مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام، يتجدد الاعتقاد بأنها المحطة الفاصلة في مستقبل الطلاب، باعتبارها البوابة الرئيسية للالتحاق بالجامعة، ورغم أهمية هذه المرحلة، فإن التاريخ الثقافي والأدبي يثبت أن النجاح لا يرتبط دائمًا بمسار تعليمي تقليدي، إذ برز العديد من الأدباء والمبدعين الذين لم يلتحقوا بالثانوية العامة، أو اكتفوا بالحصول على مؤهلات فنية، بل إن بعضهم لم يُكمل تعليمه النظامي، واعتمدوا على تثقيف نفسهم ذاتيًا، حتى تمكنوا من صقل موهبتهم وتحقيق نجاحات استثنائية، وحصدوا جوائز مرموقة، وأصبحوا من أبرز رموز الأدب والثقافة، ومن ضمن هذه النماذج الملهمة، الأديب الكبير والفيلسوف عباس محمود العقاد، فكان العقاد أديب، وشاعر، وفيلسوف، وسياسي، ومؤرخ، وصحفي، وراهب محراب الأدب، ذاع صيته فملأ الدنيا بأدبه، ومثل حالة فريدة في الأدب العربي الحديث، ووصل فيه إلى مرتبة فريدة.
ولد «عباس محمود العقاد» بمحافظة أسوان عام 1889م، وكان والده موظفا بسيطا بإدارة السجلات، اكتفى العقاد بحصوله على الشهادة الابتدائية، غير أنه عكف على القراءة وثقف نفسه بنفسه؛ عمل العقاد بالعديد من الوظائف الحكومية، ولكنه كان يبغض العمل الحكومي ويراه سجنا لأدبه؛ لذا لم يستمر طويلا في أي وظيفة التحق بها، اتجه للعمل الصحفي؛ فعمل بجريدة «الدستور»، كما أصدر جريدة «الضياء»، وكتب في أشهر الصحف والمجلات آنذاك، وهب العقاد حياته للأدب؛ فلم يتزوج، ولكنه عاش قصص حب خلد اثنتين منها في روايته «سارة».
ورغم أن العقاد لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية إلا أنه أتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وقرأ نحو 40 ألف كتاب، وقد أهدى عملاق الأدب مكتبته لقصر ثقافه أسوان لتكون كتبه في متناول أبناء أسوان والنوبة وتجاوز عددها 177 ألف كتاب في مختلف العلوم والآداب والفنون.
الإبداع الأدبي والفكري في حياة العقاد
كانت حياة العقاد سلسلة من الكفاح الأدبي والسياسي، أبدع في الشعر والمقال والنقد، وتناول الفلسفة والدين والتاريخ في كتاباته، وأسس مع عبد الرحمن شكري والمازني “مدرسة الديوان” التي قدمت مفاهيم جديدة في الأدب والنقد، واعتُبرت خطوة كبيرة لتجديد الشعر العربي.
خاض العقاد معارك أدبية وفكرية مع كبار عصره مثل أحمد شوقي وطه حسين، واشتهر بأسلوبه المنطقي الذي يعتمد على ترتيب الأفكار والمقدمات وصولاً إلى النتائج.
كما تميز العقاد بغزارة الإنتاج، فبلغت مؤلفاته أكثر من مئة كتاب، من أشهرها سلسلة “العبقريات” التي تناولت شخصيات إسلامية بارزة، مثل عبقرية محمد، وعبقرية الصديق، وعبقرية عمر. إلى جانب ذلك، كتب دواوين شعرية مثل “يقظة الصباح” و”أعاصير مغرب”، وكتب أدبية واجتماعية مثل “مطالعات في الكتب والحياة” و”جحا الضاحك المضحك”.


تعليقات