في كتابها «سلطة شبكات التعقب عبر وسائل الاتصال والإنترنت» (ترجمة حسان البستاني) تنقل جوليا أنغوين، تقارير من الخطوط الأمامية لاقتصاد الرقابة في أمريكا، وتلقي نظرة ثاقبة ومقلقة على كيفية استخدام الحكومة، والشركات الخاصة، بل والمجرمين أيضاً، التكنولوجيا لمعرفة بياناتنا الشخصية بطريقة وقحة.
والمؤلفة صحفية تخوض تجربة شخصية وعملية، وتشرع في رحلة استقصائية لمدة عام للإفلات من شبكات المراقبة التي تحيط بنا، مسجلة كل خطوة تخطوها في دفتر ملاحظاتها، لتنطلق في كتابها من سؤال محوري: هل ما زال هناك مجال للخصوصية؟
تستعرض أنغوين من خلال تجربتها الشخصية، كيف تحولت المراقبة من أداة تستهدف المجرمين إلى شبكة تعقب شاملة تطال الجميع دون تمييز، وكيف أصبحت بياناتنا الشخصية سلعة تتداول في أسواق خفية.
بنية تحتية
الفكرة ليست مجرد أننا مراقبون، بل إن المراقبة أصبحت هي البنية التحتية للحياة الرقمية ذاتها، فالكاتبة لديها أطروحة أساسية: الخصوصية ليست ترفاً فكرياً، بل هي شرط أساسي للحرية، وللعلاقات الإنسانية الوثيقة، ولممارسة حقنا في أن نكون مختلفين.
تمزج أنغوين الصحافة الاستقصائية بالتجربة الذاتية، لتصل إلى أن «الخيار ليس بين الخصوصية والتكنولوجيا، بل بين نوعين من المستقبل: مستقبل نعيش فيه في خوف ورقابة ذاتية، ومستقبل نستعيد فيه سيطرتنا على معلوماتنا»،
تشرح الكاتبة كيف أن التكنولوجيا سمحت بظهور عصر جديد من شبكات التعقب المعززة، وأصبح جمع البيانات الشخصية رخيصاً وسهلاً، وأصبحت الحكومات، مثل وكالة الأمن القومي والشركات، تقدم قائمة صادمة بالأشياء التي يمكن أن تحدث لنا في هذا العالم.
أثر
تناقش أنغوين الأثر النفسي للمراقبة الجماعية، مستعينة بدراسات الحالة وتاريخ جهاز الأمن الألماني الشرقي (الشتازي) وتستعرض دراسة الشتازي التي احتفظت بملفات عن ربع السكان، وكيف أن الخوف من المراقبة دفع الناس إلى تغيير سلوكهم، إما بأن يصبحوا مواطنين نموذجيين أو ينسحبوا من المجتمع.
رغم أن بعض الدراسات تشير إلى أن وجود عيون مراقبة قد يردع الجريمة، إلا أن الأدلة على فعالية المراقبة في منع الإرهاب ضعيفة جداً، لأن الإرهاب حدث نادر لا يمكن التنبؤ به باستخراج البيانات، وتخلص أنغوين إلى أن السؤال الحقيقي ليس «هل المراقبة تمنع الجريمة؟» بل «هل ثقافة الخوف التي تخلقها تستحق العناء؟».
تركز أنغوين على التحدي الأكبر في رحلتها: الهاتف المحمول، وتشرح كيف أن الهواتف المحمولة أصبحت «جهاز التعقب الأكثر فعالية في العالم» وتحكي كيف اشترت هاتفاً «خادعاً» نقداً، وحاولت استخدام (حقائب تعزل الإشارات) لمنع التتبع، لكنها اعترفت بأن هذه الحلول غير عملية.

تعليقات