بينما كانت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تحتفل بإطلاق أحدث نماذجها المتقدمة، مثل (فابل 5) و(سول 5.6)، وما أثارته تلك النماذج من مخاوف داخل الإدارة الأمريكية بشأن قدرتها على تنفيذ هجمات إلكترونية معقدة، جاءت المفاجأة من بكين. فشركة ناشئة تُدعى (مونشوت AI) أعلنت نموذجًا جديدًا حمل اسم Kimi K3، ليقلب المشهد ويضع الهيمنة الأمريكية في موضع تساؤل، وفق توصيف تقارير إعلامية أمريكية اعتبرت ما حدث «نهاية الراحة الأمريكية» في صدارة الذكاء الاصطناعي المتقدم.
ما الذي يميز Kimi K3؟
النموذج الجديد يضم 2.8 تريليون معامل، وهو رقم ضخم يعكس حجم الشبكات العصبية التي تكوّنت خلال تدريبه. لكن ما يلفت الانتباه ليس الحجم وحده، بل طريقة عمله.
فالنموذج لا يشغّل كامل قدرته مع كل طلب، بل يعتمد على بنية داخلية تُشبه مؤسسة ضخمة تُحيل كل مهمة إلى الفريق الأنسب داخلها. هذا الأسلوب يمنحه قدرة على معالجة مهام معقدة بكفاءة عالية، مع خفض التكلفة التشغيلية مقارنة بالنماذج الأمريكية المنافسة.
وتقدّم الشركة نموذجها باعتباره وكيلًا رقميًا قادرًا على تنفيذ مشروع كامل، لا مجرد مساعد يجيب عن الأسئلة؛ فهو يبحث في آلاف الصفحات، يحلل البيانات، يبني المواقع، ينشئ العروض، ويكتب الشيفرات البرمجية ويختبرها ويصلحها، في دورة عمل متواصلة تشبه عمل فريق تطوير متكامل.
قدرات تتجاوز النصوص إلى العوالم الرقمية
نشرت (مونشوت) مقاطع مصوّرة تُظهر قدرة النموذج على تحويل الأفكار والرسومات إلى عوالم ثلاثية الأبعاد قابلة للّعب.
فارس، حصان، غابات، قرية خشبية، جبال ثلجية، وطقس متغير.. كل ذلك من وصف نصي فقط. كما عرضت الشركة قدرة النموذج على تحرير فيديو ترويجي من 56 مقطعًا، اختارها ورتّبها ونفّذ انتقالاتها، وضبط الصوت والإيقاع، في مهمة تستغرق عادة يومًا أو يومين من محرر محترف.
تفوق في اختبارات محددة رغم الفجوة العامة
ورغم اعتراف الشركة بأن النموذج لا يزال خلف (فابل 5) و(سول 5.6) في بعض الجوانب، إلا أنه حقق تفوقًا واضحًا في مهام بعينها، مثل البرمجة الممتدة، والبحث عبر الويب، والأتمتة، والتعامل مع الجداول المعقدة.
كما تصدّر اختبارات بناء واجهات المواقع على منصة (أرينا)، في مقارنات عمياء لا يعرف خلالها المصوّتون اسم النموذج، متقدمًا على النماذج الأمريكية المنافسة.
وفي اختبارات أخرى، تفوق على النموذج الصيني (GLM‑5.2)، وعلى (كلود أوبوس 4.8) و(GPT‑5.5)؛ ما عزز الانطباع بأن الصين باتت تقترب من القمة بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
ارتدادات اقتصادية في وول ستريت
إطلاق النموذج لم يمرّ مرور الكرام في الأسواق الأمريكية؛ فبحسب (بلومبرغ)، أعاد ظهور Kimi K3 مخاوف تكرار «لحظة ديب سيك»، وضغط على أسهم التكنولوجيا والرقائق، بعدما بدأ المستثمرون يعيدون حساباتهم بشأن العوائد المتوقعة من الإنفاق الأمريكي الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
أما (فايننشال تايمز) فأبرزت مفارقة لافتة: فـ(مونشوت) تسعى لتقييم يبلغ 31.5 مليار دولار فقط، مقابل 852 مليارًا لـ(أوبن إيه آي)، و965 مليارًا لـ(أنثروبيك)، رغم تقلص الفجوة بين قدرات نماذجها. وهو ما يضع تلك التقييمات الضخمة أمام اختبار صعب، خصوصًا مع ظهور نموذج قوي بتكلفة أقل.
إنذار أحمر في واشنطن
تتعامل واشنطن مع أقوى النماذج الأمريكية باعتبارها تقنيات إستراتيجية، وقد منعت الأجانب مؤقتًا من استخدام (فابل 5)، وما زالت تقصر (ميثوس 5) على مؤسسات أمريكية معتمدة.
في المقابل، تتعهد الشركة الصينية بنشر أوزان Kimi K3 في 27 يوليو؛ ما يعني أن الشركات والحكومات حول العالم ستتمكن من تنزيله وتشغيله وتخصيصه داخل خوادمها، دون الاعتماد على الشركة المطورة.
ولهذا قال محلل الذكاء الاصطناعي كيم إيزنبرغ: «اللعبة كلها تغيرت.. وأتوقع إطلاق إنذار أحمر».