لم تكن دعوة إلى فنجان قهوة. هكذا كنت أظن وأنا أتجه إلى لقاء المهندس المدني والفنان التشكيلي فيصل الشواف في العاصمة الرياض.
كنت أستعد لحوار قصير عن معرض جديد، وعن مشاريع هندسية، وعن أفكار تدور في ذهن رجل يعيش بين المخططات ومواقع التنفيذ.
لكنني، منذ الدقائق الأولى، أدركت أنني لم أجلس أمام مهندس يتحدث عن البناء، بل أمام فنان يحكي كيف يمكن للمدينة أن تصبح لوحة.
كان يحدثني عن معرضه الجديد، لكنه رفض أن يكون معرضًا بالمعنى المعتاد، أو مكتبًا يستقبل العملاء خلف المكاتب المغلقة. أراده فضاءً مفتوحًا، أشبه بمتحف للفن والهندسة، تتجاور فيه اللوحات مع المشاريع، والمواد الخام مع التصاميم، حتى يصبح العميل جزءًا من التجربة قبل أن يوقّع عقدًا.
قال لي: “لن يحتاج العميل إلى موعد… كل شيء سيكون أمامه؛ الفكرة، والتصميم، والتنفيذ، والرحلة كاملة”
كانت كلمة “الرقمنة” تتكرر في حديثه، لكنه لم يكن يقصد التقنية وحدها، بل الإنسان البصري، ذلك الإنسان الذي أصبح يرى قبل أن يقرأ، ويشعر بالصورة قبل الكلمة. كان يؤمن أن مستقبل الهندسة لن يكون في المخططات فقط، بل في التجربة البصرية التي يعيشها العميل منذ اللحظة الأولى.
وأمام كل ذلك، لم أجد نفسي أسأله عن أول مشروع أنجزه، ولا عن أشهر مبنى صممه.
سألته عن الطفل الذي كان يسكنه.
من أين بدأت الحكاية؟
ابتسم ابتسامة طويلة، ثم عاد بذاكرته إلى مقاعد المدرسة.
قال: “كنت أعشق رسم الطبيعة… الأشجار، والغروب، والبحر. ثم وجدت نفسي أميل إلى الرسم التجريدي، وكأنني أبحث عن شيء لا تستطيع الكلمات تفسيره”
كان يشارك في المسابقات المدرسية، ويحصد التشجيع قبل الجوائز.
وكانت والدته أول من آمن بموهبته. كانت عاشقة للألوان، ترى في كل لوحة مشروعًا لفنان قادم.
أما والده، فكان يملك محلًا للتحف، وهناك، دون أن يشعر، تربت عيناه على الزخارف، والنقوش، والخشب المعتق، والأشكال التي تصنع الجمال في صمت.
ثم جاء الشخص الذي غيّر جزءًا من رحلته.
جارهم السوري، ضياء رمضان.
كان يجمع فيصل مع ابنيه، وسيم ووائل، كل يوم جمعة، ويعلمهم أسرار الخط العربي. هناك تعلم النسخ، والرقعة، والخط الكوفي، حتى أصبحت له اليوم جداريات تزين مواقع مختلفة في الرياض.
ويبتسم وهو يستعيد المفارقة الجميلة:
“الثلاثة أصبحنا محترفين في الجرافيك ديزاين”
كبرت الموهبة معه، ولم تعد مجرد هواية.
دخل مسابقات على مستوى المملكة، وكان في الصف الخامس يتنافس مع زميل بارع في رسم السيارات، منافسة صغيرة صنعت طموحًا كبيرًا، قبل أن يصبح ذلك الزميل لاحقًا مهندسًا معماريًا أنه المهندس محمد شرف.
وفي المرحلة المتوسطة، اكتشف الحاسب الآلي، وهناك دخل عالم الجرافيكس، فوجد نفسه يقترب أكثر من الفن الرقمي.
وحين التحق بالجامعة، كانت البرمجة وجهته الأولى، قبل أن ينصحه شخص قريب منه بأن الهندسة هي المكان الذي ستلتقي فيه موهبته بمستقبله.
اختار الهندسة المدنية.
حتى رئيس قسم العمارة حاول إقناعه بالانتقال إلى الهندسة المعمارية، لكنه رفض.
كان يعرف أن الفن لا يرتبط بتخصص معين، بل بطريقة التفكير.
وقال جملة بقيت عالقة في ذهني:
“الناس تعرفني فنانًا قبل أن تعرفني مهندسًا… لكن الفن هو الذي قادهم إلى هندستي”.
ولم تكن تلك مجرد عبارة.
فاليوم، تجاوزت بصمته أكثر من 100 مشروع بين التصميم والتنفيذ، وأصبح يدير شبكة عمل متكاملة تضم نحو 10 ورش ومصانع يتعامل معها بصورة مستمرة، إضافة إلى أكثر من 20 مورّدًا دائمًا يشاركونه تنفيذ مشاريعه.
ورغم هذا الامتداد المهني، لم يتحدث عن الأرقام بوصفها إنجازًا شخصيًا، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لفكرة آمن بها منذ طفولته: أن الجمال ليس عنصرًا إضافيًا في المشروع، بل هو جزء من هويته.
وأنا أستمع إليه، لم أعد أرى مهندسًا يتحدث عن الخرسانة والحديد، بل فنانًا يمنح المادة روحًا، ويجعل المكان يحكي قبل أن يتكلم.
انتهى فنجان القهوة.
لكن القصة لم تنته.
خرجت وأنا أحمل في دفتري أكثر مما كنت أبحث عنه.
ذهبت لأكتب عن معرض، فعثرت على سيرة.
ذهبت لأحاور مهندسًا، فاكتشفت إنسانًا صنع من موهبته هوية، ومن الفن لغة، ومن الهندسة رسالة.
لهذا، لم تكن تلك الجلسة مجرد دعوة إلى قهوة…
كانت دعوة للدخول إلى عالم فيصل الشواف، العالم الذي تصافح فيه الريشة المسطرة، وتلتقي فيه اللوحة بالمبنى، ويصبح الجمال أساسًا لا يقل أهمية عن أي حجر يوضع في مكانه.
وربما لهذا السبب، لم تستأذن هذه القصة قبل أن تخرج من داخلي.
هي التي اختارت أن تُكتب، وأن تجد مكانها بين صفحات كتابي القادم، لأن بعض الأشخاص لا يمكن اختصارهم في حوار صحفي… بل يحتاجون إلى فصل كامل من الحياة.


تعليقات