فاقد الشيء يعطيه

فاقد الشيء يعطيه

أنا مثل سيدات كثر.. امرأة قوية استمديت قوتي من مقولة صارت مبدأ وقيمة لا تقبل التنازل، علمنيها أبي رحمة الله عليه.. إن الحياة لا تحترم الضعفاء.. نعم، عشت انكسارات وهزائم نالت من قوتي ولكنني سرعان ما كنت ألملم شتاتي لأقف من جديد.

ولكن هذه الأيام أعيش حالة خاصة، الخوف ملمحها الرئيسي والتوتر عنوان غلافها والقلق مكونها الأساسي، لأن لي في هذا البلد مستقبل أريد أن أحميه.. فأنا مقبلة على خوض تلك التجربة البعبع المسماه مجازًا بالثانوية العامة..

كلما رأيت دموع الأمهات وإنهيار الأبناء سواء أيام الامتحانات أو بعد ظهور النتيجة أشعر بيد قاسية متوحشة تعتصر قلبي فيسكنه الخوف.. لا على حلم السنين بل على شقى السنين.. قرة العين.

  
ورغم ذلك ولأنني على قناعة تامة بأن فاقد الشيء هو أجدر من يعطيه، خاصة المشاعر فإنني أبث الطمأنينة.. أدفع بكل قوتي حتى يتحقق الحلم.. أغرس في العقل والقلب البريئين أن الأهم هو أن نعبر التجربة بسلام، إن الانسان أغلى من المجموع والكلية وسنوات التفوق.. أن نبذل أقصى ما في وسعنا ونترك الأمر لله، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأنَ سعيه سوف يُرى.

إن الثانوية العامة في بلادي وبكل ألم هي بوابة تحقيق الحلم بل وشرطه الأول والأخير 
ولكن هل العدل أساس التجربة؟! أم أن لجان أولاد الأكابر والمجاميع فائقة القدرة في لجنة واحدة والسماعات والدرجات العجبية التي اسمعها والآباء والامهات الذين تصل صرخات نحيبهم عنان السماء بعد أن تغيرت نتائج أولادهم بعد دقائق من ظهورها تؤكد أن في الأمر جور؟!

هل تقابل هذه الصرخات بآذان مصغية أم بقلوب أصابتها القسوة بعمى البصيرة؟! هل سيأخذ كل ذي حق من هؤلاء الأبناء حقه أم أن لنا في طلاب الأصفار أسوة ودرسًا؟! 
 

في كل عام ومنذ أن كنت أنا في الثانوية العامه تعلن أسماء الأوائل وبعد ذلك بيوم أو اثنين تعلن النتيجة، لماذا هذا العام الأمر مختلف؟! وما سر إعلان النتيجة ليلًا؟! وهل إسبوعا أو عشرة أيام على الأكثر كافية لتصحيح أوراق سنة مهمة كهذه بعدد طلابها هذا؟! 

وما دلالة رسوب ما فوق المئتي ألف؟! هل سنستفيق ونستمع إلى رغبة المعلمين أنفسهم بإلغاء نظام الامتحانات بهذا اللعين المسمى البابل شيت أم سنكمل طريق الخسارة حتى نهايته؟!

أيها السادة في كل عام ومع كل امتحان وبعد كل إعلان للنتائج أشعر أن خسارة الإنسان وموت الأحلام آخر اهتماماتكم.. أيها السادة إن التجربة لن تنجح طالما تحولون الأحلام إلي كوابيس.