تقنيات القصيدة الصوفية فى شعر عواطف يونس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تمثّل الشاعرة عواطف يونس (القاهرة، 1965) صوتًا أنثويًّا مميزًا في المشهد الشعري المصري، وقد ارتبطت تجربتها الشعرية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بمسار إبداعي متنوع، أفرز عددًا من الأعمال الشعرية والنقدية والدراسات الأكاديمية وغيرها.

اقرأ أيضا: جلاس أونيون وذكريات البيتلز على المسرح المكشوف في ليالى صيف الأوبرا 2026

وتقوم القصيدة عند عواطف يونس على توظيف مجموعة من التقنيات الجمالية والفنية المتنوعة، على مستوى المبنى والمعنى معًا؛ إذ تنفتح نصوصها على موضوعات وتجارب متعددة، تتداخل فيها الرؤية الرومانسية بالواقعية والتاريخية والاجتماعية، فضلًا عن استدعاء صور ومكونات تراثية وأسطورية وقصصية وشعبية وقرآنية وصوفية. ولا تأتي هذه المكونات بوصفها زخارف خارجية أو إحالات عابرة، وإنما تؤدي أدوارًا فاعلة في بناء التجربة الشعرية، وتشكيل أبعادها الدلالية والجمالية.
ومن بين هذه المكونات، يبرز المكوّن الصوفي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية في التجربة الشعرية لعواطف يونس؛ فقد استثمرت الشاعرة عددًا من الرموز والأصوات والإشارات الصوفية، واستدعت أسماء وتجارب صوفية كبرى أسهمت في تشكيل الذاكرة الأدبية الصوفية، مثل الحلاج، والشبلي، وابن عربي، وعبد الجبار النفري، وغيرهم. ومن ثمّ، تحوّل الرمز الصوفي في شعرها إلى بنية دلالية تتجاوز حدود الإحالة التاريخية، لتصبح أداةً للتعبير عن قلق الذات، وشوقها، واغترابها، ورغبتها في تجاوز الواقع المادي نحو أفق روحي أكثر اتساعًا.
وتطرح قصيدة عواطف يونس أصواتًا صوفية حزينة، تنزع إلى الزهد في ملذات الحياة وزخارفها المادية، وتبحث عن خلاص روحي يتجاوز ثقل الواقع وماديته. ويبدو هذا المنحى واضحًا في عدد من نصوصها التي تمتد زمنيًّا من ثمانينيات القرن الماضي إلى المرحلة الراهنة؛ إذ تنفتح الذات الشاعرة على التجربة الصوفية بوصفها فضاءً للتأمل والبحث عن المعنى، لا بوصفها مجرد استعادة لمقولات أو رموز جاهزة.
وهكذا، يتخذ الشعر عند عواطف يونس طابعًا أشبه بالطريق الروحي الذي تلجأ إليه الذات في مواجهة جراحها الداخلية ونزيفها الروحي والدنيوي؛ فتغدو القصيدة مساحةً لتضميد الألم، ومقاومةً لزيف العالم، ومحاولةً لاستعادة المعنى في عالم تتكاثر فيه مظاهر الاغتراب والعبث.

أولًا: طبيعة الرمز في القصيدة الصوفية

يُعدّ الرمز من أبرز الأدوات الفنية التي تقوم عليها التجربة الشعرية، ولا سيما حين يتصل النص بالتصوف؛ ذلك أن التجربة الصوفية، في جوهرها، تجربة قائمة على الإيحاء والإشارة والتلميح، وعلى الانتقال من المباشر والمحسوس إلى المجرد والروحي.

وتتعدد طبيعة الرمز في النص الشعري، فقد يكون صوفيًّا أو شعريًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو تاريخيًّا؛ إذ يستمد الرمز قيمته من قدرته على تجاوز الدلالة المباشرة، وإنتاج شبكة من المعاني المتراكبة التي تتجاوز حدود اللفظ الظاهر.

ومن هنا، لا يعود الرمز مجرد عنصر جمالي في القصيدة، وإنما يتحول إلى بنية دلالية فاعلة، تستوعب التجربة الإنسانية وتعيد تشكيلها في صورة شعرية. فالعلامة أو الرمز لا يحيلان إلى معنى واحد ونهائي، وإنما يفتحان النص على مجموعة من الاحتمالات التأويلية.

ويكتسب الرمز الصوفي خصوصيته من كونه يقوم على الانتقال من المحسوس إلى المجرد، ومن الظاهر إلى الباطن، ومن التجربة المادية إلى التجربة الروحية. ولذلك، فإن الرمز الصوفي لا يقدم المعنى بصورة مباشرة، بل يتركه في حالة من التوتر الدلالي الذي يستدعي قارئًا قادرًا على إعادة بناء شبكة العلاقات التي تنتظم النص.

وتكشف قصيدة عواطف يونس عن وعي واضح بهذه الطاقة الرمزية؛ إذ تستثمر الشاعرة عددًا من العلامات ذات المرجعيات الصوفية، لتعيد إنتاجها ضمن سياق شعري جديد. ومن ثمّ، فإن الرمز في تجربتها لا يظل أسير مرجعيته الأصلية، بل يدخل في علاقات جديدة مع الذات واللغة والواقع.

ثانيًا: سيميائية العلامة

تؤدي العلامة اللغوية دورًا أساسيًّا في بناء النص الشعري؛ إذ لا تتوقف وظيفتها عند حدود الدلالة المعجمية المباشرة، وإنما تنفتح على مجموعة من الإيحاءات والتداعيات التي تتولد من السياق الشعري.

فالعلامة، في جوهرها، تقوم على استبدال شيء بشيء آخر، بحيث يصبح الحضور اللغوي حاملًا لمعنى يتجاوز وجوده المادي المباشر. ومن هنا، فإن العلاقة بين الإنسان والعالم ليست علاقة مباشرة، وإنما تحكمها شبكة واسعة من العلامات والرموز والوسائط التي تمنح الأشياء دلالاتها.

وقد أشار الدكتور أحمد يوسف، في كتابه السيميائيات الواصفة، إلى أن العلامة بوصفها وحدة بين الدال والمدلول تمثل محورًا أساسيًّا في المقاربة السيميائية؛ إذ لا تنفصل دلالة العلامة عن العلاقات التي تنتظم داخل النظام الذي تنتمي إليه.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى العلامة في شعر عواطف يونس بوصفها وحدة دلالية قابلة لإنتاج المعنى وتوسيعه؛ فاللفظ لا يظل محصورًا في دلالته المباشرة، وإنما يتفاعل مع بقية العلامات داخل النص، لينتج شبكة من الدلالات المتشابكة.

ومن هنا، فإن الرمز الصوفي في شعرها لا يعمل منفردًا، بل يتفاعل مع مجموعة من العناصر الأخرى: المكان، والذاكرة، واللغة، والصوت، والضمير، والإيقاع. وبهذا التفاعل تتشكل بنية شعرية تتجاوز الدلالة المباشرة نحو فضاء تأويلي أكثر رحابة.

إن النسق السيميائي في النص ليس إلا تجليًا ملموسًا لما يعتمل في النفس؛ فالعلامة اللغوية قادرة على تحويل التجربة الداخلية إلى صورة خارجية قابلة للتلقي والتأويل. وفي هذا السياق، يصبح الرمز الصوفي وسيلةً لإخراج التجربة الروحية من حيزها الخاص إلى فضاء اللغة والشعر.

ثالثًا: سيمياء العنوان

يحمل عنوان ديوان عواطف يونس: «ثَمَّةَ ضجيجٌ في وادي النمل» مجموعة من العلامات اللغوية والإشارية التي تفتح النص على شبكة من الدلالات المتعددة.

ويتشكل العنوان من مفارقة واضحة بين «الضجيج» و«وادي النمل»؛ فالضجيج يحيل إلى الأصوات المتعددة والاضطراب والحركة، في حين يحيل «وادي النمل» إلى عالم صغير منظم، تتجاور فيه الحركة والعمل والصمت.

ويبدو «النمل» في العنوان علامةً مركزية تستدعي شبكة من المرجعيات الدينية والثقافية؛ فقد حظي بحضور واضح في القرآن الكريم، وارتبط في الذاكرة الثقافية بدلالات الحكمة والدهاء والصبر والعمل والجماعة.

غير أن الشاعرة لا تستعيد هذه الدلالات بصورة مباشرة، وإنما تعيد تشكيلها داخل سياق شعري جديد. فـ«وادي النمل» يتحول إلى فضاء رمزي يمكن أن يحيل إلى العالم الإنساني نفسه؛ عالم تتحرك فيه الكائنات، وتتصارع، وتبحث عن النجاة، وتعيش في ظل ضجيج دائم.

ومن ثمّ، فإن العنوان لا يقدم مجرد وصف لمكان، وإنما يفتح أمام القارئ أفقًا تأويليًّا يتجاوز الدلالة الظاهرة. فـ«الوادي» قد يصبح رمزًا للعالم، و«النمل» رمزًا للكائنات التي تتحرك داخله، بينما يمثل «الضجيج» حالة الاضطراب التي تحيط بالوجود الإنساني.

رابعًا: استدعاء الصوت الصوفي

تعتمد الشاعرة عواطف يونس على استدعاء أصوات صوفية كبرى، يأتي في مقدمتها صوت جلال الدين الرومي، الذي يحضر بوصفه صوتًا للعشق الصوفي والبحث عن الحقيقة.

ولا يقتصر استدعاء الرومي على الاقتباس أو التضمين، وإنما يتحول إلى حوار شعري بين صوتين: صوت الشاعر الصوفي القديم، وصوت الذات الشاعرة المعاصرة. وبهذا الحوار، تعيد عواطف يونس إنتاج التجربة الصوفية داخل سياق شعري جديد.

فالصوت الصوفي المستدعى لا يبقى خارج النص، وإنما يدخل في نسيجه، ويصبح جزءًا من بنيته الدلالية. وتتحول التجربة الصوفية القديمة إلى مرآة تنعكس عليها تجربة الذات الشاعرة، بما تحمله من قلق وحنين ورغبة في تجاوز الواقع.

وتتجلى صورة العشق الصوفي في عدد من المقاطع الشعرية التي تتجه فيها الذات نحو فضاء روحي يتجاوز العالم المادي، كما في قولها:

وأتخيل نفسي أنقّب في صحرائك

وأنني ما زلت أعيش

في قمة الهجير

أبلل روحي بعناقيد ذكرك

وأغني لإله الشمس المشرقة

ولسيد السماء.

تتأسس الصورة الشعرية هنا على مجموعة من العلامات ذات الإيحاء الصوفي؛ فـ«الصحراء» ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما تتحول إلى فضاء للبحث والتيه والاختبار الروحي. كما أن فعل «أنقّب» يوحي برحلة البحث عن معنى خفي، بينما تتجاوز عبارة «أبلل روحي بعناقيد ذكرك» الدلالة الحسية المباشرة، لتصوغ الذكر في صورة مادية تنتمي إلى عالم الماء والارتواء.

وتتداخل في المقطع علامات العطش والهجير والذكر والسماء، لتشكّل جميعها فضاءً روحيًّا تتحرك فيه الذات بحثًا عن الخلاص. وهنا تتجلى إحدى خصائص القصيدة الصوفية عند عواطف يونس؛ إذ تتخذ التجربة الروحية شكلًا حسيًّا، بينما يتحول المحسوس إلى علامة على معنى باطني.

وتقول الشاعرة:

اقرأ أيضا: الزنداني: الحوثي ينفذ أجندة إيران لزعزعة أمن المنطقة – أخبار السعودية

سلام عليك

وسلام وأنت تسير بمشكاة وجدك

وتقول: «تعالوا إليَّ، يا جميع المتعبين»

سلام على جسمك النحيل

وأنت ترقد هادئًا مطمئنًا.

يتأسس هذا المقطع على التناص مع الخطاب الديني، من خلال استدعاء لغة السلام والطمأنينة والنداء. ولا يأتي هذا الاستدعاء بوصفه عنصرًا زخرفيًّا، وإنما يؤدي وظيفة بنائية في تشكيل الصوت الصوفي داخل القصيدة.

وتبدو الذات الشاعرة في هذا السياق وكأنها تتحاور مع صوت متعالٍ، أو تستدعيه، أو تبحث عنه. ومن ثمّ، يتحول النداء إلى وسيلة للتواصل مع الغائب، بينما يصبح السلام فعلًا من أفعال التعلق والرجاء.

إن القصيدة هنا تقوم على تداخل أصوات متعددة: صوت الذات الشاعرة، وصوت المعشوق، والصوت الديني أو الصوفي المستدعى. غير أن هذه الأصوات، على تعددها، تنصهر في النهاية داخل صوت شعري واحد هو صوت الذات التي تعيد بناء العالم من خلال اللغة.

خامسًا: الصوت الصوفي بين التراث والحداثة

تكمن أهمية التجربة الصوفية عند عواطف يونس في قدرتها على إعادة إنتاج الموروث الصوفي داخل سياق شعري معاصر. فالشاعرة لا تتعامل مع التصوف بوصفه ماضيًا مغلقًا، وإنما تستثمره بوصفه طاقة رمزية قادرة على التعبير عن أسئلة الإنسان المعاصر.

ولهذا، فإن استدعاء الشخصيات والأصوات الصوفية لا يعني العودة إلى الماضي، بل يعني إعادة قراءة الماضي من داخل الحاضر. فالتجربة الصوفية تصبح وسيلةً للتعبير عن الاغتراب، والبحث عن المعنى، ومقاومة المادية، واستعادة العلاقة بالروح.

ومن هنا، تتشكل القصيدة الصوفية عند عواطف يونس في منطقة وسطى بين التراث والحداثة؛ فهي تستمد رموزها من الذاكرة الصوفية، لكنها تعيد توظيفها داخل لغة شعرية معاصرة، وتمنحها دلالات جديدة تتصل بتجربة الإنسان الراهن.

وعلى هذا النحو، يصبح التصوف في شعرها ليس مجرد موضوع، وإنما طريقة في بناء القصيدة؛ إذ تتشكل اللغة من خلال الإشارة والإيحاء، وتتحول العلامة إلى مدخل للمعنى، ويتداخل الواقعي بالروحي، والمحسوس بالمجرد، والحاضر بالماضي.

خاتمة

تكشف قراءة القصيدة الصوفية عند عواطف يونس عن تجربة شعرية تقوم على استثمار مجموعة من التقنيات الجمالية والدلالية، يأتي في مقدمتها الرمز، والعلامة، والتناص، واستدعاء الأصوات الصوفية، وتوظيف المرجعيات الدينية والتراثية.

وقد أسهمت هذه التقنيات في تشكيل فضاء شعري تتجاوز فيه القصيدة حدود التعبير المباشر، وتنفتح على أفق من الدلالات الروحية والإنسانية. فالرمز الصوفي لا يحضر في شعرها بوصفه علامةً ثابتة، وإنما يتحول إلى بنية متحركة تعيد الذات الشاعرة من خلالها قراءة العالم.

كما أن استدعاء الأصوات الصوفية الكبرى، ولا سيما صوت جلال الدين الرومي، يتيح للذات الشاعرة إقامة حوار مع التراث، وتحويله إلى عنصر حي داخل التجربة الشعرية المعاصرة.

ومن ثمّ، فإن القصيدة الصوفية عند عواطف يونس تنبني على جدلية الحضور والغياب، والظاهر والباطن، والمادي والروحي؛ وهي جدلية تمنح النص طاقته التأويلية، وتكشف عن تجربة شعرية تسعى إلى مقاومة ضجيج العالم، والبحث عن صوت داخلي أكثر صفاءً وعمقًا.

اقرأ أيضا: عاجل – تنظيم موحد لبرامج اليوم الوطني ويوم التأسيس في حصص النشاط الطلابي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً