
فى الإسكندرية يستطيع المار أن ينتقل خلال دقائق بين أكثر من عصر، يخرج من شارع يعود تخطيطه إلى المدينة القديمة، فيجد بائعى الكتب، ثم يمر بمسرح أنشئ فى عشرينيات القرن الماضى، وعلى مسافة قصيرة تظهر بقايا المدينة الرومانية، قبل أن تقوده الطرق إلى ميدان شهد أحداثًا سياسية صنعت تاريخ مصر الحديث، ثم إلى البحر والقلعة ومحطة الرمل.
اقرأ أيضا: مواعيد الجولة الأولى في مسابقة الدوري الممتاز
فالمدينة التى أسسها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد فوق منطقة مصرية قديمة عرفت باسم راقودة، ظلت عاصمة لمصر خلال العصر البطلمى ومركزًا رئيسيًا فى البحر المتوسط، وتعاقبت فوق شوارعها طبقات يونانية ورومانية وإسلامية وحديثة.
وبمناسبة الاحتفاء بـ”ذاكرة المكان”، نتوقف عند سبعة أماكن يمكن من خلالها قراءة جانب من تاريخ الإسكندرية.
1 ـ شارع النبى دانيال.. شارع الكتب الذى يعبر المدينة القديمة
يمتد شارع النبى دانيال فى قلب وسط الإسكندرية، ويرتبط فى الذاكرة المعاصرة ببائعى الكتب والمكتبات، لكنه يحمل أيضًا طبقة أقدم بكثير من المدينة الحديثة.
وتشير أعمال تطوير الشارع إلى أن مساره يرتبط بالتخطيط القديم للإسكندرية الذى وضعه المهندس دينوقراطيس بعد تأسيس المدينة فى القرن الرابع قبل الميلاد، وخلال العقود الأخيرة أصبح النبى دانيال واحدًا من أشهر أماكن بيع الكتب القديمة والمستعملة فى الإسكندرية، وصار المرور به جزءًا من تجربة الباحثين عن الكتب خارج المكتبات التقليدية.
وفى 2024 دخل الشارع مشروع تطوير تضمن ترميم واجهات مبانٍ تراثية وتوحيد عناصر المحال واللافتات فى أجزاء منه، بهدف الحفاظ على طبيعة المنطقة التاريخية، وبذلك يجمع الشارع بين ذاكرتين؛ ذاكرة تخطيط المدينة القديمة، وذاكرة ثقافية حديثة صنعها الكتاب والقارئ والبائع.
2 ـ شارع فؤاد.. الطريق الكانوبى القديم
على مقربة من النبى دانيال يمتد واحد من أشهر شوارع الإسكندرية التاريخية: شارع فؤاد، أو طريق الحرية حاليًا، ويرتبط مساره بما كان يعرف فى العصر القديم بالطريق الكانوبى، أحد المحاور الرئيسية فى تخطيط الإسكندرية، وكان يمتد شرقًا فى اتجاه كانوب، وتشير المصادر إلى ارتباط الشارع بالتخطيط الشطرنجى الذى وضعه دينوقراطيس للمدينة، وتحمل مبانيه اليوم طبقات أحدث من الذاكرة؛ عمارة أوروبية الطابع، ودور ثقافة ومسارح ومبانٍ تنتمى إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وفى هذا الشارع تجتمع فكرة الإسكندرية التى عاشتها أجيال مختلفة: مدينة قديمة فى الأساس، أعادت القرون الحديثة بناء واجهتها مرة بعد مرة.
3 ـ مسرح سيد درويش.. 105 أعوام من الموسيقى
فى شارع فؤاد نفسه يقف مسرح سيد درويش، دار أوبرا الإسكندرية، أنشئ المسرح عام 1921، وصممه المعمارى الفرنسى جورج بارك مستلهمًا عناصر من أوبرا فيينا ومسرح الأوديون فى باريس، وكان يحمل فى بدايته اسم «مسرح محمد على .
وفى عام 1962 حمل اسم الموسيقار السكندرى سيد درويش، وأصبح لاحقًا تابعًا لدار الأوبرا المصرية، وخضع لأعمال ترميم وتطوير قبل إعادة افتتاحه عام 2004، ومنذ افتتاحه مرت على خشبته عروض موسيقية ومسرحية عديدة، فأصبح المبنى نفسه سجلًا لذاكرة الفن فى المدينة، إلى جانب قيمته المعمارية، وهو اليوم من المباني المسجلة أثريًا، وجرى تنفيذ أعمال لصيانة وترميم واجهاته ضمن جهود الحفاظ عليه.
4 ـ كوم الدكة.. مدينة رومانية تحت قلب الإسكندرية
وسط زحام المدينة الحديثة تظهر منطقة كوم الدكة كنافذة مفتوحة على الإسكندرية الرومانية والبيزنطية، وتضم المنطقة المسرح الرومانى، إلى جانب منازل ذات أرضيات فسيفساء، وحمامات عامة وخاصة، وقاعات يُعتقد أنها استخدمت فى التعليم أو النشاط الفكرى.
ويمتد تاريخ آثار المنطقة من القرن الثانى حتى القرن السادس الميلادى، وتصفها وزارة السياحة والآثار بأنها نموذج مصغر يعكس جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية فى الإسكندرية القديمة، أما المدرج المعروف باسم المسرح الرومانى فشُيد فى صورته المعروفة خلال القرن الرابع الميلادى، وتغير استخدامه عبر الزمن بين الاستماع والعروض والاجتماعات، فيما كشفت الحفائر المحيطة به عن قاعات للدراسة وعناصر عمرانية أخرى.
5 ـ المنشية.. الميدان الذى سمع قرار تأميم قناة السويس
ينقلنا ميدان المنشية إلى طبقة مختلفة تمامًا من تاريخ الإسكندرية، نشأ الميدان فى عهد محمد على، وعرف خلال تاريخه بأسماء عدة بينها ميدان القناصل وميدان محمد على، وارتبط تصميمه بالمعمارى الإيطالى فرانشيسكو مانشينى.
وشهد الميدان أحداثًا كبرى؛ تعرض للقصف البريطانى عام 1882، وشهد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954، ثم جاءت اللحظة الأشهر فى 26 يوليو 1956، حين أعلن عبد الناصر من الإسكندرية قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، وهكذا تحول الميدان من فضاء تجارى وعمرانى إلى شاهد مباشر على واحدة من أهم لحظات التاريخ السياسى المصرى فى القرن العشرين.
اقرأ أيضا: الوقوف أمام محل بالإسكندرية يشعل خلافا، سقوط شخصين حطما واجهة محل في قبضة الأمن
6 ـ الأنفوشى وقلعة قايتباى.. مكان الفنار الذى صار حصنًا
عند الانتقال إلى بحرى والأنفوشى يصل الزائر إلى واحدة من أكثر نقاط الإسكندرية ارتباطًا بالبحر: قلعة قايتباى، بناها السلطان المملوكى الأشرف قايتباى بين عامى 1477 و1479 عند الطرف الشرقى لجزيرة فاروس القديمة، على أنقاض موقع فنار الإسكندرية، بهدف حماية المدينة من الهجمات البحرية.
وهذا الموقع نفسه يحمل ذاكرة أقدم؛ فأسفل المياه المحيطة بالقلعة عُثر على آلاف العناصر الأثرية، بينها كتل معمارية وتماثيل وقواعد وأعمدة، وبعضها يرتبط بالمبانى القديمة التى انهارت فى المنطقة بفعل الزلازل، ومن هنا يجتمع فى المكان تاريخان: فنار العالم القديم الذى أصبح من عجائب الدنيا، والحصن المملوكى الذى قام بعد قرون فوق موقعه.
7 ـ محطة الرمل.. قلب الإسكندرية الحديثة
تنتهى الرحلة عند محطة الرمل، المنطقة التى أصبحت خلال العصر الحديث أحد أكثر أماكن الإسكندرية ارتباطًا بالحياة اليومية والثقافية، تتقاطع حولها شوارع المدينة الرئيسية، وتجاورها مبانٍ وفنادق ودور عرض ومقاهٍ ارتبطت بتاريخ الإسكندرية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، بينما أصبحت محطة الترام جزءًا من صورتها البصرية والذاكرة اليومية لأهل المدينة، وقربها يمتد ميدان سعد زغلول والكورنيش، لتصبح محطة الرمل نقطة تجمع بين المدينة المبنية والبحر، وبين العمارة الأوروبية والطابع السكندرى الذى تشكل خلال القرن العشرين.
اقرأ أيضا: محافظ القليوبية يتابع العمل بالفترة المسائية للعيادات الخارجية بمستشفى بنها التعليمي