كشفت دراسة علمية حديثة السر وراء بقاء الرسوم الصخرية في هواشان بالصين محفوظة لأكثر من ألفي عام، حيث توصل باحثون إلى أن الفنانين القدماء استخدموا خليطًا مبتكرًا من الجير والطين الأحمر والدم لصناعة مادة رابطة ساعدت على تثبيت الأصباغ فوق المنحدرات الجيرية، وحمايتها من تأثيرات الحرارة والأمطار والرطوبة عبر القرون.
وأوضحت الدراسة، التي قادها الباحث مينج وو من جامعة شاندونج بالتعاون مع متحف قوانجشي للأنثروبولوجيا، ونشرت في مجلة Journal of Archaeological Science، أن الدم المستخدم في الطلاء يرجح أنه كان مأخوذًا من النساء أثناء الولادة أو بعدها بفترة قصيرة، وليس نتيجة طقوس عنف أو تضحية كما قد يتبادر إلى الذهن.
تقنية متقدمة لحماية أقدم رسوم هواشان
تمتد رسوم هواشان الصخرية لأكثر من 260 كيلومترًا على طول نهر زو في منطقة قوانجشي جنوب الصين، وتضم أكثر من 80 موقعًا صخريًا مدرجًا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتظهر عليها رسوم لأشخاص وحيوانات وأدوات برونزية تعود في معظمها إلى الفترة بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، ولسنوات طويلة، حيرت هذه الرسوم علماء الآثار بسبب قدرتها على الاحتفاظ بألوانها الحمراء الزاهية رغم تعرضها المستمر للعوامل المناخية القاسية.
وخلال الدراسة، فحص الباحثون عينات من طبقات الطلاء المتساقطة طبيعيًا من ثلاثة مواقع هي: جاوشان، ودانينجشان، وتوبينجشان، وقارنوها بالصخور والرواسب المحيطة بها.
وأظهرت التحاليل أن الصبغة لم تكن توضع مباشرة على الصخور، بل كان الفنانون يصنعون طبقة شبيهة بالملاط تعمل كوسيط يربط اللون بالسطح الصخري.
كما كشفت الفحوص المجهرية والكيميائية وجود طبقة رقيقة ومنتظمة بين الطلاء والصخر تحتوي على كربونات الكالسيوم والفوسفات والسيليكات والبروتينات، وهي مواد لم تكن موجودة في الصخور الطبيعية، ما يؤكد أنها صُنعت عمدًا بواسطة الفنانين القدماء.
وخلص الباحثون إلى أن الفنانين مزجوا الجير والطين الأحمر والدم لإنتاج مادة رابطة معدنية، حيث ساعد تفاعل الجير مع الهواء على تكوين بلورات كربونات الكالسيوم التي ثبّتت الألوان داخل الحجر الجيري.
وأشار الفريق البحثي إلى أن العامل الأساسي في بقاء الرسوم لم يكن الدم وحده، وإنما الطبقة المعدنية التي تكونت بفعل الجير، إذ تحولت إلى غلاف يشبه الحجر الجيري الطبيعي وحافظت على التصاق الأصباغ بالصخور.
أدلة تكشف ارتباط التقنية بمعتقدات الخصوبة
كان الاكتشاف الأكثر إثارة خلال الدراسة هو العثور على بروتينات دموية محفوظة داخل طبقة الطلاء، من بينها بروتينات مثل الألبومين والفيبرينوجين والأجسام المناعية.
وبعد استبعاد احتمالات التلوث الحديث، رجح الباحثون أن الدم البشري المستخدم جاء من النساء أثناء الولادة، خاصة بعد العثور على بروتينات ترتبط بالحمل والرضاعة.
ويرى العلماء أن هذه الممارسة قد تكون مرتبطة بمعتقدات شعب لويويه القديم، الذي يُنسب إليه تنفيذ هذه الرسوم، حيث تشير السجلات التاريخية إلى أن هذا المجتمع كان ذا نظام أمومي، كما تضمنت الرسوم نفسها رموزًا مرتبطة بالخصوبة والإنجاب.


تعليقات