومٌ في يديكِ سكبتُها

ديوان ضباب يا أبي
ديوان ضباب يا أبي