
استقيظت على رنين التليفون، رقم خاص، انزعجت لآن الرقم الخاص بالنسبة لي هو المجهول، ولى سوابق مع جهات لا ارتاح في التعامل معها، استجمعت قوتي وقلت اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.
قلت: ألو.. صباح الخير.. مين؟
قال: صباح النور.. محمد بيه نوار؟
قلت: محمد نوار بدون بيه، أنا لا أحب البهوات.
قال: مكتب رئيس الوزراء.. لو سمحت ستمر عليك عربية بعد ساعة، وتكون ببدلة وكرافتة لو سمحت!
قلت: مكتب رئيس الوزراء وبدلة وعربية.. مش فاهم أي حاجة؟
قال: محمد بيه لو سمحت علشان الوقت إجهز وستمر عليك العربية وستعرف كل شىء عندما تلتقي مع دولة رئيس الوزراء.
إعتقدت أنه يهيئ لي، وقلت نام تاني بلا وجع دماغ، ولكن راجعت نفسي، فأنا يقظ وأصوات الشارع تصلني، والمروحة تبعث هواها، قررت أفعل ما طلبه مني، وأنتظر هل ستصلني عربية أم لا؟ مر الوقت وكأنه لمح البصر، وجاء صوت الشخص الذي هاتفني من قبل، يبلغني أن العربة في انتظاري.
ركبت العربة وسألت إلى أين؟ جاءت الاجابة في جملة واحدة، معهد التخطيط.
استقبلني عدد من الاشخاص، لا يتكلمون، سوى إتفضل حضرتك، قهوتك إيه، وجلست في الصالون، وكان هناك أشخاص آخرين لم يسبق لى معرفتهم، وشربت القهوة السادسة وانتظرت دقائق، ثم صحبني شخص إلى مكتب كبير، وفي آخره يقف الدكتور مصطفى مدبولي مبتسما، ومرحبا، وبدون مبالغة كنت أشعر أن كل هذا تهيؤات.
أهلا محمد بيه؟ قالها الدكتور مصطفى مدبولي
قلت: أهلا بحضرتك.
قال: نعرف أن لك ملاحظات على أداء الحكومة، ومع هذا نفكر فيك وزيرا للثقافة!
قلت: ليس لى ملاحظات على الحكومة!
قال: إزاى.. نتابعك ونعرف أراءك جيدا يا محمد بيه.. ونحن نرحب بالنقد.
قلت: عفوا حضرتك.. وبدون زعل.. أنا أرفض تماما سياسات الدولة كلها وليست الحكومة فقط!
قال: أنت تبالغ جدا.. الانجازات يتحدث العالم كله عنها، والدولة تخطو خطوات واسعة للتقدم في كل المجالات!
قلت: ولكن لا يوجد مواطن من عشرات الملايين البسطاء يشعر بأي تحسن، بل الحكومة تعتبر جيوب الغلابة هو المصدر الوحيد لتحصيل الأموال، الشباب محبط، انعدام فرص العمل، كل الأسعار تلهب حياة المصريين، المواطن في وادي والحكومة تعمل لصالح الأغنياء فقط.
قال: واضح إنك غير متابع لكل الانجازات، منها مركز القيادة الذي افتتح مؤخرا، مفاعل الضبعة بدأ يخطو خطوات مهمة للانتهاء منه، كل يوم نكتشف آبار للبترول والغاز وزيادة الرقعة الزراعية ونبنى مصانع.. ومع أن ملاحظاتك عصبية ولكن فكرنا فيك لتولي وزارة الثقافة، ونعلم إنك إبن الوزارة!
قلت: أنا لا أصلح سيدى.. لا أصلح أن أكون وزيرا في حكومة الوزير فيها لا يستطيع أن يتخذ قرارا إلا بعد العودة لأجهزة الدولة المختلفة!
قال: لا يحدث أي شئ مما تقول الوزير لدينا حر في وزارته تماما!
قلت: لا يا سيدى.
قال: لو توليت المسئولية ماذا يمكن أن تفعل؟
قلت: سأفتح أبواب جميع قصور الثقافة للأطفال والشباب مجانا لممارسة الانشطة المختلفة، مع توفير الخامات لهم، سأقرر أن جميع قاعات الفن التشكيلى مجانا للفنانين، وتحويلها إلى قاعات تمارس فيها الورش الدائمة، سألغي لجان المجلس الأعلى للثقافة ومع نقل جميع الأنشطة إلى الاقاليم وبعيدا عن القاعات المغلقة.
هناك الكثير ولكن لم أستعد للاجابة على سؤال سيادتكم. وأؤكد مرة أخرى أنا لا أصلح مطلقا أن أكون في وزارة الشعب يرفضها.
قال: ألا تشعر إننا تحملنا نقدك العنيف بصبر وأنت قاسي على الحكومة التي تعمل أربعة وعشرين ساعة في اليوم.
قلت: إنزل سيادتك وإجلس متخفيا بين الناس ستسمع أكثر كثيرا مما قلته، الشعب أصبح يئن ويفتقد الأمان مع سياساتكم، ويكفي قانون طرد عشرات الملايين بقانون أعرج، هل فكرت الحكومة ماذا يعنى رفع الايجار عشرة اضعاف لصاحب معاش؟ أنتم لا علاقة لكم بالمواطن.
قال: محمد بيه أهلا بك وسمعنا منك الكثير وسيتم وضعه في الإعتبار.. شكرا.
وخرجت ووصلت حتى الشارع فلم أجد العربة التي أخذتني من البيت، وأشار لي الأمن بالابتعاد عن بوابة المعهد، وذهبت أسأل عن المواصلات التي تقربني إلى أي محطة مترو تلك وسيلة المواصلات المحببة لي، وأنا أعبر الشارع لا أعرف ماذا حدث لي، ولم أشعر إلا بطبيب يقول لى حمد الله على السلامة، وأدركت إن كل ما حدث حلم أو تهيؤات، وحاولت إثبات أن ما حدث كان حقيقة وليست خيال لنفسي قبل الاصدقاء.