الناقد أحمد حسن عوض يكتب: بشير رفعت يؤدى خياناته بأمانة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بشير رفعت شاعر ذو صوت خاص وملامح إبداعية متسقة، وقد بدأ نظم الشعر عبر قصائد تحتفي بالموسيقى وتثمن من دور شعر التفعيلة في مسيرة الشعر العربي، وتعد امتدادا له ولقوالبه الموسيقية والتصويرية والتقنية وحصد في ذلك السياق عددا من الجوائز التي أكدت موهبته وشرعية تجذره في المشهد التفعيلي الراهن، لكنه في ديوانه “يؤدي خياناته بأمانه” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2020م حاول أن يقتحم أفق قصيدة النثر ويجرب نفسا جماليا  مغايرا مؤديا خياناته لقصيدة التفعيلة بأمانة وفق ما تشي به عتبه العنوان التي تصدرت غلاف الديوان أو فضاءه العلوي  مكتوبة باللون الأحمر المجسد حالة التمرد والثورية الهادئة  التي اختطها الشاعر لنفسه لكي يكون خائنا أمينا في الٱن ذاته عبر تلك البنية العنوانية  التي تنهض على تقنية مزج المتناقضات، وتحيل على أكثر من دلالة لعل أهمها- في تصوري الشخصي- هو تلك الدلالة التي تتعلق بعلاقة المبدع بإبداعه السابق، حيث لابد للمبدع ألا يظل وفيا لتقاليده الجمالية الأولى التي جسدها في إبداعاته السالفة  بل يجب أن يثور عليها أو يخونها بأمانة مخلصا لجوهر الإبداع الأصيل الذي تكمن أصالته وفرديته الخلاقة في تجدده الدائم وسعيه إلى طرق جديدة لم تألفها تجاربه الإبداعية من قبل. وإذا كانت تلك سمة الإبداع الأصيل بعامة فإنها بلاشك ينبغي أن تكون أكثر وضوحا في فن الشعر الذي يكمن سر جماله وتميزه في انفتاحه على أفق التجديد طوال الوقت. لكن التجديد لا يتم بالنية الطيبة فحسب، بل يجب أن يتجلى فيما هو متحقق بالفعل، ساعتها يمكن للناقد المتمرس أن يقرر هل أدى الشاعر خياناته بأمانه أم لا؟ إذا استعرنا عنوان شاعرنا الدكتور بشير رفعت.
وإذا كان عنوان ديوان الشاعر قد هيأ  المتلقي ليتخذ موقفا شعريا بنيويا من حيث التعامل مع الديوان قبل الانخراط في قراءته وفقا لمفهوم جوناثان كولر  الذي أصله تجاه انحرافات الصياغة وموقف القارئ منها في كتابه الشعرية البنيوية فقد أسهمت عتبة التصدير- التي يحكي  فيها الشاعر عن موتسارت قائلا:

“عندما كان موتسارت طفلا وكانوا يطلبون منه أن يعزف على البيانو كان يقول: سأعزف، ولكن أخبروني أولا أنكم تحبونني”- في دفع القارئ إلى اتخاذ موقف شعري ينهض على التعاطف مع صاحب الديوان قبل أن يشرع في مطالعة قصائده أو معاينة فضائه الشعري بالرغم من المفارقة التي قد يخرج بها القارئ بعد الانتهاء من قراءة الديوان، وهي مفارقة تنهض على تعاطف الشاعر مع عالم الأشياء ضد عالم الإنسان، وكأننا إزاء خيانة أخرى من خيانات بشير رفعت لقارئه ، لكنها خيانة أمينة مخلصة  بكل تأكيد؛  لأنها تدعوه  إلى محاولة تفعيل جوهره الإنساني الشاعري المفتقد بعد أن أمسى  تعاملنا مع كائنات العالم وأشيائه قائما على منطق الجور الغاشم  والمنفعة البحتة في مقابل غياب التعاطف الرحيم معها بالرغم من  ادعاء  الإنسان أو القارئ/ المخاطب المفترض في الديوان أنه ملاك فإذا به يفاجأ بمجابهة  الشاعر له في قصيدته “ضد الملاك”  بعد أن طالبه بالتعاطف معه عبر مقولة موتسارت في تصدير الديوان:

لا تقل إنك ملاك
فأنت لم تخلق لهذا
لو كنت وردة لما تعطرت
ولو كنت ملاكا
لما أوقدت المصباح
لأن الملاك نور
ولو كنت ملاكا
لما تحممت
لأن النور موجة
ولو كنت ملاكا
لما قتلت الإنسان
الذي في داخلك
لأن الملاك لا يقال
هل تعلم
ما أجمل في الملاك؟
أنه لا يدري أنه ملاك


حيث ينهض  ذلك النص على نهج  حجاجي يواجه به الشاعر قارئه في نبرة توظف المنطق ولا تخلو من براءة الأطفال الذين يملكون اليقين والوضوح الذي لم يعرف الرياء بعد؛ ليدفع المتلقي إلى التأمل في ذاته وفي عالمه الحديث الذي انسربت فيه الإنسانية من بين أصابع أبنائه, ومع ذلك مازال الجميع  يدعي الفضيلة ويرتدى مسوح الملائكة.

لتنطلق نصوص الديوان- بعد أن أسس الشاعر ميثاق التلقي الذي ينهض على الصدق والمكاشفة – في صياغة رؤية كلية متناغمة عبر حدقة ذات رائية متأملة . تتسم بمنطق إبداعي متسق  ونظرة موحدة لإنسان العالم المعاصر في ضوء علائقه بأحداثه وكائناته وأشيائه،
حيث الصراع السرمدي المستمر حتى وإن خدعنا أحيانا بمنطق الهدنة التي هي في حقيقة الأمر ليست إلا استراحة لحروب جديدة وصراعات متتالية:

الحرب انتهت
الحرب انتهت
لكن حقل الألغام
لم يخبره أحد بذلك
غدا
سيلعب طفلان فوق الأنقاض
لتستيقظ قنبلة نائمة
إحصاء القتلى غير دقيق
وكل قائد عظيم تؤرخ له
مقبرة جماعية.

لندرك أيضا من خلال تلك العينة  النصية الدالة أن الشاعر يمزج خطابه الحجاجي المنطقي بخطاب  ساخر  ينطوي على الأسى الشفيف وإدانة قبح العالم بالرغم من تظاهر الشاعر  باتساق العالم عبر تأكيده  أن ثنائية الهدم والبناء مازالت بخير:

الحرب لا تهدم فقط
إنها تبني 
              المقابر
الحرب لا تنقص
لأنها تزيد الأشرطة السوداء
على الصور داخل الإطار
وتهدم عشش الطيور
لتشيد حظائر الطائرات

وفي هذا الإطار- الذي لا يبدو بعيدا عن إطار الصور ذات الأشرطة السوداء- يغدو بوسع قارئ الديوان أن يتفهم تلك النزعة التي أصبحت سائدة في كثير من قصائد النثر المعاصرة وهي نزعة التعاطف مع الكائنات والأشياء بل النزوع إلى أنسنتها ومنحها الحياة والفاعلية التي افتقدها الإنسان الحديث إلا على  مستوى- ما يمكن أن نطلق عليه اتساقا مع لغة الشاعر ورؤيته- الفاعلية التدميرية وهي الظاهرة التي  يحاول الشاعر مواجهتها  في نصوص كثيرة، ولو على المستوى الرمزي الذي ينهض على استنطاق الأشياء بما يجب أن تقوله إزاء لامبالاة الإنسان وعدم اكتراثه بها حتى في حياته اليومية العابرة لا حياة الحروب والصراعات، كما نرى على سبيل التمثيل في نص “حديث الغرفة”:

عند الليل
تقول الغرفة:
أطفئ النور
ونم قليلا
تعبت من حراستك
أنت مستيقظ
ولا تعلم أن الجدران الأربعة
تستند على بعضها البعض
من شدة التعب
وأن أكتافها
لم تغفل لحظة عن حمل السقف
نحن الغرفة
نحبك أيها الإنسان
ونمرر في أعصابنا
أسلاك الكهرباء لأجلك
والمقبس الذي يحفل
بالشمس الصغيرة
بينما أنت تخرج
وتشعل يقظتنا
فلا نستريح

حيث استطاع الشاعر في تلك القصيدة وغيرها من قصائد الديوان أن يجرب أدوات جديدة عليه، لم يكن قد وظفها من قبل سواء على مستوى خطابه الشعري أو رؤيته للعالم من حيث هيمنة منطق الحجاجي الشعري ونبرة السخرية الشجية والفاضحة في ٱن وتنوع مفارقات منطق المنفعة ومنطق المشاعر، وتعدد تمثيلات الذوات المتحدثة في القصائد والكفكفة  من سيطرة الأنا الفردية الغنائية التي كانت تهيمن على قصائده  السابقة لصالح ترك فضاء القول والبوح الشعري لكائنات العالم وأشيائه لتتحدث عن أرواحها المنسية على سبيل الخطاب  المباشر أو على سبيل استنطاق رؤاها وتمثلها عبر سرد الشاعر ذاته.

يؤدي خياناته بأمانة
يؤدي خياناته بأمانة

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً