نافذة على الوعي (19).. جرائم العرض والشرف

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

وَصْلًا لمسيرة الغوص في مدونة العُمران النفسي لدى المتنبي لاستخراج دُرِّها وكريم أصدافها، فإن سنا بريق تناوله جرائم العرض والشرف يكاد يخطف الأبصار روعةً وإبهارا وإدهاشًا. إذ لا يقتصر مَثَار الفرادة على التناول الأدبي في نظمه وبلاغته ونسقه الفائق الذي لا يدانيه فيه من أحد كما قال هو لمن حاول تصنيفه وأشعاره بين الشعراء والأدباء:

اقرأ أيضا: رسمياً.. زيدان يتولى تدريب منتخب الديوك – أخبار السعودية

 

وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدِي… إِذَا قُلْتُ شِعْرًا أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِدَا
فَسَارَ بِهِ مَنْ لاَ يَسِيرُ مُشَمِّرًا…  وَغَنَّى بِهِ مَنْ لاَ يُغَنِّي مُغَرِّدَا

شَرِيفٌ تَشَرَّفَ أَهْلُ الأَدَبِ بِهِ.. وَأَنْتَ بِقَوْلِي لَهُ أَشْرَفُ

قَوَافٍ إِذَا سَارَتْ حَسِبْتَ سُرَاهَا..  بِقَلْبِ المُلُوكِ السَّائِرِينَ تُخَلَّدُ

 

وإنما يتقلد ذلك الإبداع الإمتاعي تيجانًا من روائع الحكمة الفلسفية في تحليل النفس الإنسانية واستخلاص أمراضها خاصة تلك التي تصدر عنها الجرائم النفسية مثل جرائم العِرْض والشرف.

وهذا النوع من الجرائم التي تناولها المتنبي ليست على ما قد يتبادر إلى الأذهان اليوم؛ لأن مفهوم تلك الجرائم (جرائم العِرض والشرف) قد تطور دلاليا واصطلاحيًا وعرفيًا عما كان سائدًا في التراث  العربي.

 

إذ الشرف الذي يعني في اللغة السمو والمجد والرفعة في المقام والارتفاع في المكان قد تطوّرعبر الزمن للدلالة في التراث على العلو المادي والمكانة العشائرية والنسب، مرورًا بالارتباط الوثيق بالقيم والفضائل الأخلاقية الفردية والجماعية، والاستقامة الشخصية في سلوكها المُكْتسب ومعاييرها الذاتية المتضمنة نبل النفس، والصدق، والأمانة، والوفاء والنزاهة، والترفع عن الدناءات كما في قول المتنبي:

لا يَسْلَمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى … حتى يُراق على جوانبه الدمُ
يُؤذي القليلُ من اللئام بطبعه  … مَنْ لا يقل كما يقل ويلؤم

لكنه في الاستعمال المعاصر قد يضيق مفهومه حتى يكاد يلتصق بدائرة عفة الجسد لدى المرأة وسلوكياتها تجاه الرجل خارج إطار الزواج، وهو توظيف مستحدث لا يتطابق مع المعنى الأخلاقي الشمولي المرتبط بمنظومة القيم الأخلاقية العامة التي يجب أن يتحلى بها الرجال والنساء على حد سواء من أمانة وصدق واستقامة.

 

والتطور نفسه قد أصاب الاستعمال الدلالي لكلمة العِرْض التي انتقلت في التراث العربي من الدلالة الحسيّة والمادية الواسعة إلى التخصيص المعنوي والأخلاقي المرتبط بالشرف والكرامة.

 

فلفظة العِرْض التي أُطلقت في الأصل على النفس والبدن أو الجسد، أو للدلالة على معانٍ مادية مختلفة كالرائحة والسحاب الكثير، والوادي غزير الشجر، قد تطورت لتُستعمل في الدلالة على موضع المدح والذم في الإنسان؛ ليغدو العِرض بذلك الجانب المعنوي الصفاتي الذي يُعرف به الإنسان من خلال أخلاقه، أو حَسَبه، أو سيرته، وذلك بغض النظر عن ذات جسده هو.

 
ومن ثَمَّ اختص لفظ العِرض بشكل شبه تام  بالشرف والسمعة والنفس المصونة بالعفة والنزاهة عن الفواحش والمطاعن:

إذا المرءُ لم يَدْنَس من اللؤم عِرْضُه … فكلُّ رداء يرتديه جميلُ

 

ولكن ما حدث للفظ الشرف من ضيقٍ استعمالي قد تكرر مع لفظ العِرْض الذي اقترب في الاستعمال من الاختصاص بسمعة المرأة فيما يخص جسدها وسلوكها.

 

أما الشرف والعرض لدى المتنبي فيبقيان مفهوما واصطلاحا كما استقر عليهما التراث العربي في رباطهما الوثيق بالقيم والفضائل الأخلاقية النبيلة فردية وجماعية وكذلك بالاستقامة الشخصية في السلوك السوي القائم على نُبْل النفس والصدق والأمانة والوفاء والنزاهة والترفع عن الدناءات كما يظهر في قوله:

لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ  …  الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقْدَامُ قَتَّالُ

وَتَرْتَفِعُ الخِلالُ لِصَاحِبَيْهَا  … إِذا شَرَفٌ بَدَا لَكَ في المَنَالِ

وفي قوله:
وَإِذا الفَتى جَمَعَ المُروءَةَ وَالتُقى… وَحَوى مَعَ الحَسَبِ الرَفيعِ شرافا
فَقَدِ اِستَوى في المَجدِ كُلُّ بَنائِهِ…  وَأَقَرَّ مَن عاداهُ أَن لا خافا

 

وعندما نظر المتنبي إلى الإنسان رآه كائنا روحيا باطنيًا وأن ذلك أشرف ما فيه قبل أن يكون جسدا ظاهرًا، ولذلك جعل قيمة المرء الحقيقية في شرفه ونبل نفسه وليس في مادياته.

وكانت نظرته تلك للإنسان هي مفتاح  قصائده التشريحية للنفس الإنسانية والتي انتهى فيها إلى أن الخيانة هي أم الرذائل التي تُفسد الضمير الإنساني، فيفسد بها المجتمع.
 

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يجري اتصالًا هاتفيًا بالشيخ مشعل الصباح.. ويؤكد دعم مصر الكامل مع دولة الكويت

والمتنبي يتماهى بذلك مع التحذير القرآني من تلك الرذيلة وأصحابها، ومع بيان الله ذمَّه للخيانة وكراهيته للخائنين في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، وقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنْ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ).

 

وذلك لأن الخيانة ليست مجرد نقض لعهد معقود مع البشر بل هي نقض لعهد مع الله بتحمُّل الأمانة العظمى التي رفضتها السموات والأرض: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)؛ ولذلك فهي دليل على خساسة الطبع ولؤم النفس كما عبَّر المتنبي:

إذا أنت أكرمتَ الكريمَ مَلَكْته…  وإنْ أنت أكرمتَ اللئيمَ تمرَّدا.

 

فالخيانة ليست مجرد مخالفة، وإنما انهيار في بنية النفس تقودها إلى أبشع الجرائم المعنوية والحسية من  اغتصاب حقوق الآخرين، والاعتداء على حرمات المجتمع.

 

كما أن الخيانة كما يراها المتنبي هي إعلانٌ عن فقر النفس لدى الخائن؛ وإحساس رهيب بالنقص الذي يسعى لاستكماله بهدم الآخرين والنيل من ممتلكاتهم وذواتهم، ولذلك يرى أن كبار النفوس وحدهم هم من يقاومون مغريات الخيانة ومكاسبها:

وإذا كانت النفوسُ كِبارًا  …. تعبتْ في مرادها الأجسامُ

 

فالنفس الكبيرة  تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يصنع وليس فيما يحصله بخيانة الأمانة المؤتمن عليها.. وربما يكون أشقُّ أنواع الخيانات وأقسى مراتبها مرارة عندما تأتي ممَّن يُلْتمس منهم الوفاء ويُنتظر الدعم والرعاية، كما قيل:

أيا طعنةً جاءت من الظهرِ من دمي.. ومَنْ كنتُ أحسبهُ العضيدَ ومعصمي
أأنت الذي هدمتَ ما بَنَتْهُ المُنَى.. وكنتَ الدواءَ فصرتَ أنتَ لي سُمي
تجرعتُ سُمًا من يديْكَ..  ولم أكنْ أظنُ قريبًا بالأذى يتقدمِ
فيا حُزنَ قلبي والظنونُ خيبةٌ..   وجرحُ ذوي القربى أشدُ وأظلمِ.

فما أَشَدَّ على الأستاذ وأَظْلَم له من أن يتألم بخيانة تلميذه عندما ينتحل أعماله؛ فينال عنها جائزة كان الأستاذ الأحق بها! وما أشدَّ على طلاب الدراسات العليا بالماجستير والدكتوراة وأظلمَ لهم من أن يخون المشرف على أبحاثهم أمانته، فينتحلها ويدعيها لنفسه، فيُرُقِّي بها إلى درجة أكاديمية ليس جديرا بها!

اقرأ أيضا: يسرائيل كاتس: طائرات أمريكية شنت غارات على إيران انطلاقا من مطارات إسرائيلية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً